هل يجب علينا أن نتفاءل في الخليج؟

الخميس 19 نوفمبر 202012:30 م

في الدول القابعة تحت حكم أنظمة شمولية، ومع قدوم كل مسؤول جديد لسدة الحكم وموقع المسؤولية، بعد وفاة من سبقه أو بانقلاب، يتسارع البعض للتعبير عن تفاؤلهم "بالحقبة الجديدة"، ويستبشر العشرات بتحليلاتهم التي ما هي إلا تمنيات بأن القادم أفضل، وأن ما يفصلنا عن الأيام الأجمل التي لم نعشها بعدُ سوى توجيه واحد من هذا المسؤول الجديد لجميع أجهزة السلطة لنشر الديموقراطية والمواطنة ومحاسبة المفسدين والمتنفذين!

هل هذه "التحليلات" تستقرىء الواقع بناءً على معطيات أو هي أمنيات؟

في المجتمعات التي يسود فيها حكم القانون ودول المؤسسات، قد يكون من السهل تحليل المتغيرات التي تطرأ على السياسات الداخلية والخارجية بتغير الحزب الحاكم أو الرئيس بناءً على انتماءاته الحزبية. في تلك الدول نوع من النمط المستقر لسياسات وتوجهات كل حزب من الأحزاب الرئيسية، وبالتالي من السهل استقراء أو توقع موقف هذا الحزب- في حال فوزه برئاسة الحكومة أو الدولة- من جملة الملفات الرئيسية داخلية كانت أم خارجية.

ولكن في الدول الشمولية وحكم الفرد، كيف يمكن تحليل تغيّر الوجوه والشخصيات؟ فلا مؤسسات حاكمة، ولا نمط متواتراً من المواقف يمكن من خلاله سرد التوقعات. فالسياسات العامة والاقتصادية والتشريعية والعلاقات الإقليمية والدولية تتوقف على مزاج المسؤول، فبالأمس كان ديكتاتورياً واليوم قرر أن يغير خطابه ليكون ديمقراطياً، بالأمس كانت دولاً شقيقة وصديقة واليوم أصبحت عدوة تزعزع الاستقرار الداخلي، وبعده يومين قد تعود شقيقة مرة أخرى!

بمعنى أوضح، السياسيات في منطقة الخليج على وجه الخصوص وغالبية الدول العربية، لا يمكن التنبؤ بها، لأنها مرتبطة بمزاج المسؤول الأول، ولا مُعقب عليه، بل ستشهد الصحافة "الوطنية" حملة تطبيل لرؤية فخامته أو جلالته الحكيمة والتي تتغير وتتناقض يومياً.

لا يمكن التنبؤ بالسياسيات في منطقة الخليج، لأنها مرتبطة بمزاج المسؤول الأول، ولا مُعقب عليه، بل ستشهد الصحافة "الوطنية" حملة تطبيل لرؤية فخامته أو جلالته الحكيمة والتي تتغير وتتناقض يومياً

السؤال الثاني، هل يجب علينا أن نتفاءل؟ أو بالأحرى لماذا يجب علينا أن لا نتفاءل؟ 

دفع الناس للتفاؤل فقط لأن المسؤول الجديد أصغر سناً أو درس في الخارج، أو يتحدث الإنجليزية بطلاقة، أو فقط لكونه جديداً في المنصب، مسألة في غاية الخطورة في طريق النضال والسعي من أجل الديمقراطية ودولة المؤسسات والقانون. 

في الحقيقة، إن هذا المسؤول الجديد هو ليس بجديد في دوائر اتخاذ القرار، ربما كان قبل ذلك وزيراً للداخلية يوم اعتُقل المواطنون وعُذبوا بسبب مواقفهم السياسية وانتماءاتهم المذهبية. وربما كان وزيراً للعمل يوم شهدت البلاد معدلات بطالة مرتفعة بين مواطنيها أصحاب المؤهلات العلمية والعملية، أو وزيراً للاقتصاد يوم أهدرت الملايين على هويات أصحاب السمو والسعادة ، وفي كثير من الأحيان كان هو المسؤول عن جميع أولئك الوزراء في ذلك اليوم، وأشرف على جميع "إنجازاتهم الوطنية" في الدفاع عن أرض الوطن من أطماع الصفوية  والإخوان والشيوعيين واليسار واليمين وسكان المريخ! 

يجب علينا أن لا نتفاءل لأن كل ما في الأمر هو تغيير في الوجوه والأسماء والمناصب، فالنظام هو نفسه، لم يتغير، ربما انتقل من اجتماعات الخيمة والمجلس إلى منصة "زووم"، لكن تبقى سياساته ونظرته لعموم الشعب هي نفسها، هم  الرعاة ونحن الرعية، هم  أولياء الأمور وعلينا الولاء والطاعة وبالضرورة ألا نقول لهم أفٌ أو ننهرهم. 

هل يجب علينا أن نتفاءل؟ أو بالأحرى لماذا يجب علينا أن لا نتفاءل؟

في البحرين على سبيل المثال، تم تعيين ولي العهد رئيساً للوزراء بعد وفاة عم والده الذي تمسك بمنصبه أكثر من أربعة عقود، وشارك عمه في السنوات الأخيرة إدارة الحكومة، وأمسك بقطاعات كاملة بنفسه، فلماذا لم نرَ إصلاحاً في تلك القطاعات التي أدارها كلها كما يذهب محللو التفاؤل؟ 

كان هو رئيس الوزراء الفعلي في السنتين الماضيتين، فلم تقِم الحكومة تحت سلطته بأي منجز يدعو إلى التفاؤل، هل نتحدث عن قرار التطبيع مع إسرائيل أم عن قرار عدم جواز انتقاد الموظف في قطاع الحكومي أياً من سياسات وقرارات الحكومة؟ ماذا فعل بصلاحيات مجلس النواب المنتخب؟ هل عززها أم أحكم السيطرة عليها؟ ماذا عن السعي المحموم لخصخصة القطاعات التي تقدم خدمات للمواطنين كالرعاية الصحية والتعليم؟ 

الاعتقال والمحاكمات الجائرة مستمرة، حرية التعبير في تراجع، والديْن العام وصل لمعدلات خيالية، وحقوق المتقاعدين تتبخر، والأموال تهدر على خيول وكلاب سلوقي وسيارات وفرق أصحاب السمو الرياضية. 

دعوة الناس إلى التفاؤل تزعجني جداً، فهي ممارسة لبيع الوهم، نحن نقول للناس كونوا أغبياء لا تتعلموا من التاريخ، وهي دعوة - وإن لم يكن هذا مقصدها- تعزز من شمولية هذه الأنظمة، ونضع المشكلة نفسها في جزء من الحل

دعوة الناس إلى التفاؤل تزعجني جداً، فهي ممارسة لبيع الوهم، نحن نقول للناس كونوا أغبياء لا تتعلموا من التاريخ، وهي دعوة - وإن لم يكن هذا مقصدها- تعزز من شمولية هذه الأنظمة، ونضع المشكلة نفسها في جزء من الحل.

دعوات التفاؤل هذه تقول لنا إن علينا "مدح" سموه "لنأخذ بشته"، متناسين أننا لا نريد بشته، لا نريد مكرمته وأياديه البيضاء، نحن نريد أن نكون مواطنين لا رعايا، نختار حكومتنا ونحاسبها وننتقدها من غير خوف أن ننتهي في سجن الحوض الجاف وإدارة الجرائم الإلكترونية والطابق الثالث للمجمع الأمني في سوق المحرق.

وكي نكون مواطنين، إرادتنا هي مصدر السلطات، وحريتنا وكرامتنا محفوظة بالقانون، علينا أن نقول للناس طالبوا، تحركوا، لا تصمتوا أمام الظلم، تخلصوا من أمراضكم الطائفية والعنصرية واعملوا معاً من أجل مستقبل ووطن لا يرجف فيها الأمل. حينذاك فقط يجب علينا التفاؤل. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard