الكذب... الفطرة الممتعة

الخميس 2 سبتمبر 202111:15 ص

منذ أن حدّد الإنسان مفرزاته، وخواصه العقلية والجسدية، حُدّدت معه القيمة الأخلاقية. لقد فرض الإنسان على ذاته مجموعة القوانين التي من خلالها يستطيع مجابهة أخطار الحياة، وصعوبتها، وشرّع فيها نصوصاً قيمية كانت المحرك الأساسي لاستمراره. ومن أهم التشريعات الأخلاقية في الوعي الإنساني الجمعي، على اختلاف ثقافة البشر، هو مفهوم الكذب، إذ تم فرض آلية حول ذمّ الكذب، بعدّه المفهوم الأكثر خداعاً، وألماً، وتحطيماً، لقيمة البناء المجتمعي، فلم يختلف تعريفه كثيراً منذ البداية وحتى الوقت الحاضر، والجميع يعدّونه الفعل الأكثر انحطاطاً في السلوك الإنساني.

تنوّعت تعريفات الكذب عند الأنبياء، والمفكرين، واللاهوتيين، والأديان، والفلاسفة، لكن الجميع متفقون على مقاربات عقلية في تحديد طبيعته، والتي تتجسد أهم أشكالها في نموذجين تعريفيين، الأول أنه الإخبار عن الشيء، على خلاف ما هو عليه، سواء أكان عمداً أم سهواً، والثاني أنه الإخلال بالوعود التي يعطيها الكاذب ضمنياً للآخرين، بقول الحقيقة لهم، من أجل توجيه سلوكهم تخيلياً. إذاً، فتاريخ الكذب هنا، وجوهره الفلسفي، يتضمن التعبير عن إخفاء الحقيقة بغرض اختبارها، وعليه يكون هذا الاختبار هو الكذب كمضمون، وتقديم معلومة مغايرة بهدف اختلاق التخيّل.

لكن أمام هذا المعنى الواضح لتعريف الكذب، نصبح عرضة لسؤال: إن كان الكذب في الوعي البشري، وفي المقدسات، سلوكاً مشيناً، فما الذي يدعوه للظهور؟ بغض النظر طبعاً عن الإجابات الجاهزة لدى الغيبيين، بأنّ الشيطان حاضر دائماً، كمهمة أزلية للخداع. قبل الإجابة عن السؤال، يجب تحديد ماهية النشوء حسب الروايتين، الدينية والطبيعية.

الكذب هو الفعل الأول في الجنة، والحالة الأكثر فطرية في الخلق الإنساني. وتالياً، عملية إدانته ليست سوى حالة رفض للمنجز الإلهي الأول

إن كان الكذب قد نشأ في الرواية الدينية، في لحظة عصيان آدم لله، على اعتبار أن الله يعلم العصيان قبل حصوله (اللوح المحفوظ)، فعليه، يكون العصيان هو صورة لاختبار الحقيقة التي قام بها آدم، بعملية إخفائها من معرفية الله المطلقة. أي أنّ فكرة العصيان هي جوهر اختبار الحقيقة، كعملية إخفاء الفعل، أو التستر عليه من القول الصريح المقدس، وقول آدم لما هو مغاير لما جرى. إنه الفعل الأول الذي قام به البشري في الجنة المقدسة، قبل أي غريزة بشرية أخرى. إنه لم يعصِ لأنه خُدِع، بل لأنه أراد اختبار الحقيقة.

إذاً، نحن أمام معطى عقلي، هو أنّ الكذب أقدم من الجنس الذي هو أساس التوسع البشري بعد الهبوط من الجنة. وعليه، يكون الكذب هو الفعل الأول في الجنة، والحالة الأكثر فطرية في الخلق الإنساني. وتالياً عملية إدانته ليست سوى حالة رفض للمنجز الإلهي الأول، وهو الغرائز الطبيعية في الإنسان. إنّ رفضها هو رفض لصورة الخلق كشكل فطري، تماماً مثل الأشياء الفطرية الأخرى التي خلقها الله، كالأكل، والجنس، والشرب، والنوم. وبهذا المعنى الواضح يكون الكذب غريزة طبيعية، حسب المنهج الديني.

أما إذا كان الإنسان هو أحد أشكال التطور الطبيعي الذي سيمتلك الوعي، والعقل، نتيجة ملايين من العمليات البيئية، والتكاثرية، التي أوصلته إلى مرحلة ما هو عليه الآن، فيصبح الكذب نتاجاً عقلياً محضاً ناتجاً عن محاولة تفسير أولية للعوالم التي تتفوق على العقل البدائي بحضورها، مثل عدم القدرة على تفسير الوجود الإنساني في بيئات النهار، والليل، والعواصف. إنها لحظة إيهام الذات، لإيجاد تبريرات للجهل الذي يخضع له الإنسان. من هذا المنطق، يصبح الكذب عملية تخيلية طبيعية في العقل البشري، لفهم العالم.

كيف يمكن أن نفهم ذلك العقل الذي يُعد الصورة الأكثر حضوراً لمعنى الإنسان، قبل أن يتلوث بمجموعة القوانين التي وضعها البشر؟

نقرأ بسهولة أن التفسيرين، الديني والطبيعي، يحددان أهمية الكذب لدى الكائن المُدرِك، حتى وإن لم يحدداها بشكل غير مقصود، نتيجة محاولة حفاظهما على منهجهما الأيديولوجي الجامد والأخلاقي، اللاحق للحظة البدائية البشرية. لكن في كلي التفسيرين، يبقى الكذب هو العملية التخيلية الممتعة التي أصبحت النصوص التشريعية والإنسانية تعمل، كمراقب عليها، لتحافظ على كياناتها المقدسة الاستعبادية في قمع الخيال، بعدّ الخيال جوهر الرفض التحرري.

إن البشر يؤمنون بأن الإنسان في لحظة قدومه إلى الحياة، هو عبارة عن صفحة بيضاء، يتعرض للخيارات الاجتماعية والثقافية جميعها، ليصبح في ما بعد ذا قيمة محددة، تناسب البيئة التي نشأ فيها. فإن كان الوليد في عائلة تمارس اللصوصية، فسيصبح لصاً بنسبة أكبر مما إذا كان في عائلة تمارس العمل الشريف. وإن قمنا باستبدال العائلة، فسيتطبّع العقل على نمط معين؛ فالطفل الذي يمكن أن يصبح لصاً، سيصبح شخصاً أخلاقياً بتغيير بيئته. هذا الإيمان بهذه المعادلة الاكتسابية، تجعل البشر أكثر اتزاناً مع الحياة.

الأمر نفسه ينطبق على إيمانهم بمفهوم الكذب، فالعائلة الصادقة ستصنع شخصاً صادقاً. هذا الكلام دقيق جداً، لأن العقل يُبنى بما يتلقاه. لكن، قبل لحظة التلقي المفهوماتي الأولى للقيم -التي يكون فيها الطفل لا يزال يحاول استيعاب البديهيات في العالم الخارجي، ولا يزال يتعرّف على الأشياء، ويمارس خياله الخصب الأولي، من دون أن يفهم أي شيء من قيمة الوعي الإنساني لمفاهيم السلبية، كالقتل واللصوصية والكذب- كيف يمكن أن نفهم ذلك العقل الذي يُعدّ الصورة الأكثر حضوراً لمعنى الإنسان، قبل أن يتلوث بمجموعة القوانين التي وضعها البشر؟

تتحدد سلوكية الكذب، في الدرجة الأولى، بمبررات الخوف، أو إنقاذ الذات من مشروع الألم الاجتماعي، فالشخص غير مجبر على الكذب، إلا في لحظة شعوره بالمهاجمة التي تُفقده نوعاً من الميزات الحياتية التي حصل عليها، أو هذا ما يراه علماء الاجتماع والنفس الوجوديون. فإن كانت تلك الصورة حاضرة، وعلى نحو من الدقة والصحة، فأين فعلاً تتجلى لحظة الخوف والألم الاجتماعي في العقل الأول، لدى الطفل؟

الأطفال لا يمارسون الكذب نتيجة الخوف، بل نتيجة الرغبة الأصيلة في رؤية الاندهاش في الآخر. إنه المنجز الأول لوعي الطفل البدائي

الأطفال لا يمارسون الكذب نتيجة الخوف، بل نتيجة الرغبة الأصيلة برؤية الاندهاش في الآخر. إنه المنجز الأول لوعي الطفل البدائي. إن طفلاً ما، بعمر السنة أو حتى أقل، يحاول أن يمارس إخفاء الحقيقة في كثير من الأحيان، على الرغم من عدم فهمه أبداً لذلك الأمر، على المستوى العميق للنص أو الفلسفة. إن طفلاً في بلغاريا بذلك العمر، أو في أي دولة في العالم، يمكن له أن يخفي شيئاً (حبة عنب مثلاً)، في مكان ما، تحت أرديته، فإذا ما سألته عنها، احتمالية أن يشير إليك بمعلومة كاذبة، أضخم بمئات المرات من الاعتراف بما فعله. قد يشير إليك بأي احتمال آخر، سوى قول الحقيقة. ربما يقول بالإيماء إنّ شخصاً ما دخل من النافذة، وأخذ ذلك الشيء (حبة العنب)، ورحل. يقول ذلك، وهو يراقب ردة فعلك بعينيه اللامعتين، ليستمتع بغرابة الموقف، ورد فعلك على ما قاله. إنه بالضبط لحظة اختبار الاندهاش، والتخيل الفطري لديه، مع العلم أن الطفل في تلك اللحظة، لا يمتلك أي نوع من أنواع المعرفة، أو الإدراك المفهوماتي. فإذا ما مددت يدك تحت أرديته، وأخرجت حبة العنب، فسيضحك لاكتشافك محاولته العفوية في خداعك. إنها لحظة تجلّي التخيّل لديه، من دون أن يشعر بأي سوء مما نعدّه كأشخاص بالغين كذباً. إنه اشتراك في التخيّل البدائي والفطري في العقل الطفولي، على الرغم من تنوع البيئات.

تلك الممارسة العفوية للخيال، يسميها الناس ذكاءً طفولياً، ومحاولة لاكتشاف العالم. بالتأكيد إنها اكتشاف للعالم، لكنه اكتشاف مرتبط بإخفاء الحقيقة، بالمعنى الأصيل والفطري للفكرة. وهي ممارسة الكذب قبل فهمه، على المستويين، النفسي والإدراكي البشري العميق.

من هنا، لا يمكن تعريف الكذب كصورة بنائية للوعي، بقدر ما هي فطرة موجودة في الطبيعة. إن الكذب هو صورة الخيال الأصيل، واللحظة الأساسية للتطور والإبداع الفني، قبل الإبداع العلمي، وتقنياته الأخلاقية والمنطقية. قد تبدو فكرة متعة الكذب البدائي، بالنسبة إلى البعض، تبريرية، وخاصةً للذين يؤمنون بالقيم الثابتة المدعومة بمجموعة من النصوص المقدسة. لكن من المضحك أن من يُدينون الكذب باعتباره الصورة الأكثر انحطاطاً في القيمة الإنسانية، جميعهم يمارسونه بمعيار خاص.

الشخص الكاذب في أي مجتمع، هو عنصر غير مرغوب به، على الرغم من أن الجميع يمارسون الكذب. يمكن القول إنه نوع من اضطراب الهوية النفسية، شيزوفرينيا كوميديا الإنسان؛ الكاذب يُدين الكاذب، بمقدار درجة الأذية، وليس من خلال الرفض القطعي لمفهوم الكذب الذي تشرعه النصوص البشرية، دينياً، وأخلاقياً، ومجتمعياً، وعليه فالجميع يُطالبون بالصدق. الجميع يُدينون الجميع بالكذب، والجميع صادقون بالدرجة نفسها.

بالتأكيد، لست هنا في صدد التهكم على سخافة مفهوم الصدق الاجتماعي الذي يطالب به البشر، ويصفون أنفسهم به، على الرغم من أنه غير موجود فيهم. لكن تلك المعادلة لممارسة الكذب المرفوض، والتي ما تزال حاضرة، حتى لدى أعتى المؤمنين بالنصوص التي تنهى عن الكذب، أليست أحد الأشكال الدلالية والسلوكية لمتعة الفطرة البدائية للتخيل؟ عندما يمارس الأطفال الخداع الفطري، نحاول تقويمهم بأسلوبنا المكتسب، من دون أن ندرك بأننا نقتل فيهم كل إنجاز التخيل الطبيعي، ونجعل منهم كائنات بلهاوات مستعبدة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard