أنبوب "ميدغاز"... سلاح جزائري يهدد اقتصاد المغرب

الأربعاء 1 سبتمبر 202104:28 م

تصريح واحد، كان وقعه كهزة ارتدادية قوية، لزلزال قطع العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر، وجارتها المملكة المغربية.

فوزير الطاقة الجزائري محمد عرقاب، أكد لدى استقباله السفير الإسباني في الجزائر، فيرناندو موران كالفو سوتيلو، أن إمدادات الغاز الطبيعي الجزائري نحو إسبانيا، جميعها ستتم عبر "ميدغاز".

فما هو هذا الأنبوب الذي يمكنه أن يعوّض خط الأنابيب الأورو-مغاربي، الذي يربط شمال غرب إفريقيا، بجنوب غرب أوروبا، والذي يمثل حسب التصريحات المغربية المتكررة، صورةً إيجابية عن شراكة إستراتيجية، امتدت على مدار ربع قرن، بين أربعة بلدان، وفق قاعدة تجارية يحكمها منطق رابح رابح.

خط "ميدغاز" يختزل المسافة والزمن

ما يحدث اليوم، يشي بحقيقة تبدو أكثر وضوحاً مع اكتمال المشهد. ففي ظل تصاعد دخان التوترات، كان الأمر ينذر باشتعال العلاقات المتوترة، عاجلاً أم آجلاً.

وعلى عكس المغرب الذي لم يأخذ كامل احتياطاته، من الواضح جداً أن الجزائر لم تترك مجالاً للصدفة، في معركة طاقوية واقتصادية، فُرضت بسبب قطع العلاقات الدبلوماسية، بين الجارين.

بدأت الجزائر بعملية التخطيط لهذا اليوم، قبل عشر سنوات، وتحديداً في آذار/ مارس 2011، وهو التاريخ الذي شهد افتتاح خط أنابيب جديد يدعى "ميدغاز"، يربط بينها وبين إسبانيا مباشرةً، ومن دون وسيط.

التكلفة الإجمالية لهذا المشروع الكبير، بلغت 900 مليون يورو، وبطاقة تصدير بلغت ثمانية مليارات متر مكعب سنوياً، قبل أن تصبح عشرة مليارات متر مكعب سنوياً عام 2021.

على عكس المغرب الذي لم يأخذ كامل احتياطاته، من الواضح جداً أن الجزائر لم تترك مجالاً للصدفة، في معركة طاقوية واقتصادية، فُرضت بسبب قطع العلاقات الدبلوماسية، بين الجارين

يمتد القسم الأول لأنبوب "ميدغاز"، من حاسي الرمل في جنوب الجزائر، إلى مدينة بني صاف في غربها، على مسافة 671 كيلومتراً. أما قسمه الثاني، فيشق البحر الأبيض المتوسط، من مدينة بني صاف، نحو سواحل ألميريا الإسبانية، على امتداد 210 كيلومترات.

توجُّه الجزائر نحو تصدير الغاز مباشرة إلى إسبانيا، عبر أنبوب "ميدغاز"، يجعل مصير تجديد عقد أنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي، الذي دخل حيز الخدمة عام 1996، مجهولاً.

هذا الخط الغازي العملاق، يربط الجزائر بإسبانيا والبرتغال، عبر مسافة تقارب الألفي كيلومتر، بتكلفة إنجاز بلغت 2.3 مليار دولار، وبقدرة إنتاج بلغت 8.6 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي، سنوياً، وارتفعت بعدها إلى 13.5 مليار متر مكعب سنوياً عام 2005.

الجزائر توجه ضربة اقتصادية إلى المغرب

في حسابات الربح والخسارة، يبدو أن المغرب سيكون المتضرر الأكبر من عدم تجديد صفقة أنبوب الغاز، بعد أن استفاد منذ 25 سنة من إيرادات معتبرة، نظير مرور الغاز الجزائري عبر أراضيه، إذ كان يحصل سنوياً، ومنذ عام 1996، على نسبة 7% من الغاز المصدر إلى إسبانيا والبرتغال.

وحول تبعات هذا القرار، يقول الدكتور بوزيان مهماه، أحد أبرز خبراء الطاقة في الجزائر، في تصريح لرصيف22: "مع نهاية تشرين الأول/ أكتوبر القادم، ستؤول ملكية أنبوب الغاز بالكامل، إلى المملكة المغربية، لذلك هي تعوّل على إغراء شركة ناتورجي الإسبانية لتجديد العقد، متجاهلةً أنها مساهم في خط الغاز "ميدغاز"، الذي يربط بني صاف الجزائرية مباشرة بـ"ألميريا" الإسبانية، ما يعفي السلطات الإسبانية، من أية التزامات مالية مستقبلاً، كحقوق عبور الغاز إليها عبر بلد آخر.

في حسابات الربح والخسارة، يبدو أن المغرب سيكون المتضرر الأكبر من عدم تجديد صفقة أنبوب الغاز، بعد أن استفاد منذ 25 سنة من إيرادات معتبرة، نظير مرور الغاز الجزائري عبر أراضيه

ولذلك، فقرار عدم تجديد عقد أنبوب الغاز، سيؤثر على المغرب اقتصادياً، وطاقوياً، واجتماعياً، إذ سيخسر على الأقل مليار درهم، كمدخول سنوي متأتٍ من الإتاوات، كما سيخسر تموينه الدائم بما يحتاجه من الغاز الطبيعي، خاصةً في المناطق التي تموَّن من المحطتين الكهربائيتين، "عين بني مطهر"، و"تهدارت"، اللتين تعتمدان على الغاز الجزائري.

الرباط تفقد نهراً من الدولارات

"خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وصلت إيرادات المغرب إلى نحو 170 مليون دولار عام 2018، و113 مليون دولار عام 2019، و56 مليون دولار عام 2020. ويحصل المغرب على هذه الإيرادات، عبر كميات من الغاز الطبيعي تصل إلى 600 مليون متر مكعب في السنة، وهو ما يمثل 80 بالمئة من حاجته، التي تبلغ 750 مليون متر مكعب سنوياً".

هكذا يفتتح الخبير في قطاع البترول رمضان سعيدون حديثه مع رصيف22، إذ يرى أن المغرب سيكون أكبر المتضررين، في حال عدم تجديد عقد الأنبوب المغاربي-الأوروبي، ويضيف قائلاً: "الاستهلاك المغربي من الغاز، يعتمد على الجانب الجزائري، إذ يُستغل الغاز الجزائري في إنتاج 17 بالمئة من الطاقة الكهربائية الإجمالية في البلاد، وكان يطمح للوصول إلى 50 بالمئة على الأقل، بسبب التزامه البيئي، لتعويض إنتاج الكهرباء بواسطة الفحم، الذي يمثل حوالي 30 بالمئة من طاقة إنتاجه الكهربائية، وعليه فإن قطع الغاز الجزائري، بين ليلة وضحاها، يبعثر أوراق المسؤولين المغاربة، ويعطل مشاريعهم في هذا المجال، خمس سنوات على الأقل".

ويكمل سعيدون: "تجديد عقد أنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي، يكتسب أهمية إستراتيجية للرباط، أكثر منها للجزائر، فمن دونه سيجد المغرب نفسه مجبراً على التفاوض مع الجزائر، حول الأنبوب المارّ عبر أراضيه، وقد يطلب التفاوض حول استيراد الغاز مباشرة من الجزائر، بسعر السوق العالمي، فالأنبوب جاهز لاستعماله لهذا الغرض، وبهذا سيصبح زبوناً مثله مثل إسبانيا، لسد احتياجاته من الغاز، بدل استيراده من دول بعيدة لا تربطه بها أنابيب غاز، عبر ناقلات ضخمة، على غرار قطر ونيجيريا، وبشكل مسال (مميّع)، ما يضاعف التكلفة، والسعر النهائي، فضلاً عن أنه سيواجه مشكلة بعدم امتلاك المغرب لإمكانيات التخزين".


مركز الصراع الجزائري المغربي ينتقل إلى أبوجا!

الجزائر التي تحتل المركز الثامن، للدول الأكثر تصديراً للغاز الطبيعي في العالم، والخامس من حيث الإنتاج، والمرتبة الحادية عشرة بنسبة 2.3 بالمئة من مجموع احتياطي الغاز في العالم، تريد الدخول في مشاريع طاقوية جديدة، أو إحياء أخرى قديمة، إذ تولي اهتماماً خاصاً للتجسيد السريع لمشروع خط أنبوب الغاز العابر للصحراء، الموقع عام 2009 في العاصمة النيجيرية أبوجا، والذي يهدف إلى ربط حقول الغاز الطبيعي النيجيرية بأوروبا، عبر شبكة الأنابيب العابرة للصحراء الجزائرية الكبرى.

تريد الحكومة الجزائرية إعادة مشروع أنبوب الغاز الطبيعي بين الجزائر ونيجيريا، بعد أن ظل حبيس الأدراج مدة 12 عاماً، ويمتد هذا الأنبوب من نيجيريا إلى النيجر، ثم الجزائر، على مسافة 4128 كيلومتراً، ويستهدف نقل 30 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، إلى السوق الأوروبية، حسب مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين عام 2002.

ومن المنتظر أن تتسبب رغبة الجزائر في إعادة بعث مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء مع نيجيريا، في تعميق الخلاف، باندلاع صراع طاقوي حاد مع المغرب، لاسيما وأن الأخير يمتلك أيضاً اتفاقاً مع البلد الإفريقي، لإنشاء أنبوب غاز، وأعلن عام 2016 إبرامه اتفاقاً مع نيجيريا لإنشاء أنبوب يبلغ طوله 5660 كيلومتراً، ويمر عبر 11 دولة إفريقية، قبل الوصول إلى المغرب، من أجل تصدير الغاز النيجيري إلى الدول الأوروبية.

وفي هذا الشأن، أكد خبير الطاقة الجزائري الدكتور مهماه بوزيان، في حديثه مع رصيف22، أنه ينبغي التأكيد على أن الجزائر لا تنافس المغرب حول مشروع مدّ خط أنبوب الغاز النيجيري نحو أوروبا، الذي يُعرف باسم "TGSP"، أو "نيغال" NIGAL (نيجيريا/ الجزائر).

فـ"أولاً، كلفة هذا المشروع إذا مرّ عبر الجزائر، أقل مقارنة مع خط أنبوب نيجيريا المغرب، وتقدر بنحو 15 مليار دولار (12 مليار دولار لخط الأنابيب، وثلاثة مليارات دولار لمراكز التجميع). بينما ما يجري تداوله من أخبار عن حدوث توافق بين الملك المغربي، ورئيس جمهورية نيجيريا الفيدرالية، من أجل إطلاق مشروع إنجاز خط إقليمي لأنابيب الغاز سيربط الموارد الغازية لنيجيريا، بموارد العديد من بلدان غرب إفريقيا والمغرب، على امتداد طوله 5660 كيلومتراً، فكلفته تصل إلى 30 مليار دولار، لينقل نحو 40 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً. والسؤال المطروح من حيث مقارنة الجدوى الاقتصادية هو: هل فارق بزيادة عشرة مليارات متر مكعب من الغاز يستحق زيادة 15 مليار دولار؟ وأية بنوك دولية، ستمول مشروعاً بهذه الكلفة، في وضع تتوجه فيه إلى الاستثمارات المنخفضة الكربون؟".

تريد الحكومة الجزائرية إعادة مشروع أنبوب الغاز الطبيعي بين الجزائر ونيجيريا، بعد أن ظل حبيس الأدراج مدة 12 عاماً، ويمتد هذا الأنبوب من نيجيريا إلى النيجر، ثم الجزائر، على مسافة 4128 كيلومتراً، ويستهدف نقل 30 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، إلى السوق الأوروبية

ويرى مهماه، أن خط أنبوب نيجيريا المغرب، ستواجهه مشكلات سياسية وأمنية حادة، تجعل منه مشروعاً "وهمياً" غير قابل للتحقيق على أرض الواقع، قائلاً: "ينبغي على دول غرب إفريقيا إشراك ‘الجمهورية العربية الصحراوية’، كدولة كاملة الحقوق، في مشروع الأنبوب، الذي سيعبر أراضيها، أو في منطقة الميل البحري لجرفها القاري. خاصةً وأن المخطط المغربي جعل أراضي الجمهورية العربية الصحراوية المحتلة، معبراً لهذا الأنبوب. فهل سيقبل الاتحاد الأوروبي دخول غاز إلى فضائه عبر أنبوب يمر عبر أراضٍ مصنفة دولياً تحت بند ‘تقرير المصير’، وينتهك حقوق شعب قضيته تتكفل بها الأمم المتحدة؟".

ويختم مهماه حديثه مع رصيف22، لافتاً إلى منافسة دولية، تحول دون رغبة المغرب، في الظفر بصفقة أنبوب الغاز النيجيري: "أمام وجود قضية اسمها ‘السيل الشمالي’، الذي تعارضه الولايات المتحدة الأمريكية بشدة، إلى حد فرض عقوبات قاسية على روسيا، فهل ستقبل بمزاحمة أنبوب جديد، وهي الباحثة عن اقتناص حصة لغازها، ضمن الفضاء الأوروبي المغلق؟ لذا من المهم جداً أخذ هذه المعطيات في الحسبان، لتقييم جدوى إنجاز أي أنبوب غاز إضافي نحو أوروبا، في ظل السيل المتدفق من الغاز نحو أوروبا عبر الأنابيب، أو بواسطة الغاز المسال من قطر، وأستراليا، والولايات المتحدة الأمريكية، ومستقبلاً من شرق المتوسط".

وتجدر الإشارة إلى أن الجزائر أعلنت عن قطع علاقاتها الدبلوماسية، في 24 آب/ أغسطس الماضي، بسبب ما وصفته بتكرر الهجمات العدائية من المغرب ضد الجزائر، ومؤسساتها، وجيشها، ودعمها لمنظمات إرهابية، ومطالبتها باستقلال منطقة القبائل.

وتقوم بعض الدول العربية مثل جمهورية مصر العربية، والمملكة العربية السعودية، بجهود حثيثة لمصالحة البلدين، وتجنيب المغرب، زلزالاً عنيفاً يضرب اقتصاده.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard