هزائم صلاح الدين أمام الصليبيين

الأربعاء 25 أغسطس 202110:36 ص


يحتفي المسلمون بسيرة السلطان الأشهر، صلاح الدين الأيوبي، بسبب انتصاراته المبهرة على الصليبيين، وبالأخصّ في موقعة حطين.

لكن واقع التاريخ يؤكد أن "صاحب حطين"، لم تكن سيرته خالية من الهزائم أمام الأوروبيين، فخلال نضاله الطويل ضد الحروب الصليبية، على مدار عشرات السنوات، أتت عليه لحظات صعبة، تخلّى فيها قادة المسلمين عنه، ولم يتمكن من حشد ما يكفي من قوة لوأد الخطر الصليبي، فسقط عدة مرات أمام جيوش أوروبا. فما هي أبرز هذه الوقائع؟

معركة تل الجزر/ الرملة: اشتباك أول... هزيمة أولى

في العام 1177م، كان نجم صلاح الدين قد بدأ في البزوغ بمصر كقائد عسكري مسلم محنّك، ظهر في وقتٍ بلغت فيه الدول الإسلامية أقصى مراحل ضعفها، لدرجة نجح معها الصليبيون الوافدون من أوروبا في اقتطاع أغلب مساحة الشام وأقاموا فيها إمارات صلييبية، أبرزها في القدس.

أنهى صلاح الدين الدولة الفاطمية، وأمر خطباء المساجد المصرية بالعودة إلى الدعاء للعباسيين مجدداً، وأجرى عمليات إصلاح واسعة في الجيش، وطمح أن يُوحِّد بقاع الإسلام الرئيسية تحت رايته.

يحتفي المسلمون بسيرة صلاح الدين، بسبب انتصاراته المبهرة على الصليبيين، وبالأخص في موقعة حطين. لكن التاريخ يؤكد أن  سيرته لم تكن خالية من الهزائم أمام الأوروبيين. فما هي أبرز المعارك التي هُزم فيها صلاح الدين؟

حاول استغلال انشغال جيش مملكة بيت المقدس ببعض الحروب الصغيرة في شمال الشام، وخطّط لتوجيه ضربة قاصمة لهم في عقر دارهم.

وفي هذا التوقيت، عاشت مملكة القدس أوضاعاً مضطربة نسبياً، بسبب أزمة سياسية تفجّرت على خلافة عرش ملكها الشاب بالدوين. بالرغم من أنه كان في الـ16 من عُمره إلا أنه كان لا يستطيع الإنجاب، فجرى الاتفاق أن يخلفه ابن أخته سيبيلا، وهو ما فتح الباب أمام نبلاء المملكة للتنافس على الزواج منها.

وخلال هذه الفترة، حاول صلاح الدين استغلال فترة الهدنة الموقّعة مع الصليبيين في توطيد دعائم ملكه، ومدَّ سلطانه باقي النواحي الإسلامية، كالعراق والشام والسودان، وعلى الرغم من الاستقلال الكبير الذي تمتّع به صلاح الدين في حكم مصر إلا أنه لم يُسمِّ نفسه سُلطاناً مستقلاً إلا بعد وفاة نور الدين زنكي، صاحب دمشق، عام 1174م، والذي دان له صلاح الدين بالولاء.

بعد وفاته، ضمّ صلاح الدين دمشق إلى ملكه وتزوّج من أرملة نور الدين عصمت الدين خاتون، ولم ينته عام 1176 حتى اتسعت رقعة دولة صلاح الدين وشملت حلب والموصل وشمال العراق وبلاد الحجاز، توحّدت الخلافة في القاهرة وبغداد لأول مرة منذ 200 عام، وهنا أتى الدور على الصليبيين.

يقول ستانلي لين بول في كتابه "مصر في العصور الوسطى"، إن فترات الهدنة التي عقدها صلاح الدين قبل تفجُّر أعمال القتال مجدداً لم تكن هادئة تماماً.

تفجّرت العديد من المناوشات مع الفرنجة، أبرزها قيامهم بغزو الأراضي المحيطة بدمشق، كما وضع الصليبيون خطة لإعادة غزو مصر، لم تتم بنجاح بسبب خلافات بين قادة المعسكر المسيحي، وهو ما ردّ عليه صلاح الدين بمحاولة غزو مُحيط بيت المقدس، إقليم الصليبيين الأغلى، فقاد قوة مؤلّفة من 27 ألف رجل، قيل إن منهم ألف فارس من حرس صلاح الدين الشخصييين.

خرج من جيشه في تشرين الثاني/نوفمبر 1173م، ونزل على عسقلان التي أخضعها الصليبيون لسيطرتهم منذ عام 1153م، 553هـ، وسيطر عليها دون مقاومة كبيرة، ما شجّعه على مواصلة المسير نحو مدينة الرملة.

هنا، شعر صلاح الدين بالثقة وأنه في سبيله لإحراز نصر جديد على الصليبيين بفضل كفاءته القتالية وجيشه الضخم، إلا أنه فوجئ بغير ذلك؛ فحينما كان يستعد لعبور نهر تل الصافية، باغته الصليبيون بهجوم كاسح قاده الأمير الصليبي رينودي شاتيون، المعروف في المصادر العربية باسم إرناط.

في معركة تل الجزر، خسر صلاح الدين قرابة 90% من جنوده، كان من بينهم ابن أخيه تقي الدين، واضطر صلاح الدين نفسه إلى مغادرة الميدان ممتطياً "جمل سباق"، وفي النهاية حقق الصليبيون ما وصفوه لاحقاً بـ"المعجزة"

يوم 25 تشرين الثاني/نوفمبر من العام 1177م، وبينما كان معسكر المسلمين يعيش استرخاء، قضى فيه الجنود وقتهم في أكل الطعام والخيول في شرب الماء، فاجأ ملك بيت المقدس (أورشليم) بالدوين (المعروف باسم "الملك المجذوم") صلاح الدين في منطقة تل جزر Tell Gezer، التي تقع قرب الرّملة (عُرفت أيضاً باسم معركة مونتجيسارد)، وهزمه هزيمة ثقيلة، فاضطر صلاح الدين للفرار من المعركة حفاظاً على حياته، وكانت أول هزيمة خطيرة يتلقّاها صلاح الدين طوال نضاله ضد الصليبيين.

لا نمتلك الكثير من تفاصيل ما جرى في المعركة، بسبب رغبة صلاح الدين في التعتيم على نتيجتها حتى لا تتأثر الروح المعنوية لباقي جيشه، لدرجة أنه أعلن انتصاره فيها.

أمسكت المصادر الإسلامية عن الحديث عن تفاصيل الموقعة. مثلاً اكتفى عيسى الحسن في كتابه "أعظم شخصيات التاريخ"، في حديثه عن المعركة، بأن البداية بشّرت بفوز ساحق للمسلمين، "لم يُبدِ فيه الصليبييون أي مقاومة"، إلا أن صلاح الدين وقع في خطأ ترك جنوده يسعون وراء الغنائم وتتشتت تجمعاتهم، وهو الخطأ الذي استغلّه بالدوين ليعيد تنظيم قواته ويهزم صلاح الدين.

في الوقت الذي أسهبت فيه المصادر التاريخية الأجنبية في سرد وقائع "تل الجزر"؛ حيث استعان بالدوين بأسقف بيت لحم للتقدم أمام الجنود وهو يحمل الصليب الذي سجدوا أمامه طالبين من الله التوفيق.

وقع الاختيار على ذلك الموقع تحديداً، من أجل حرمان صلاح الدين من تفوقه العددي، لذا تعمّد بالدوين ألا يهاجم المسلمين في الرّملة لأن تضاريسها المفتوحة تسمح للجيش المصري كثيف العدد بالتفوق، بينما حوّلت "تل الجزر" كثيرة المستنقعات كثرة العدد إلى عيب وليس ميزة.

بحسب المصادر الأجنبية، أبدى الجنود الصليبييون، بقيادة قوة "فرسان الهيكل"، بأساً كبيراً في القتال، حتى حققوا نصراً نادراً على صلاح الدين الذي ترددت أصداء نجاحاته في كافة الآفاق.

بحسب المصادر الأوروبية، خسر صلاح الدين قرابة 90% من جنوده، كان من بينهم ابن أخيه تقي الدين، فيما لم يزد عدد قتلى الصليبيين عن ألف فرد فيما جُرِح 750، وفي النهاية اضطر صلاح الدين نفسه إلى مغادرة الميدان ممتطياً "جمل سباق"، وفي النهاية حقق الصليبيون ما وصفوه لاحقاً بـ"المعجزة".

سلّط بالدوين فرسانه لمطاردة فلول جيش المسلمين لمدة 4 أيام، عادت إليه بعدها إلى عسقلان محملة بالأسرى والأسلحة والخيول، وبرغم هذا الانتصار الكبير، لم يشعر بالدوين بالاطمئنان أبداً؛ لأنه علم أن صلاح الدين يمتلك احتياطيّاً ضخماً من الجنود، ما يجعل تأثير هذه المعركة عليه محدوداً.

بعد نصر المسلمين الحاسم في معركة حطين، استعاد صلاح الدين مدينة القدس، وهو ما أدّى لإطلاق الحملة الصليبية الثالثة بقيادة 3 جيوش أوروبية كبرى شكّلت قوة هائلة، وبدّدت أحلام صلاح الدين في الاحتفاظ بالقدس والعيش بسلام

يقول مايكل هاج في كتابه "فرسان الهيكل: التاريخ والأسطورة": "كان انتصاراً عظيماً وأنقذ مملكة القدس في الوقت الحالي، لكنه لم يغير من حقيقة الأمر شيئاً، فصلاح الدين يمتلك موارد هائلة تساعده على الاستفاقة سريعاً، بينما يعيش الفرنجة أوضاعاً صعبة يفتقرون فيها إلى الأسلحة والرجال، ربما لو كان بالدوين لاحق صلاح الدين حتى القاهرة أو دمشق، لوجّه له ضربة ساحقة أمّنت المزيد من الوقت للصليبيين في الشام، لكنه لم يفعل ذلك واكتفى بنصر المعركة".

يقول علي الصلابي في كتابه "صلاح الدين الأيوبي وجهوده"، إن هذه الهزيمة كانت وَهناً لم تجبره إلا موقعة حطين، ولقد قُتل في المعركة وجُرح وأسر العديد من قادة صلاح الدين البارزين.

من هذه المعركة، أيقن صلاح الدين أن القاهرة لا تصلح أن تكون قاعدة لتنفيذ هجمات على الصليبيين، بسبب بُعدها عن خطوط القتال، وصعوبة إمداد خطوط تموين وإمداد بهذا الطول، فجعل دمشق قاعدة لعملياته الحربية ضد الفرنج.

وهو التفكير الذي عبّر عنه صلاح الدين في رسالة وجّهها إلى الخلافة العباسية، قائلاً: "إنّا لا نتمكن بمصر منه (الصليبيين) مع بُعد المسافة، وانقطاع العمارة، وكلال الدواب التي بها على الجهاد القوة، وإن جاورناه كانت المصلحة بادية، والمنفعة جامعة، واليد كثيرة الجموع".

فعمد إلى توقيع معاهدات سلام بين الطرفين، أقرّت هدنة يمتنعان فيها عن الأعمال القتالية، ريثما ينتهي من إعداد دمشق لتكون قاعدته العسكرية الأهم في الشام.

بحسب ستانلي لين، أعاد صلاح الدين لملمة جيشه سريعاً، وخلال 3 أشهر فقط كان قادراً على خوض معركة أخرى مع الصليبيين في حمص، وبعدها بعامين حقّق انتصاراً كبيراً عليهم في مرج عيون، أسر بموجبه 70 فارساً من كبار فرسان المعبد، بالإضافة إلى "ريموند" أمير طرابلس، و"هيو" أمير طبرية.

سقوط عكا: عُدنا يا صلاح الدين

بعد نصر المسلمين الحاسم في معركة حطين 1187م/583هـ، استعاد صلاح الدين مدينة القدس، وهو ما أدّى لإطلاق الحملة الصليبية الثالثة بقيادة فريدرك بارباروسا، إمبراطور ألمانيا، وريتشارد الأول المُلقب بقلب الأسد، ملك إنجلترا، وفيليب أغسطس ملك فرنسا.

3 جيوش أوروبية كبرى شكّلت قوة هائلة، بدّدت أحلام صلاح الدين في الاحتفاظ بالقدس والعيش بسلام. فور وصولهم، فرض الصليبيون حصاراً خانقاً على تلك مدينة عكا الحيوية.

اعتُبر سقوط عكا واحداً من الملاحم الكبرى لتفوق الأوروبيين على أهل المشرق، لذا كان لافتاً أنه عندما اقتحم إرهابي نيوزيلندي مسجداً عام 2019م، وأطلق النار على المُصلين، نقش على سلاحه اسم "معركة عكا"

استمات صلاح الدين في الدفاع عن المدينة الاستراتيجية، ومن خلال موقعه القريب من المدينة في تل الخروبة، أحاطت قوات الفرنجة بجيوشه، وهكذا أصبح المُحاصِرون مُحاصَرين، وخاضا سلسلة من المعارك لم تسفر عن تحقيق أي نصر، وتتالت وصول الإمدادات لكلا الجيشين دون أن يتمكن طرف من حسم المعركة.

في حزيران/يونيو، وصل الملك ريتشارد على رأس قوة مؤلّفة من 200 سفينة حملت 17 ألف رجل، ما شكّل دفعة كبيرة للجيش الصليبي. طلب صلاح الدين من خليفة دولة الموحّدين المغربية أن يُعينه بالمزيد من السفن والمساعدات فرفض، في الوقت الذي انعدمت فيه المساعدات العباسية إلا من 20 ألف دينار، ما إن وصلت صلاح الدين حتى أصابه الضيق وأمر بردّها إلى بغداد.

وهكذا مالت موازين القوى بشدة لصالح الأوروبيين ضد المسلمين المنقسمين على أنفسهم.

ازداد الحصار قسوة على عكا، وقصف ريتشارد أسوارها بشدة بكل ما لديه من مجانيق.

يقول جلال حسني في كتابه "عكا في أثناء الحملة الفرنجية الصليبية الثالثة"، إن الصليبيين استعانوا بسلاحين ثقيلين مفاجئين لجيش المسلمين؛ الأول؛ ثلاثة أبراج عالية وضخمة "ركبوها من الأخشاب الطوال، والعمد الثقال، وسمّروها بالحديد، وزحفوا بها إلى السور"، بالإضافة إلى "دبابة عظيمة، تغطيها صفائح حديدية سميكة، تحمي من يأوي في باطنها من المقاتلين، فيأمن خطر الطعن والضرب والاحتراق".

وعلى الرغم من بسالة الحامية الإسلامية في الدفاع عن عكا، إلا أنها لم تستطع الصمود كثيراً أمام الموجات الأوروبية التي انهالت عليهم بلا رحمة، وتهدّمت أبراجها الحصينة الواحدة تلو الأخرى، حتى اضطرت عكا للاستسلام بشروط قاسية، شملت تسليم كافة الأسلحة المخبئة في عكا، دفع غرامة قدرها 200 ألف قطعة ذهبية وإطلاق سراح كافة الأسرى الصليبيين.

استعاد الصليبيون مدينة عكا الساحلية في 12 يوليو 1191م، بعد صراعٍ عنيف استمرّ عامين كاملين، واعتُبرت هذه المعركة هي أطول معارك الحروب الصليبية في بلاد الشام على مدار القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين.

عقب سقوط مدينة عكا، أمر الملك ريتشارد بقتل 2500 رجل من حاميتها بضرب أعناقهم، وجرى نزاع غير مباشر على "إرث النصر"، بعدما وضع رجال دوق النمسا ليوبولد، رايته على سور المدينة، فألقاها رجال ريتشارد في أحد الخنادق ورفعوا الراية الإنجليزية وحدها.

في العام 1191م/587هـ، كان صلاح الدين الأيوبي على موعدٍ مع ثاني هزائمه أمام الملك الإنجليزي ريتشارد الأول، في مدينة تقع على ساحل فلسطين تبعد عن يافا 10  أميال، تُدعى أرسوف

واعتُبر سقوط عكا واحداً من الملاحم الكبرى لتفوق الأوروبيين على أهل المشرق، لذا كان لافتاً أنه عندما اقتحم إرهابي نيوزيلندي مسجداً عام 2019م، وأطلق النار على المُصلين، نقش على سلاحه اسم "معركة عكا".

معركة أرسوف: حطين صليبية

في العام 1191م/587هـ، كان صلاح الدين الأيوبي على موعدٍ مع ثاني هزائمه أمام الملك الإنجليزي ريتشارد الأول، في مدينة تقع على ساحل فلسطين تبعد عن يافا 10  أميال، تُدعى أرسوف.

اعتُبرت هذه المدينة الاستراتيجية مفتاح الاستيلاء على ميناء يافا الحيوي، والذي يُعدُّ الرئة التجارية البحرية الأهم للقدس، ولهذا اهتمّ الصليبيون بالاستيلاء عليها في حملاتهم القتالية المتتالية على بلاد المشرق، وبالفعل نجحوا في ذلك حتى استردّها صلاح الدين في أعقاب معركة حطين.

بعد انتصارهم المدوّي في عكا، هدف الصليبيون إلى استثمار حالة التفوق تلك بالاستيلاء على يافا التي تُبقيهم على مرمى حجر من القدس، تضمّن طريق الصليبيين نحو بيت المقدس ضرورة المرور على أرسوف.

أبدى ريتشارد براعة كبيرة في عدم المخاطرة بالتوغل في قلب الشام، كيلا يصطدم بصلاح الدين في معركة داخلية يُحاصره فيها المسلمون من كلِّ جانب، فالتزم بالطريق الساحلي كي يؤمِّن ميمنته بالبحر، ويكون قريباً من أسطوله، يتلقى من الدعم كلما سنحت الظروف بذلك، وهي الميزة التي حُرم منها صلاح الدين بسبب خروج أسطوله مثخناً الجراح من معركة عكا.

في معركة أرسوف، "أمر صلاح الدين بحفر الخنادق وعمارة الأسوار، وكان يحمل بنفسه الحجارة هو أولاده، بصحبة باقي الأمراء والعلماء والجنود"

يحكي أستاذ التاريخ محمد مؤنس في بحثه "في الصراع الإسلامي-الصليبي: معركة أرسوف"، أن الجيش الأيوبي تعمّد مضايقة الصليبيين عن بُعد بسهام "تحجب الشمس"، قتلت وجرحت منهم الكثيرين، كما عمدوا إلى "تخطف الصليبيين وقتلهم"، وسادت صفوف المسلمين حالة من الغضب وتوق للثأر إلى رجال "حامية عكا" الذين قتلهم ريتشارد ذبحاً.

عند وصول ريتشارد إلى قرية قُرب أرسوف تُدعى "دير الراهب"، أراد كسب بعض الوقت لتنظيم صفوفه بعد الارتباك الذي أحدثته به العمليات النوعية لجيش المسلمين، فطلب التفاوض مع صلاح الدين، الذي كان بدوره بحاجة لمزيد من الوقت لحين وصول العناصر التركمانية التي استقدمها لتدعيم قواته ضد المعارك المحتملة مع الصليبيين، لذا أوفد صلاح الدين أخاه العادل للمفاوضات بعدما طلب منه أن "يُطاول الفرنج في الحديث".

فشلت المفاوضات من اجتماعها الأول، بعدما طالب ريتشارد باسترجاع كافة مكتسبات المسلمين في الشام من معركة حطين، وهو ما تعهّد له العادل بأن يقاوم حدوثه حتى آخر فارس لديه.

مثّل هذا الاجتماع آخر فرصة لحقن دماء الجيشين، فبعد يومين فقط تلاقى الجمعان، وكان الجيش الصليبي في أفضل حالاته بعدما اشتمل على قوات متمرسة في قتال المسلمين مثل "الاسبتارية" و"الداوية"، ونخبة كبيرة من القيادات العسكرية التي اصطحبها ريتشارد معه إلى الشرق، وجي دي لوزينيان، آخر ملك صليبي على بيت المقدس، والذي تعهّد لصلاح الدين بعدم حمل السلاح ضد المسلمين مجدداً، لكنه سرعان ما نكث عهده، وبالإضافة لذلك حضر المعركة عدد من الأساقفة لتوزيع البركات الدينية على الجنود وشحذ حماسهم ضد المسلمين.

قبل اندلاع المعركة، تلقى ريتشارد المدد الغربي الذي طلبه من أوروبا، وتمثّل في 8 سفن كبيرة مشحونة بالرجال والمعدات، بينما اقتصر حجم جيش المسلمين على 30  ألف رجل، وكالمعتاد، كانت مساعدات باقي الممالك الإسلامية هامشية، وتكاد لا تُذكر.

وفي 7 سبتمبر 1191م،14  شعبان 587هـ، بادر صلاح الدين بالهجوم معتمداً على المشاة بأسلحة خفيفة، أوقعت اضطراباً كبيراً في صفوف الصليبيين، حتى أنهم أوشكوا على أن يقضوا عليهم مثلما حدث في حطين، حسبما يذكر سعيد عاشور في كتابه "مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك".

لكن سرعان ما أعاد الصليبييون تنفيذ هجومهم، وشتتوا جموع المسلمين، حتى قيل إن صلاح الدين لم يبق حوله إلا 17 رجلاً فقط. هربت عساكر المسلمين من أرض المعركة إلى غابة قريبة، خاف الصليبيون أن يدخلوها، خوفاً من أن تكون هذه الخطوة كميناً، فكفّوا عن ملاحقتهم.

وبالرغم من الإجماع التاريخي من المسلمين والمسيحيين على أن المسلمين تلقوا هزيمة كبيرة في هذه المعركة، إلا أن المؤرخ ابن كثير ينفرد بالإشارة إلى أن الغلبة كانت للمسلمين في هذه المعركة. فهل كانت هذه محاولة أخرى لعدم إضعاف الروح المعنوية؟ 

نصر معنوي هائل عند الصليبيين

وفيما يخصُّ خسائر الجانبين، فلا يُمكن الاطمئنان إلى أرقام موثوقة، بسبب ميول مصادر الطرفين للمبالغة، فمثلاً تباينت أرقام خسائر المسلمين في كتب المؤرخين الإنجليز بين 700 فرد أو 7 آلاف!

ويعتبر مؤنس، أن المؤرخين الإنجليز حاولوا المبالغة في حجم هذا الانتصار من أجل مساواته بمعركة حطين.

حققت المعركة نصراً معنوياً هائلاً عند الصليبيين، واعتبر مؤرخ ألماني أنها "نهاية أسطورة صلاح الدين"، فيما يقول حامد غنيم في كتابه "الجبهة الإسلامية في عصر الحروب الصليبية"، إنه كان في قلب السلطان الأيوبي من أثر تلك المعركة ما لا يعلمه إلا الله، وأن الناس كانوا إما في أزمة نفسية أو من المجروحين بدنياً.

وفور انفضاض غبار المعركة، خمّنت القيادة الأيوبية أن الهدف الجديد للصليبيين سيكون مدينة عسقلان، والتي علم صلاح الدين أنها يجب ألا تسقط بأيديهم بأي ثمن، بالرغم من افتقاره القوة العسكرية لتحقيق هذا الغرض فأمر بتدمير المدينة وإخلائها من السكان، وعند وصول الصليبيين إليها بعد 5 أيام من معركة أرسوف وجدوها أطلالاً، وهو ذات السيناريو الذي فعله مع قلعتي الرملة والنطرون ومدينة اللد.

في الوقت نفسه، جرت أعمال محمولة لزيادة تحصينات بيت المقدس، لحصر الصليبيين في الساحل الشامي والحيلولة دون وقوع المدينة المقدسة بين أيديهم، وتحول كافة كوارث الهزائم السابقة إلى مصيبة ضياع القدس.

يقول ابن واصل في كتابه "مفرج الكروب في أخبار بني أيوب": "أمر صلاح الدين بحفر الخنادق وعمارة الأسوار، وكان يحمل بنفسه الحجارة هو أولاده، بصحبة باقي الأمراء والعلماء والجنود".

في النهاية، تمكّن صلاح الدين من الاحتفاظ بالحد الأدنى من تماسك قواته، والحيلولة دون وقوع القدس في أيدي الصليبيين. وبعد عامٍ واحد من معركة أرسوف، وقّع الطرفان صلح الرملة في 2 أيلول/سبتمبر 1192م، 22  شعبان 558هـ، ونصّ على هدنة شاملة بين الجانبين، يحتفظ الصليبيون بمقتضاها بالمنطقة الممتدة من يافا إلى عكا، وأن تكون اللد والرملة مناصفة بين الجانبين، وبقيت القدس تحت الحكم الأيوبي.

صورة المقال لـNik Shuliahin

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard