سبك الذهب الإفرنجي بصيغة مصرية... بديع خيري في الشعر والمسرح

الأربعاء 29 سبتمبر 202102:11 م

كان عام 1918 وقبل أشهر من قيام ثورة 1919، العام الفارق في حياة بديع خيري، وربما في تاريخ المسرح المصري ككل، وذلك عندما التقى بديع، لأول مرة صديقه نجيب الريحاني، حيث كانت أول تجربة فنية جمعتهما، والتي انطلقا منها ليشكلا أعظم ثنائي مسرحي في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، فيما اتفق المؤرخون والمتخصصون على أن بديع خيري، بكل تأكيد، كان السبب الرئيسي لسطوع ظاهرة نجيب الريحاني وازدهار المسرح المصري في تلك الفترة وتحريره من سيطرة الأجانب، خصوصاً بعد أن كتب أول رواية للمسرح المصري الذي كان يقوم على تمصير الروايات العالمية، ولأنه عبر عن الشعب ذاب في الشعب، فأصبحت إبداعاته وكأنها من تأليف الشعب نفسه لا من تأليف واحد من الشعب.

الباحث والمخرج المسرحي حسام الدين مسعد يقول لرصيف22 عن تجربة بديع خيري: "حين نقرأ مذكراته التي كتبها عنه الصحفي محمد رفعت سنكتشف أنه عايش وشارك وزامل كبار فناني مصر، الذين أطلق عليهم في مذكراته (فرسان هذا الزمان)، وأنه قدم للفن والثقافة المصرية عطاءً خاصاً عبر نصف قرن من حياة مصر بأوجهها المختلفة، التي استقرأ فيها الواقع المجتمعي، خلال هذه الحقبة الزمنية، وعبر عن قضاياه اليومية والهامشية وأحلام مهمشيه وصعاليكه من خلال محاكاة نقائص الأفراد في مجتمعهم؛ محاكاة تحقق عنصر الفكاهة بقصد طرح تلك النقائص أمام أعين الجمهور كي يعوا واقعهم، وفي معالجة لمشاكلهم التي أصبحت كداء استفحل أمره، وصار لزاماً التصدي له وتغييره، فالسخرية غايتها التغيير".

يضيف حسام: "بديع، صاحب الوجه المنحوت، العاكس لشوارع وأزقة مصر، انتهج منهجية النقد الاجتماعي في تمصير الفن والمسرح، وربطه بالواقع والحياة اليومية والشارع المصري الفقير، فكان حلمه الأول أن يكون ممثلاً، وبالفعل مارس التمثيل مع فرق الهواة، وتقدم لمعهد التمثيل، ورسب في اختبارات القبول به ولكنه واجه ذلك بابتسامة، ولم ييأس وأنشأ مع مجموعة من شباب الهواة تجمعاً أطلقوا عليه (نادي التمثيل العصري). وكتب أول مسرحياته بعنوان (أما حتة ورطة)، فنالت استحسان الجمهور لاختلافها عمّا كان يعرض في هذا الوقت من مسرحيات مترجمة تناقش واقع مجتمع آخر يختلف في قيمه وتقاليده عن المجتمع المصري. وفي 18آب/أغسطس عام 1918 حدثت مصادفة غريبة بينه وبين نجيب الريحاني في أول لقاء جمعهما لتحرير عقد التعاون المثمر والمنتج لتراث مسرحي مصري".

قدم بديع خيري للفن والثقافة المصرية عطاءً خاصاً عبر نصف قرن من حياة مصر بأوجهها المختلفة، التي استقرأ فيها الواقع المجتمعي، وعبّر عن قضاياه اليومية والهامشية وأحلام مهمشيه وصعاليكه

"قبل هذا التاريخ الذي هو ذاته تاريخ ميلاد بديع خيري كان يكتب مسرحيات لفرقة (جورج شفتشي)، وشاهد نجيب الريحاني إحدى مسرحياته وأثنى عليها، وسأل الريحاني (شفتشي) عن مؤلفها فأجابه بأنه من يؤلف المسرحيات، فاتفق معه على كتابة بعض الأعمال لفرقة الريحاني وذهب شفتشي إلي بديع خيري الذي لم يكن يضع اسمه على المسرحيات التي يكتبها خوفاً من خسارة وظيفته كمعلم، وهو السبب الذي تحايل به شفتشي وأقنعه بديع بالكتابة للريحاني ووضع اسم (شفتشي) على النص ومقاسمته الأجر. وبعد مرور عامين كتب فيهما بديع ثلاث مسرحيات باسم (شفتشي) أوشى أحد الأصدقاء إلى نجيب الريحاني بهذا الاتفاق ليخبره (نجيب) بأنه كان يشعر بذلك وطلب منه إحضار بديع خيري فوراً ليكون اللقاء الأول بينهما ويتعاهدان فيه على أن يقدما فناً ومسرحاً مصرياً لـ(ابن البلد) بلغته ومفرداته اللسانية التي يفهمها الفلاح والعامل والأفندي المثقف".

هكذا يكمل حسام  لرصيف22، ويرى أن الهوية المصرية التي رسخ لها بديع خيري في أعماله الفنية من مسرح وسينما وكلمات أغانٍ شكلت تراثاً مصرياً وتجريباً حديثاً قبل أن يتحدث الغرب عن الحداثة وما بعدها.

ويضيف: "نرى بديع خيري في عام 1926 يشارك علي الكسار فيكتب له مسرحية (الوارث)،  ويستعين في كتابتها بالمزج بين بابات خيال الظل في صنع الحبكة الدرامية، وظهر ذلك أيضاً في مسرحيتيْ (ليله جنان) و(علشان بوسة)، كما وظف فن الأراجوز في مسرحياته، والتي كتبها للسخرية من الشخصيات الإنكليزية المحتلة لمصر في ذاك الوقت. لم يكن بديع خيري مصلحاً اجتماعياً، بل كان عاشقاً لتراب الوطن، يعي كينونته وقيمته الذاتية، كثائر على مجتمعه وأفراده، يدفعهم بفنه لإكمال نواقصهم والتغيير الإيجابي من خلال رصده للقضايا اليومية، فنشاهد فيلم (لهاليبو) الذي يناقش قضية إزدراء الأنثى في المجتمع الذكوري وكيف رصد بديع المجتمع الذي توارث رفضه وحزنه لإنجاب الأنثى من خلال الجد (سليمان بك نجيب)، وكيف حثته كينونةُ الأنثى وعطفها وحنوها عليه على أن يتجادل مع موروثه البالي".

ويؤكد الكاتب والمترجم سباعي السيد، عضو الفيدرالية الدولية للبحث المسرحي وعضو الجمعية الدولية لنقاد المسرح، أن بديع خيري، شريك نجيب الريحاني في نجاحاته المدوية وأيضاً في إخفاقاته، إنما هو حلقة هامة في تاريخ الكوميديا المصرية. ويقول عنه لرصيف22: "من خلال اطلاعه على المسرح العالمي، وموهبته في شعر العامية والزجل، واحتكاكه بمختلف الطبقات تمكن بديع خيري من خلال مسرح الريحاني أن يقدم إضافة هامة إلى الكوميديا المصرية بإنتاجه المسرحي والسينمائي، واعتمد أساساً على الاقتباس من مصادر مختلفة أهمها ألف ليلة وليلة والكوميديا الفرنسية".

اعتمد على الاقتباس من مصادر مختلفة أهمها ألف ليلة وليلة والكوميديا الفرنسية

ويواصل سباعي: "نجح بديع خيرى في سبك الذهب الإفرنجي بصيغة مصرية بتعيير مارون النقاش، واستطاع أن يصور المجتمع المصري في الثلاثينيات والأربعينيات في مسرحياته وأفلامه تصويراً مبدعاً، وتطور إبداعه الدرامي إلى الكوميديا الراقية التي تجلت في أعمال مثل (السكرتير الفني) التي اقتبسها عن المسرحي الفرنسي مارسيل بانيول، وعلى الرغم من أنه لم يتخل أبداً عن الاقتباس في معظم أعماله إلا أنه يعتبر إضافةً مهمة للكوميديا المصرية".

في مقدمة مسرحية "اللص الأكبر" يؤكد بديع خيري أنه كتبها ليعبر من خلالها عن غياب الصراحة في المجتمع المصري، أو في قطاع معين منه، وهو الطبقة الراقية، والمتمسحين بها في تلك الفترة التي كتب فيها هذه المسرحية أي خلال خمسينيات القرن الماضي. وذكر بديع خيري أنه استخدم الحوارات الجانبية كثيراً على ألسنة كل الشخصيات التي في هذه المسرحية، ليؤكد عدم وجود مصداقية وصراحة في كلامها، وهو الأمر الذي لم يكن منتشراً من قبل؛ بحسب على خليفة الأستاذ بكلية الآداب جامعة العريش، والذى قال إن خيري كان سابقاً لعصره، مضيفاً: "في مسرحية مثل (كشكش بك) نرى قدراً كبيراً من التجريب بمقياس الفترة التي كتبت فيها، فلسنا نرى فيها حدثاً متصاعداً، ويصل لأزمة كبيرة، ويتم كشفها في النهاية، ولكننا نرى في هذه المسرحية لوحات متتالية أو مشاهد متداخلة تعرض بشكل سريع، ويتخللها كلها الحوار الساخر الظريف، لا سيما من كشكش بك وصديقه ينسون".

استطاع أن يصور المجتمع المصري في الثلاثينيات والأربعينيات في مسرحياته وأفلامه تصويراً مبدعاً، وتطور إبداعه الدرامي إلى الكوميديا الراقية التي تجلت في أعمال مثل "السكرتير الفني" التي اقتبسها عن المسرحي الفرنسي مارسيل بانيول

تروي الكاتبة داليا رشاد أن بديع خيري تعرض لأزمة صحية نتيجة مرض السكري، وبُترت أصابع قدميه العشر، ورغم ذلك رفض الاستسلام للمرض، وواصل رحلة العطاء من فوق كرسيه المتحرك.

وتضيف لرصيف22: "أبدع خيري في المسرح والسينما وكتابة المقال والأغنية والزجل، ومن المواقف المهمة التي تحسب له أنه كان مخلصاً ووفياً لشريك الكفاح والرحلة نجيب الريحاني، وأصرّ على أن تبقى فرقته تمارس عروضها، حتى بعد وفاة الريحاني. وكتب 40 مسرحية للفرقة لعب بطولتها فريد شوقي وحسن فايق وعادل خيري وعدد آخر من النجوم. وعلى مستوى الغناء نجد أن أعماله تناولت جميع طبقات مصر التي عبر عنها وناضل من أجلها بأفضل ما يكون".

وتستكمل رشاد: "لن أبالغ إن قلت إن بديع خيرى كان مؤسسة فنية تمشي على قدمين؛ فقد التحق بإحدى الجمعيات السرية لمكافحة الاحتلال، وأصدر مجلة (ألف صنف وصنف)، ومجلة (الغول)،و جريدتي (النهار)، و(الاستقلال)، وعمل في بداية تخرجه بهيئة التليفونات المصرية لإجادته الإنكليزية واحتياجهم لترجمة الرسائل القادمة من إنكلترا، وفصل بعد اتهامه بتعطيل هاتف مدير الهيئة. ثم عُين مدرساً للجغرافيا واللغة الإنكليزية، وحين اندلعت شرارة الثورة المصرية عقب اعتقال سعد زغلول وثلاثة من زملائه، بدأ في كتابة الأشعار والأغاني التي ألهبت حماس المصريين وساهمت في خروجهم إلى الشارع للمطالبة باستقلال البلاد".

تختتم داليا لرصيف22: "شكلت أغاني بديع خيري مع سيد درويش دور المُغذي لروح المقاومة، كما كتب مسرحية (قولو له) خلال الأيام الأولى للثورة، وطرح خلالها عدداً من الأغاني الوطنية، منها أغنية (بنت مصر)، التي كتبها بعد سقوط أول شهيدتين في الثورة، ولم يكتف بالكتابة فقط حيث كان يتصدر الجماهير في قلب المسيرات يهتف بصوته بحياة الوطن والشعب والاستقلال التام للبلاد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard