"أميرات منسيّات"... رواية تاريخية عن الحب والسلطة في العصر الأموي

الخميس 15 أغسطس 201903:46 م

تم إعداد هذه المادة بمشاركة جمانة يوسف ضمن شباب22 "You22"، برنامج زمالة رصيف22 الذي ترعاه D-Jil، بالاعتماد على منحة مشتركة بتمويل من الاتحاد الأوروبّي، تشرف على تنفيذها CFI.

بعد إصدار روايته الأولى "أميرات منسيّات" عام 2011، انتظر جمال باكير 8 سنوات ليحقّقَ حلمَ تحويلها إلى مسلسل، الرواية التاريخية نالت منحة "تطوير المسلسلات التلفزيونية" لدى الهيئة الملكية للأفلام في الأردن. عزّز الفوزَ تناولُه الجريء والمشوّق لقصص شخصيات نسائية وأقليات جنسية في الإسلام المبكر، من خلال حكاية شخصيتين مُلهمتين لم تأخذا حقهما في التراث العربي، عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين.

حرص باكير على رواية قصصٍ لم تروَ، وإبراز شخصيات وهويات مُهمشة، سوف يسعى خلال تطوير سيناريو مسلسل "أميرات منسيّات" إلى ظهور نتيجة بأجمل وأفضل صورة ممكنة. بحسب قوله.

مَنسياتٌ لكن مُلهمات

التراث العربي غني جدا بقصص ذات قيمٍ تنويرية ومعاصرة وقادرة على الإلهام والتأثير، ينبغي استغلالها كخطاب بديل وقوة ناعمة في التعبير والتغيير. وقصة بطلتي "أميرات منسيات" خير دليل على ذلك، كما يقول مؤلف الرواية "عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين، سيدتان نشأتا في أسرتين عريقتين في الخلافة، يتابع باكير:

"الأولى من بني تيم، حفيدة الخليفة الراشدي الأول أبي بكر الصديق، والثانية من بني هاشم، حفيدة الخليفة الراشدي الرابع الإمام علي بن أبي طالب. نموذجان ملهمان، فهما على قدر كبير من العلم والثقافة والسلطة الاجتماعية، بينهما تنافسٌ ودّي على تبوء عرش النساء في العصر الأموي، جاء بعد مقتل أقاربهما على يد الأمويين وبدءِ سعيهما لاسترجاع أمجاد عائلتيهما الفائتة عن طريق الزواج بأمير العراق مصعب بن الزبير.."

ويضيف، "يتصاعد التنافس بينهما في أدوار الحياة جميعها، الاجتماعية والثقافية والسياسية، ومن هذا التضارب في المصالح تتحدان لمساندة زوجهما في معركته الأخيرة، لتصبحان صديقتين بعد موته وتتخذ كل واحدة طريقاً مختلفاً في الحياة."

يؤكد باكير كثرةَ أخبار عائشة وسكينة في المصادر التاريخية، إلّا أنهما، كما العنوان "منسياتٌ كنماذج نسائية رائدة وأميرات لعبن أدواراً هامة في مرحلة الإسلام المبكر، هذا يشكل قوة لمسلسل تاريخي يؤثر على الجمهور ".

75% من الرواية كانت معلوماتٍ مبعثرةً في كتب التاريخ، تركيبها كان أشبه بلعبة الـPuzzle ، كما يقول المؤلف "كانت وظيفتي التحقق من الأخبار، ثم دراسة سياقها التاريخي، ومحاول البناء عليه، أي إكمال ما أظن أنه قد حصل ويمكن حصوله، بناء على ما بين يدي من أدلة.

عائشة وسكينة

حُكي عن عائشة بنت طلحة، أن زوجها مصعب بن الزبير كان يشكو لفقيه العراق عن مشاكله معها ويقول له: "لكني رجل مذكر، أريد أن يكون الأمر لي، وهي امرأة مذكرة، تريد أن يكون الأمر لها، فلا أنا أتابعها ولا هي تتابعني". كما ورد عنها في كتاب الأغاني للأصفهاني أنها لم تكن تستر وجهها أبدًا، فعاتبها زوجها مصعب على ذلك، فقالت "إن الله تبارك وتعالى وسمني بميسم جمالٍ أحببتُ أن يراه الناس ويعرفوا فضلي عليهم فما كنت لأستره، ووالله ما فيّ وصمةٌ يقدر أن يذكرني بها أحد".

"أم عمران" كما كانت تُكنَّى هي ابنة الصحابي طلحة بن عبيدالله أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأمها أم كلثوم، تزوجها ابن خالها عبدالله بن أبي بكر الصديق ثم بعده أمير العراق مصعب بن الزبير وكان مهرها مائة ألف دينار، ولما قتلَ مصعب تزوجها عمر بن عبدالله التميمي وكان مهرها ألف ألف درهم. كانت واسعة العلم والثقافة إلى جانب قوتها وصلابتها.

أما سكينة فهي بنت الحسين بن أبي طالب، تزوجها ابن عمها عبدالله بن الحسن الأكبر، فقتل مع أبيه قبل أن يتم زواجهما، ثم تزوجت مصعب بن الزبير، وبعد مقتله تزوجت ثالثاً. كانت على درجة عالية من الثقافة والاطلاع، استضافت أهم الشعراء في عصرها، وذُكر أن الفرزدق وجميلًا وجريرًا، وكانوا من أشعر الناس، أتوا بابها مرةً فأمرت لكل واحد فيهم ألف درهم. 

من أخبارها أيضاً أن الفرزدق مرّ عليها يسألها عن شعره، فطردته، فقال لها:"ومنعك إياي أن أنشدك شيئاً من شعري، وبي ما قد عيل صبري، وهذه المنايا قد تروح لعلي لا أفارق المدينة حتى أموت، فإذا أنا مت، فمري لي أن أدرج في كفني وأدفن في حر هذه- إشارة إلى جارية أعجبته- فضحكت سكينة وأمرت له بالجارية". 

تطلعنا هذه الأخبار، حتى وإن كان بعضها مختلقاً أو مبالغاً فيه، على مكانة سكينة وعائشة في المخيلة الشعبية كما انعكست في كتب الأدب والأخبار. 

الرواية التاريخية أين تبدأ وكيف تنتهي علاقتها بالتاريخ؟ 

يعرف جورج لوكاتش الرواية التاريخية بأنها "رواية تاريخية حقيقية، أي رواية تثير الحاضر ويعيشها المعاصرون بوصفها تاريخهم السابق للذات. يشكل التاريخ منظومة الأحداث والتمثلات لواقع قائم ليأتي العنصر الأدبي ويساعد في خلق الرواية.

يضيف أن مايهم في الرواية التاريخية ليس سرد الأحداث التاريخية الكبيرة، بل الإيقاظ الشعري للناس الذين برزوا في تلك الأحداث "وما يهم أن نعيش مرة أخرى الدوافع الاجتماعية والإنسانية التي أدت بهم إلى أن يفكروا ويشعروا ويتصرفوا كما فعلوا ذلك تماما في الواقع التاريخي. بمعنى أن العلاقات الصغرى أكثر ملاءمةً من سلسة أحداث التاريخ العالمي المهمة". ربما كان الأمر الذي جسده جمال باكير من خلال تفاصيل حياة عائشة وسكينة وباقي شخصيات الراوية.

يقول باكير "الرواية التاريخية التي تعتمد على شخصيات وأحداث حقيقية تتطلب أن يمتلك الكاتب مهاراتِ المحقق والمؤرخ والطبيب النفسي وعالم الاجتماع بالإضافة إلى خيال الراوي، لأنه يعيد بناء حياة مجتمع بأكمله. لذلك، الخيال الذي استخدمته في كتابة القصة هو محاولة إكمال الأحداث وتصعيدها درامياً، ولا يتعارض مع المعلومات الواردة عنهما".

ومن هنا، اعتمد باكير في كتابة الراوية على حوالي 60 مصدراً وضع قائمة بها، نهاية الكتاب تأكيداً على تاريخية الرواية. 

من مسلسل إلى رواية

عام 2009 كتب جمال باكير قصته على شكل معالجة درامية لمسلسل تلفزيوني بانتظار جهة إنتاجية، غير أن نصيحة دفعته لإصدار فكرته براوية قد تتحول فيما بعد إلى مسلسل، وذلك ما حصل. خلال العام الحالي، فازت الرواية بمنحة "تطوير المسلسلات التلفزيونية" لدى الهيئة الملكية للأفلام. المنحة تدعم كل الجهود التي تصب في خانة إيصال المشروع إلى جهة منتجة. وبهذا سيكون المسلسل ثلاثة أجزاء، كل واحد يشمل عشر حلقات، أي ما مجموعه ثلاثون حلقة. 

تتناول رواية "أميرات منسيات" التي سيتم تحويلها إلى مسلسل، قصص شخصيات نسائية وأقليات جنسية في الإسلام المبكر بأسلوب جريء ومشوّق
عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين، سيدتان على قدر من السلطة الاجتماعية والعلم نشأتا في أسرتين عريقتين، تحاولان استعادة أمجاد عائلتيهما في العصر الأموي، هذه حبكة رواية "أميرات منسيات" التي سيتم تحويلها إلى مسلسل

بين الرواية والمسلسل

غير أن تحديات أخرى تنتظر كتابة الرواية على شكل سيناريو، لعل أهمها كيفية ظهور الشخصيات على الشاشة، يساهم في ذلك اختيار الممثلين والديكور والأزياء وتفاصيل أخرى يحددها المخرج والمنتج والمشرف العام، يؤكد باكير، مشيراً إلى أن دور الكاتب ينتهي عند تسليم الأوراق وغالباً لا يأخذ خالق العمل الاهتمام الذي يستحقه، لا مادياً ولا معنوياً.

"لكن في الغرب، خالق العمل وكاتبه الرئيسي يتطور عمله ليصبح منتج ومنفذ لقصته، ويظل مشرفاً على المسلسل وضامناً لوحدته. سأحاول قدر المستطاع ألا ينتهي دوري عند كتابة الحلقات، وأن أستمر في الإشراف على التفاصيل، ليظهر المسلسل بأجمل وأفضل صورة ممكنة".

خلال كتابته الراوية حرص باكير على إبراز الشخصيات والهويات المهمشة، أو التي لا تأخذ مساحةً كافية على الشاشة أو تم تصويرها بطريقة خاطئة، فتضمنت طبقة الخدم والملهّين والفنانين في ذلك الزمن، لتظهر الشخصيات بواقعيتها وتنوعها الهوياتي والجندري والجنسي، كان منهم المغني "طويس" أشهر المخنثين في العصر الأموي، تُروَى أحداث الرواية على لسانه.

في المسلسل قد يُستغنى عن دور طويس كراوٍ، لكنه وسائر الشخصيات سيظهرون كما وردوا في الأخبار التاريخية، بحسب باكير "القصة جريئة... لكنها لا تحتوي على مشاهد خادشة، فأنا أعرف ما يُمكن أن يظهر أو لا يظهر على الشاشة في سياق روايتي، لكني أدفع بالحدود نحو أقصى مسافة ممكنة، خاصة أنها حدود مرنة نسبياً، وتعتمد على ما إذا تم إنتاج أميرات منسيات كمسلسل عربي أو تركي أو غربي. أنا منفتح على كل الاحتمالات".

عن خلاصة تجربته يحدثنا "على الكتّاب والفنانين والموهوبين من صنّاع القصص والروايات والأفلام والمسلسلات أن يتمسكوا بحلمهم، إن كانوا شغوفين كفاية بعملهم ومؤمنين به، وأن يكونوا منفتحين على النصائح الإيجابية وإهمال التعليقات المحبطة". آملاً من أصحاب القرار والقائمين على مصادر التمويل أن يستثمروا في قطاع الثقافة والتراث والفنون بالشكل الذي يضمن وصول المبدعين والفنانين والموهوبين إلى الأماكن التي يستحقونها لإحداث التغيير والتقدم المطلوب من خلال القوة الناعمة للثقافة والفنون.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard