يعيشون على أمل أن "يرنّ بخبر عن الأحبة"... الهاتف رفيق عائلات المخفيين/ات قسراً في سوريا

الاثنين 30 أغسطس 202103:21 م
Read in English:

The Mobile Phone, the Lifeline of the Families of Syria’s Forcibly Disappeared

ما هو الأمل؟ لدى عائلات المعتقلين والمعتقلات والمخفيين والمخفيّات قسراً في سوريا من قبل النظام السوري أو الفصائل الأخرى التي تسيطر أو كانت تسيطر على مناطق معيّنة فيها، هو مكالمة هاتفية، هو رسالة نصية، هو رسالة واتساب تطمئنهم على حبيب/ة أو قريب/ة، بعد سنوات عدّة مرّت بلا أي خبر عنه/ا.

حتى الآن، لا يزال الهاتف هو رفيق هؤلاء المنتظرين. لا يفارقهم. يمنون أنفسهم بأن يصلوا إلى الحقيقة أو اليقين.

الاختفاء القسري حسب تعريف الأمم المتحدة هو "القبض على الأشخاص واحتجازهم أو اختطافهم رغماً عنهم أو حرمانهم من حريتهم على أي نحو آخر على أيدي موظفين من مختلف فروع الحكومة أو مستوياتها أو على أيدي مجموعة منظمة، أو أفراد عاديين يعملون باسم الحكومة أو بدعم منها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو برضاها أو بقبولها، ثم رفض الكشف عن مصير الأشخاص المعنيين أو عن أماكن وجودهم أو رفض الاعتراف بحرمانهم من حريتهم، مما يجرد هؤلاء الأشخاص من حماية القانون".

هذه الجريمة مارسَتها السلطات في سوريا ومارسَتها أيضاً عدّة جماعات من الجماعات التي انخرطت في الحرب التي أعقبت انطلاق ثورة شعبية تطالب بالحرية والديمقراطية في آذار/ مارس 2011.

وخصصت الأمم المتحدة يوم الثلاثين من آب/ أغسطس من كل عام كيوم دولي لضحايا الاختفاء القسري. وبهذه المناسبة نظّمت كل من "عائلات من أجل الحریة"، "رابطة معتقلي ومفقودي سجن صیدنایا"، "رابطة عائلات قیصر"، "مبادرة تعافي" و"مسار: تحالف أسر الأشخاص المختطفون/ات لدى تنظيم الدولة الإسلامية – داعش"، في العاصمة الألمانية برلين، فعالية للفت انتباه العالم إلى قضية المفقودين والمفقودات والمخفيين والمخفيات قسراً في سوريا، عبر وضع أكثر من 300 هاتف في ساحة "بيبل"، لترمز إلى كل العائلات السورية التي تنتظر خبراً عن أحبائها.

اختير هذا المكان لأنه ساحة عامة ومزدحمة بالناس، للفت انتباه المارة والسياح من جميع الجنسيات، للتعرف على معاناة الأهالي ورفع الوعي بجريمة الاختفاء القسري في سوريا، وحتى يساهم هؤلاء الأشخاص بمطالبة حكوماتهم باتّخاذ إجراءات فورية لإطلاق سراح المعتقلين والمخفيين قسراً وإعطاء أهاليهم حق المعرفة. هذا ما قالته لرصيف22 ميس، واحدة من الفريق المنظّم للفعالية.

الهاتف يمثّل الأمل

"نقف في برلين مع عائلات المعتقلين والمختفين قسرياً في سوريا، لأن ألمانيا فيها أكبر تجمع للاجئين السوريين في أوروبا، لنذكّر العالم باليوم العالمي للاختفاء القسري وبأن هناك عشرات الآلاف من المختفين قسرياً في سوريا"، تقول ميس التي تفضّل ألا تتحدث باسمها الكامل وتضيف: "أهاليهم لا يعرفون شيئاً عنهم. البعض منهم تعود فترة اختفاء أحبائهم إلى تسع سنوات وثماني سنوات، ولا زالوا ينتظرون جنب الهاتف للحصول على خبر عن أحبائهم المعتقلين. لماذا اعتُقلوا؟ هل هم أحياء أم أموات؟ وفي حال الوفاة، ما هو سبب الوفاة؟ وكيف؟ وأين قبرهم؟ الأهالي يطالبون بحق المعرفة من النظام السوري وجميع الجماعات المسلحة التي قامت بجريمة الإخفاء القسري، بإنهاء استخدام الإخفاء القسري كوسيلة للضغط على المجتمعات".

"أهاليهم لا يعرفون شيئاً عنهم. البعض منهم تعود فترة اختفاء أحبائهم إلى تسع سنوات وثماني سنوات، ولا زالوا ينتظرون جنب الهاتف للحصول على خبر عن أحبائهم المعتقلين. لماذا اعتُقلوا؟ هل هم أحياء أم أموات؟ وفي حال الوفاة، ما هو سبب الوفاة؟ وكيف؟ وأين قبرهم؟"

لماذا الهاتف؟ تجيب ميس: "لأن الهاتف يمثّل الأمل، الأمل في أن يرنّ بخبر عن الأحبة، ويصبح بمثابة الصديق عندما يصبح لديك مختفٍ قسرياً، فهناك بعض الأهالي معنا من الذين وجدوا صور أحبائهم في ملفات قيصر التي سُرّبت وتتضمّن صوراً لمَن قُتلوا تحت التعذيب في سجون الأسد، ولكن لا يزال لدى الكثير منهم الأمل ولو بقبر يزورونه، أو بخبر بأن هذه الملفات غير صحيحة. حياة هؤلاء الأهالي معلّقة، لا يستطيعون المضي دون معرفة الحقيقة".

لا يمر يوم لا أطالب فيه بحريتهما

زوجة الدكتور عبد العزيز الخيّر (70 عاماً) ووالدة ماهر الطحّان (40 عاماً)، السيدة فدوى محمود، هي من مؤسسات حركة عائلات من أجل الحرية.

تقول لرصيف22: "زوجي وابني مخفيّان منذ عام 2012. شاركا في وفد هيئة التنسيق الوطنية التي شُكّلت في ذلك الوقت في الصين، للتباحث في الحل السياسي السلمي في سوريا، وعند عودتهما إلى المطار اعتقلوهما، ومنذ ذلك التاريخ لا أعرف عنهم أي شيء. وبالنسبة إليّ، قضية المعتقلين هي قضيتي في كل مكان وفي كل زمان، وفي كل ظرف أطالب بالكشف عن مصير المختفين قسراً والمعتقلين لدى كل الأطراف، ونحن المتواجدون في الخارج نستطيع أن نعبّر عن هذه القضية والحديث عنها، ونحن صوت العائلات التي لا تزال داخل سوريا ولا تستطيع الحديث عن اختفاء أبنائها".

وعن علاقتها مع الهاتف، تروي محمود: "أنا منتظرة دائماً وأبداً رنّة هاتف تأتي بخبر أو معلومة أو إشارة تفرح قلبي أو تطمئنني عنهما. رنين التلفون في أوقات معيّنة كمنتصف الليل أو في وقت مبكر من الصباح يحفّزني، ويمنحني أملاً بأن هناك خبراً، فالهاتف هو رفيقي الدائم".

"بعض الأهالي من الذي وجدوا صور أحبائهم في ملفات قيصر التي سُرّبت... ولكن لا يزال لدى الكثير منهم الأمل ولو بقبر يزورونه، أو بخبر بأن هذه الملفات غير صحيحة. حياة هؤلاء الأهالي معلّقة، لا يستطيعون المضي دون معرفة الحقيقة"

وتتابع: "أنا وصديقاتي وزميلاتي مؤمنات بأن التغيير لن يأتي غداً، ولكن العمل الذي نقوم به، والمطالَبات، دائماً وأينما كنّا، هو عمل تراكمي، كي لا تُنسى هذه القضية، فنحن عائلاتهم وعلينا أن نبقي هذه القضية حيّة، فأنا مؤمنة بأنه يجب ألا يمر يوم دون أن أعمل شيء من أجلهم أو أطالب بحريتهم. نعم لديّ أمل كأم وكزوجة، يجب أن نعيش من أجله، فالظلم والاستبداد لا يدوم لآخر الزمان".

ويقدّر المرصد السوري لحقوق الإنسان وجود نحو 200 ألف مفقود في سوريا، نصفهم تقريباً في سجون النظام.

بانتظار خبر حلو

أمين ملا خاطر (62 عاماً) كان يعمل محاضراً في جامعة الفرات والمعهد البيطري في دير الزور، وكان برفقة زوجته سمر علوني عندما مرّا على حاجز عسكري منذ ست سنوات وثمانية أشهر، وهناك اعتُقل ولم تعد سمر وابنيها وبنتها يعرفون عنه شيئاً.

تقف سمر في الساحة حاملة صورة زوجها، وتقول لرصيف22: "اعتُقل زوجي من قبل النظام إلا أنني لا أعرف اليوم أين هو ومع أي طرف من أطراف النزاع، وأنا كالبقية بانتظار أي خبر سواء كان حيّاً أو متوفياً، لا سمح الله. نعيش على الأمل، ونطالب بالإفراج عنهم، ونطالب بالمحاسبة، ونطالب بمعرفة أين هم؟ أين جثامين المتوفين؟ نطالب بالعدالة".

وأشارت إلى إنها تنتظر أن يرن الهاتف ليأتي بـ"خبر حلو" مفاده "أُفرج عنهم، تعالوا لرؤيته".

بانتظار اتصال من أحبائنا

كان كريم سليمان، الصحافي المواطن السوري يقف في الساحة حاملاً صورة أخيه محمد علي سليمان (36 سنة) المعتقل منذ ثماني سنوات لدى النظام السوري "لإيصال رسالة إلى العالم بمناسبة اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري بأنه لا يزال لدينا أمل، ولم نستسلم من أجل أحبابنا داخل السجون والمعتقلات عند نظام الأسد، القاعدة، داعش، قسد وغيرها من الفصائل الإرهابية التي تخفي أحبائنا قسرياً. نودّ أن نقول للمجتمع الدولي أننا موجودون وأننا بانتظار اتصال من أحبائنا بأنهم بخير أو بأنهم نالوا الحرية"، حسبما يقول لرصيف22.

ويضيف: "على الرغم من أن والدتي تلقّت اتصالاً عام 2015 من شخص مجهول يخبرها بأنه قُتل تحت التعذيب، إلا أنها لم تصدّق هذا الخبر لأنها لم ترَ الجثة وتعيش على أمل أنه حيّ وأنه في يوم من الأيام سيعود، فنحن بانتظار أي معلومة عنه، أي رقم غريب من سوريا يتصل بنا، أو يرسل رسالة نصية أو محادثة واتساب، على أمل أن يكون أخي على الجانب الآخر من المحادثة".

مصدر للألم والأمل

تقف راية الحمصي، العضوة في "عائلات من أجل الحرية"، حاملة صورة خطيبها يامن البيج (41 عاماً) الذي تعرّفت عليه عام 2010، وجمعتهما الثورة وشغف التغيير والحرية، واتفقا على أنه لو حدث شيء لأي منهما على الآخر أن يكمل الطريق، ولكنها، كما أخبرَت رصيف22، لم تكن تتخيل أنها سيكون الشخص الذي يجب أن يكمل الطريق، فالحياة بتأنيب ضمير والانتظار صعبين والطريق طويل.

اعتُقل يامن عام 2012 في مبنى عمله كمهندس اتصالات. تعلّق: "نحن هنا لإيصال رسالة مهمة وقوية هي أنه من حقنا أن نعرف أين المعتقلين، سؤال نسأله منذ سنوات، ورغم بساطته إلا أنه للأسف ليس له جواب، نحن هنا لنعبّر عن معاناتنا في الانتظار، حياتنا المرهونة بتلفون، بخبر نسمعه عن المغيّبين منذ سنوات، فحياتنا لم تعد كما هي قبل اختفائهم".

"أنا منتظرة دائماً وأبداً رنّة هاتف تأتي بخبر أو معلومة أو إشارة تفرح قلبي أو تطمئنني عنهما. رنين التلفون في أوقات معيّنة كمنتصف الليل أو في وقت مبكر من الصباح يحفّزني، ويمنحني أملاً بأن هناك خبراً، فالهاتف هو رفيقي الدائم"

وعن الأمل، تقول راية: "لا يمكن أن نكون بدون أمل، أحياناً أفكّر في أن مطالبتنا لهم بالبقاء أحياء وأقوياء تحت كل هذا التعذيب وكل هذه السنوات هو أنانية منّا، ولكن الأمل هو الذي يجعلنا ننتظر".

وشرحت الحمصي أن لها علاقة مؤلمة بالهاتف: "في اللحظة التي اختفى فيها يامن أُغلق هاتفه، فأصبحت أخاف عندما يكون هاتف أي شخص أتصل له مغلقاً في أي مكان، كما أننا لسنوات طويلة ننتظر أن ترنّ هواتفنا ليأتينا خبر بأنه أُطلق سراحه، أو لأن هناك معلومات عنه، فهذا مصدر للأمل والألم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard