لمناسبة عيد الفرح بالله... الطائفة المرشدية كحركة ثورية

الجمعة 27 أغسطس 202101:04 م
للطائفة المرشدية عيد واحد، هو "عيد الفرح بالله"، في الخامس والعشرين من آب/ أغسطس. ولهذه المناسبة، أورد هذه المادة التاريخية التي جاءت في كتاب: "لمحات حول المرشدية" لنور المضيء.

ظهرت المرشدية كدين، لا كحزب سياسي، أو منظمة اجتماعية، وهي، كما عرّفها أئمتها، مظهر أخلاقي طاهر يمارس التبشير، من دون شيوخ أو كهنة، والغاية منه أن يستنير الفرد بدينه، ويكسب رحمة الله، ومنجاته. تعود أصول الطائفة المرشدية إلى العشيرة الغسانية، التي كانت تقيم في حلب، ثم هاجرت، نتيجة فتك الصليبيين، وغيرهم، بها، واستقروا في أعالي جبال الساحل، ثم في مناطق سورية متعددة. لم تكن تربطهم بغيرهم من العشائر علاقة دينية أبداً، وقد أُطلق على الطائفة اسم "الغيبية"، أي التي تؤمن بأن الله غيب، وكتابها في الدين هو القرآن.

جمع عشائر الغسانية شاب يدعى سلمان المرشد، وُلدَ عام 1907، لفلاح بسيط من قرية جوبة برغال. وفي عمر الـ16 عاماً، بدأ يروي الحقائق بصورة بديعة، وبشّر بقرب قيام وعد الله، فكان ينذر الناس ليتوبوا، ويرجعوا بقلوبهم إليه، فعَلا شأنه في القرى المجاورة، وأنسوا لوداعته، واتخذوه إماماً لهم. وخلال أشهر، التف حوله ثمانون ألف شخص من العشائر الغسانية، وسُمِّي هذا التوافد بـ"يوم الدخول"، وصار مناسبة سنوية في 12 تموز/ يوليو من كل عام.

تزامناَ مع الحركات السورية الداعية إلى الاستقلال عام 1923، علت صيحة سلمان في أبناء عشيرته، ليعودوا إلى الأخلاق الطاهرة، ويقفوا وقفة عز، مفتخرين بدينهم ومعتقدهم، رافضين الذل، ومطالبين بالمساواة مع أبناء المدن، والتحرر من الإقطاع. وكان لهذه الدعوة صدى حسن في بدايتها، لكن فرنسا شعرت بخطورتها، وحاربتها، كونها حركة مذهبية تحررية. فعمدت إلى مهاجمة من تحداها، وإلى سجن الوجهاء، وضربهم، وبدأت بالتحقيق مع سلمان، وتعذيبه، مذهولةً بالتفاف العشائر حوله، بهذه السرعة.

نشبت المعركة التي أوقفها سلمان باستسلامه، فاستولوا على بيته وأملاكه، وأسروا أبناءه وألفاً من رجاله. أصدرت الحكومة بسرعة قرار إعدامه وصدّق عليه رئيس الجمهورية شكري القوتلي

اندلعت الاضطرابات في اللاذقية في كانون الأول عام 1923، ودعا سلمان المرشد الفلاحين إلى حمل السلاح، لطرد المستعمر من سوريا، والامتناع عن دفع الضرائب. فسارعت فرنسا إلى اعتقاله، ومحاكمته، ونفته مع قادة الحركة إلى الرقة. وبعد عودته من المنفى بسنوات، ترشح إلى مجلس النواب، واستُقبل كقائد ثوري. وحاولت الكتلة الوطنية استمالته، بغرض انتخابها من قبل أتباعه، وحين فازت في الانتخابات، استأثر زعماؤها بمناصب الدولة، وأخلّت باتفاقياتها مع العشائر، فعدّ سلمان ذلك خيانة من قبلهم، وقامت العشائر واستولت على قرية إسطامو، في محافظة اللاذقية، التي يملكها أحد الإقطاعيين. أنهى سلمان الأمر من دون قتال، ومن ثم ساعد على استعادة الأراضي من الإقطاعيين، ولكنهم استعادوها بدورهم، بدعم من زعماء الكتلة التقليديين، والوزراء السابقين.

أقام سلمان فرقة ضمّت 300 رجل، وتعاون مع عشائر عديدة، ضد زعماء الكتلة الوطنية، وثاروا على احتكاراتهم، واستغلالهم. وبسبب شعبيته، وقوة رجاله، لم تجرؤ الكتلة على محاربته، فتعاونت مع فرنسا والإنكليز، وفرضوا عليه الإقامة الجبرية في دمشق، متجاهلين حصانته النيابية. واتجهت قوات من الجيش البريطاني، بمدافعها، إلى صلنفة التي تقع شرق مدينة اللاذقية، ليقضوا على الحركة، محاولين نشر الشائعات، بمساعدة المخبرين، وسماسرة شركة التبغ التي كانت تسيطر عليها بريطانيا، وتتحكم بها، فقدّموا، بمساعدة الجرائد، وشايات كاذبة عن أهالي القرى، وتورّطهم في قضايا مع الحكومة، وتمكنوا من احتلال قرية الجوبة، بناءً على طلب الحكومة، ولم ينسحبوا إلا بعد شهور، حين طلب سلمان ذلك من رئيس الجمهورية.

حين بدأ الثوار معاركهم ضد الفرنسيين والإنكليز، أعلن سلمان في أيار 1945 أنه على استعداد للقيام بما يتطلبه الوطن منه، ومن رجاله، كله. وبعد طرد الحلفاء، عمل على مساعدة الحكومة في إقناع الناس، والضباط، والجنود الذين كانوا في الجيش الفرنسي، للالتحاق بالجيش السوري الوطني، وهذا ما نجح فيه، دون سواه من الزعماء.

حين رأى رجال الحكومة في دمشق، واللاذقية، والعائلات الإقطاعية الغنية، مدى خطر سلمان المرشد على نفوذهم وممتلكاتهم، قرروا التخلص منه. وقد شجعتهم فرنسا وبريطانيا على إعدامه، لأنه الوحيد الذي يمكن لزعامته أن تتوسع، وتنمو. وعلى الرغم من عدم قدرة المحكمة مع فرنسا، على إثبات تهمة التآمر عليه، مع أنها دفعت أموالاً كثيرة للصحف، ولشهودٍ معروفين، كي يشهدوا ضده، إلا أن رئيس المحكمة تلقى أمراً من رئيس الجمهورية لإعدام سلمان بأية طريقة.

وبناء على ذلك، أرسلت الحكومة مصفحاتها بتاريخ 13/9/1946، ونشبت المعركة التي أوقفها سلمان باستسلامه، فاستولوا على بيته، وأملاكه، وأسروا أبناءه، وألفاً من رجاله. أصدرت الحكومة بسرعة قرار إعدامه، وصادق عليه رئيس الجمهورية شكري القوتلي، ولم يقبل الوساطات من سلطان باشا الأطرش، وصالح العلي، والمملكة السعودية الهاشمية، لإيقاف إعدامه، فنُفذت الجريمة في 16 كانون الأول/ ديسمبر سنة 1946، وحوكم المئات من الناس بالإعدام، والسجن المؤبد، ونُفيت عائلته كلها إلى الفرات.

بعد عودة العائلة من المنفى، بدأ مجيب بن سلمان دعوته عام 1951، وكان عمره 21 سنة، وذلك في ظروف مريرة، وقوبل بمعارضات كثيرة، إذ أُوقف بعد خمسة أشهر على الدعوة، وفُرضت عليه الإقامة الجبرية في دمشق، شهراً واحداً. أقام مجيب مجامع صلاة لديه، ليلاً، وكان يدعو الناس إلى معرفة الله، وقد أطلق اسم المرشديين على هذه الطائفة، بعد دعوته، وجاء هذا نتيجة المعرفة الجديدة السامية عن الله، وحكمته في الخلق، وصفاء النظرة إلى الخير والناس. وجاءت هذه المعرفة على هيئة أشعار، وأحاديث عن الأنبياء والصالحين، يلقيها بين المرشديين. ومن بعده، توسّع أخوه ساجي في شرحها، وأعلن أنه "لدينا عيد واحد هو عيد الفرح بالله، الموافق ليوم إعلان مجيب للدعوة"، والذي تم الاحتفال به في 25 آب/ أغسطس.

قُدمت الدعوة المرشدية على مدار عشرات السنين على أنها دعوة دينية مناقضة للأديان الأخرى ومختلفة عنها، ورُفضت أفكارها ومعتقداتها. في حين لم تُحسب كحركة ثورية لها وقعها وأهميتها

لُقّب سلمان مجيب بالطبيب، إذ عدّوه طبيب الروح قبل الجسد، يعالج العلل قبل وقوعها، كون الشعور منبعها. لكن دعوته لم تَرُق للمتنفذين، فدبروا أمر اغتياله في 27/11/1952، وكان مجيب قد تنبأ لأتباعه بتفاصيل اغتياله.

بدأت إمامة ساجي من سنة 1952، حتى 1963، وسميت هذه المرحلة بـ"فترة العذاب والمجابهة"، فسار بالدعوة يجابه العالم بالجهر والخير، ويبث القوة والعزم في رجاله. فيما بعد فُرضت عليه الإقامة الجبرية مراتٍ عديدة، وعاش متنقلاً بين دمشق، وبيروت، وحمص.

ثم بدأت حملة مرشتي عام 1956 على المرشديين، وقام الدرك بتعذيبهم، وأذيتهم. ولم تنتهِ الحملة حتى وافق ساجي على التعاون مع الأركان، ليتصل بالقوميين لأغراض سياسية وعسكرية. لكن الحملات لم تنتهِ، فقد تظاهر المرشديون في حمص حين حاولت الحكومة إزالة مقام الخضر، فعُدّ هذا تحدياً لحكومة السرّاج الذي حرّض جمال عبد الناصر للتخلص من ساجي، وإبعاد إخوته، مستغلاً أن عبد الناصر لم يكن يرضى بكلمة "لا" مطلقاً، ولا يتحمل شعبيةً إلا شعبيته، ولا يسمح بأي اجتماع إلا لتأييده. عُدّ ذلك كله تحدياً علنياً لعهد الوحدة، وسُجن ساجي مع إخوته، وبعض الرجال، ولكن أُطلق سراحهم حين تحرك المرشديون، ونشروا الذعر في المدينة، ضد المتنفذين.

بعد استلام حزب البعث الحكم- وكان داعماً للمرشديين بغالبيته- ألغى فكرة انتمائهم إلى جمعية سرية هدفها الأذية، ومنع اضطهادهم، وتسريحهم من الوظائف، ومنحهم الحق في الانتساب إلى دينهم علناً، ما أدى إلى تحسن أوضاعهم في الستينيات من القرن الماضي.

أكد ساجي للمرشديين، عبر تعاليمه، أن يسموا برغباتهم عن ملذات الدنيا، ويطلبوا الملذات الروحية العليا المرتبطة بالكون الروحاني، ووسع لهم شرحه عن فناء أجسادهم، وضآلتها أمام عظمة الكون، وعلمهم حقيقة الروح، وأن الأعمال بغاياتها وبشعورنا نحوها. وبعد قيام الحركة التصحيحية، استطاع ساجي زيارة المرشديين في اللاذقية، بعد انقطاع دام سنواتٍ طويلة، ثم استقر فيها عام 1972.

وقد برز في الطائفة دور النساء، منهن أم الفاتح زوجة سلمان، التي ظهر دورها أيام المعارك ضد الفرنسيين، وكثيراً ما كانوا يلجؤون إليها، في غياب سلمان، حتى شملتها مذكرات التوقيف، واضطر زوجها إلى قتلها قبل استسلامه، كما طلبت، كي لا تقع في يد الحكومة، وتضطر إلى الانتحار. وكثيراً ما صبرت النساء مع الرجال، وتحملن الاضطهاد، والفقر، وتربية الأولاد، لا سيما وأن كثيرين من الرجال كانوا يضطرون إلى الهروب من بيوتهم.

أما بالنسبة إلى الدين، فقد اضطروا في البدايات، نتيجة الاضطهاد، إلى "كتمان بعض المعتقدات، والصلاة، عن النساء، خوفاً من الأذى، ووصولها إلى أسماع الآخرين"، لكن ساجي أعاد المساواة بين المرأة والرجل في الدين والتعلم، وسمح للمرأة بارتداء ملابس الموضة، على أن تكون محتشمة وبلا مغالاة.

قُدمت الدعوة المرشدية على مدار عشرات السنين على أنها دعوة دينية مناقضة للأديان الأخرى ومختلفة عنها، ورُفضت أفكارها ومعتقداتها. في حين لم تُحسب كحركة ثورية لها وقعها وأهميتها في سنوات الاحتلال الفرنسي لسوريا، ساعيةً بقوة لإثبات نفسها بين الحركات الأخرى.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard