مقدّمة في ثقافة القمع العُمانية

الجمعة 3 سبتمبر 202107:42 ص

التشاؤم في التعاطي مع الأمور، يعطينا الرفاهية التامة، لعيش مآسٍ غير حقيقية، ويعطينا خيارات حياتية محدودة. فعلى المستوى الاجتماعي العام، هذا التشاؤم ليس شيئاً جديداً، وإنما هو تراكم لخيبات قديمة، ومحطات إنسانية وسياسية كثيرة، ولا أتحدث عن التشاؤم في التعاطي مع الأمور في الذاكرة العمانية فحسب، وإنما في الذاكرة العربية كلها، وبلا استثناءات. وإذا قررنا أن نتناول تجربة المجتمع العماني التي اتخذت مساراً مميزاً في تعطيل الإبداع والتنوع الفكري، فلن ننكر بأن هذا الشيء ليس أمراً مستحدثاً وجديداً، وإنما هو ناتج عن صبغة اجتماعية قديمة، تعودت على السعي في مسار أخلاقي-سلبي، وإيجابي-واحد، وهذا المسار ما هو إلا نتيجة فكر السلطة، وما تسعى إليه من توسيع وتضييق على المواطن العُماني، الذي ومن دون أدنى شك، تشكل بوجودها، خلال فترة زمنية واسعة. 

دراسة وعي الإنسان العُماني المحافظ، أصعب بكثير من دراسة الأفكار التي دخلت إليه، منذ بداية النهضة، والتي تم تحديدها من قبل سلطات متنوعة. فالخطوط الحمراء التي تضعها السلطة الدينية، تتقاطع مع خطوط السلطة السياسية الحمراء، في أحيانٍ كثيرة. فهذه البنية الاجتماعية منظمة دينياً وسياسياً، والهرم الاجتماعي يُبرز الرجوع الذي ولدته هذه السلطات كلها، في الإنسان العماني، ولا نقول إنه وليد فترة زمنية معينة، وإنما تكاثف مع الثقافة الرأسمالية، وسلطة رجال الدين التي تضع رجلاً ما، فوق الهرم الاجتماعي/ السياسي، وهذا الرجل إما أن يكون الحاكم، وحاشيته، أو رجال الدين. وتختلف النظرة إلى قمة هذا الهرم، من إنسان إلى آخر، حسب من مِن تلك القمتين المذكورتين يمثل الأهمية القصوى لهذا الإنسان، وتحت القمة يأتي الذكر المنزوع السلطتين، السياسية والدينية، ومن ثم بقية فئات المجتمع المتمثلة في الإناث والأطفال. 

هذا الأمر قد يكون في نظر الكثيرين، موضوعاً جانبياً وبلا أهمية، كونه بعيداً عن الوعي الاجتماعي -أي أنه موجود ولكن ليس معترفاً به- ولكنه يشكل نواة طبيعة الثقافة العمانية، وأنا لا أقول كلاماً جديداً لكثيرين من المتمعنين في ثقافة المجتمع العماني العادي، أو كما يُسمى "فكر الشارع العماني". فهذا الإنسان الذي يؤلّه الرجل، ويعطيه السلطة التامة للسعي وراء مصلحة الجميع، كونه العارف الوحيد -بعيداً عن كونه غير واعٍ للتغيرات الجذرية في فكر الشباب ومطالبهم- هو الذي خلق هوية ثقافية ضعيفة تخاف من أي مصطلح جديد، ومن أي توجه ديني وفكري مختلف، إذ إنها لم تصنع مجتمعاً جباناً فحسب، وإنما بنت، وأدلجت فكرة المؤامرة في الذاكرة العمانية خصوصاً، والعربية عموماً. فما هو جديد، ليس كله إلا مجرد محاولة خارجية لتشتيت المجتمع العماني "المتماسك"، وتشويه صورة الحكومة "المثالية". ومن التبعات الأساسية لتأثر الإنسان العماني بهذه الفكرة، أنه يجعل الوطن الذي من المفترض أن يكون للجميع، بغض النظر عن أفكارهم وتوجهاتهم الدينية، وأسلوب حياتهم، وطناً ضيقاً محصوراً في نوع اجتماعي وديني واحد، بعيداً البعد كله عن فكرة الوطن الذي لا يرفض أبناءه. 

هذا الإنسان الذي يؤلّه الرجل، ويعطيه السلطة التامة للسعي وراء مصلحة الجميع، كونه العارف الوحيد -بعيداً عن كونه غير واعٍ للتغيرات الجذرية في فكر الشباب ومطالبهم- هو الذي خلق هوية ثقافية ضعيفة تخاف من أي مصطلح جديد، ومن أي توجه ديني وفكري

القمع الممارس من قبل السلطتين، الدينية والسياسية، ليس شيئاً جديداً على المواطن العماني، وقد نكون نحن في فترة من أفضل فترات تعامل السلطة السياسية مع ما يتم تداوله من مصطلحات في الديموقراطية، والمظاهرات، وتعريف الوطن، والأحزاب، والأيديولوجيات المختلفة. ولكن هذا القمع الذي تمت ممارسته خلال فترات طويلة -والذي ضاق واتسع على مدى هذه الفترات، تبعاً لتغير السلطتين السياسية والدينية- أنتج مجتمعاً قامعاً بذاته، ويرفض التجديد، ويخاف منه، ويكرّس وقته وعمره للقضاء على ما هو جديد، كله، ويمجد التاريخ المنقضي بشكلٍ مبالغٍ فيه، وأنتج مجتمعاً ضيق الحدود، حتى على الصعيد الصغير جداً، أي الأسرة. فالأسرة لا تقبل أفكار أبنائها، وتوجهاتهم، وتخاف من أن يكونوا واعين لحقوقهم المسلوبة، وتعزز التوزيع الهرمي للمجتمع والدولة. وإن أردنا النظر من فضاءات أوسع، فإن المدرسة أيضاً نموذج جيد للقمع الممارس والممنهج -من قبل السلطة- ومن المفترض أن تكون مستقبل الوطن. فبدلاً من أن يطرح الطالب نقطة مضادة، أو تساؤلاً في مادة مثل التربية الدينية، أو الدراسات الاجتماعية (تربية وطنية)، يتم تخويفه إما بالنار، أو بالأمن، أو تتم تربيته على أن الأسئلة في الدين والسياسة محرمة، على الرغم من أن هذين المجالين هما الأكثر طرحاً في المجتمع. 

القمع الذي تمت ممارسته خلال فترات طويلة -والذي ضاق واتسع على مدى هذه الفترات، تبعاً لتغير السلطتين السياسية والدينية- أنتج مجتمعاً قامعاً بذاته، ويرفض التجديد، ويخاف منه

ولنأخذ النسوية نموذجاً أولياً للقمع، فقد قام المجتمع بمهاجمة النسويات العمانيات، واتهمهن بالجاسوسية، وقذفهن، ونعتهن بأقذر الألفاظ، وهذا محزن بقدر ما هو مثير للسخرية، إذ إن بعض الحجج ضد النسوية، تنم عن جهل وقراءة سطحية للوضع، كعدّ النسوية سبباً للانتحار. وعلى الرغم من أن هناك الكثير من الحقوق المسلوبة للمرأة في عُمان، وتجب مناقشتها بشكل عقلاني، في البرلمانات والمؤسسات الحقوقية، مثل أنه - قانونياً فحسب- لا يحق للمرأة تمرير جنسيتها إلى أبنائها، أو إخراج أي أوراق حكومية لأبنائها كجواز الميلاد، أو شهادته، من دون الرجوع إلى ولي الأمر المتمثل في الزوج، وأيضاً لا يوجد خط ساخن للعنف الأسري، والإجراءات القانونية جميعها معقدة، وتحتاج إلى أتعاب مادية، تكون المرأة غالباً غير قادرة على تحملها، وتعسير الزواج والطلاق، من دون ولي أمر (حالة الزواج)، وموافقة الزوج، وتأكيد وجود انتهاك حقيقي جسدي (في حالة الطلاق). ولكن لا يزال الهجوم مستمراً على النسويات من قبل المجتمع، ومن قبل السلطة السياسية، فقد أُغلق، قبل عامين، حساب "نسويات عمانيات" في تويتر، من قبل جهاز الأمن العماني، وتم استدعاء بعض القائمات عليه. 

وقد حدثت مؤخراً موجة اعتقالات، في حق حقوقيين ومغردين في تويتر، وظهرت أوسام تطالب بالإفراج عن البعض، واعتقال البعض الآخر، فمثلاً، تم اعتقال غيث الشبلي، بعد أن قام بفتح مساحة على تويتر بعنوان "محاكمة أحمد الخليلي بسبب كتاب مصرع الإلحاد"، وتمت مناقشة الكتاب فيها، كما نوقشت فيها أيضاً وجهات نظر مختلفة عن الإلحاد، وطالبوا بقبول مؤسساتي ومجتمعي للملاحدة، واللا دينيين، فارتفعت أوسام تهاجم الشبلي، ومجموعة أسماء أخرى، وطالبوا باعتقالهم، وبالفعل تم اعتقاله، مع مجموعة أخرى من الشباب العماني الذين شاركوا في المساحات، ومنهم نسويات وحقوقيون.

ظهرت بعد ذلك مطالبات بإغلاق متجر خمور افتُتح مؤخراً في مسقط، وغرّدت عبر تويتر مجموعة من الناس حول الأمر، بين معارض ومؤيد، وقد طالب طلال السلماني بإغلاق المتجر، وقدم ورقة موافقة على إقامة تظاهرة سلمية لإغلاقه، فقامت السلطات الأمنية باعتقاله. لذا نرى السلطة متخبطة بين إرضاء السلطة الدينية، واعتقالها، والمصيبة هنا ليست السلطة السياسية، وإنما المجتمع الذي طالب بالأمس بالاعتقال، وبعدها طالب بالإفراج، والمطالبة الأخيرة لم تكن لاحترام حرية التعبير، وإنما من أجل الرأي الذي تم الاعتقال بسببه. 

إن أردنا استنتاج شيء من هذا كله، فإننا سنعلم أن القمع ليس إلا نتيجة غير مفاجئة لأساليب التحكم، ولتمركز السلطة؛ لذلك فهذا المجتمع ليس إلا نموذجاً مصغراً تفتخر به السلطتان، الدينية والسياسية، وقد أثبت الإنسان العماني مدى تخلف سعيه الذي بدأ منذ 50 عاماً على المستويات الثقافية، والبرلمانية، والحقوقية، ولا يُلام عليه شخصياً، وإنما يجب عليه أن ينظر، ولو مرة، خارج منظاره الضيق.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard