وكأن الحرية شبيهة بغزال برّي... صفحات من تاريخ أفغانستان المعاصر

الثلاثاء 31 أغسطس 202103:08 م

في 9 سبتمبر 2001، قبل يومين من هجمات نيويورك، اغتيل أحمد شاه مسعود، فاقتربت ملامح أسطورته من الاكتمال. مسعود استثناء من رموز الجهاد ضد السوفيات، أغلبهم عابس في الصور. تغيب الابتسامة، وتحضر عدّة الحرب. قادة الجهاد، الذين صاروا أمراء حرب أهلية بعد تحرير بلادهم، أرحم وأكثر اعتدالاً من قادة طالبان. يبدو هؤلاء وأولئك كائنات مُصمتة، لا إشارة إلى حياتهم، فتترسخ عنهم صورة ذهنية تقول إنهم منذورون لقتال أبدي. وفي صور مسعود يحضر الإنسان، المحب للحياة، زوجاً في بيته، مبتسماً، بجلباب من دون عمامة وسط أبنائه، وتدلّ مكتبته على ثقافته. وسنشهد يوماً طيّ صفحة طالبان في سجل دامٍ، ويستعاد مسعود وأمثاله.

كنت قد قررت طيّ صفحة أفغانستان، اكتفاءً بقراءة ما يكتبه العارفون بشعابها، وقد صارت هذه البلاد الوعرة نهباً لمتثاقفين يمطروننا بفتاوى سياسية. ولم أفكر في الكتابة عن مسعود وغيره، من رفاقه أو أعدائه الطالبانيين العائدين إلى الحكم في 15 أغسطس 2021. ولكن مقال الصديقة مريم حيدري "إنها قصة حبّ وحرب... أحمد شاه مسعود كما روته زوجته"، في رصيف 22 أغراني، وأعادني إلى كتاب "أحمد شاه مسعود وآزادي"، ويعني "أحمد شاه مسعود والحرية"، تأليف صالح محمد ريكستاني، الملحق العسكري الأفغاني السابق في طاجيكستان وروسيا. كان المؤلف قريباً من مسعود الذي حمل لقب "أسد بَنجشير". وبَنجشير هي مدينة مسعود، ومعناها "الأسود الخمسة".

مقال مريم يليق بمقام الشعر، ويدل على انحياز الشاعرة، بتقصّي جوانب روحية وعائلية داخل بيت مسعود، وقد استشهدت بما كتبه أحمد ولي مسعود عن أخيه "أسد بَنجشير"، أسد الأسود الخمسة، بأنه كان عاشقاً للكتب وللشعر الفارسي، ولا سيما حافظ الشيرازي، وجلال الدين الرومي، والشاعرة الإيرانية سيمين بِهبهاني. وكان مسعود يحب هذا المقطع الشعري: "حين يتناثر الغبار من قبري إلى الهواء/سأكون حياً من الحبِّ وقلبي يخفق".



فلأذهب إلى الوجه الآخر لمقاتل صار سياسياً، ثم عاد إلى مقاومة الإخوة الأعداء. وتثبتت تجربته صعوبة اجتماع السياسة والأخلاق. يبدو أن أيّاً منهما لا بدّ أن يخضع الآخر. هذا بعضٌ مما يقوله "أحمد شاه مسعود والحرية"، وقد ترجمته عن الفارسية الدكتورة عفاف السيد زيدان، وفي مقدمته تؤكد شغف مسعود (1953 ـ 2001) بالمعرفة، وأن مكتبته كانت تضم كتباً للكاتب المصري الدكتور محمد حسين هيكل، وأعمال المتصوفة: جلال الدين الرومي وسعدي الشيرازي وحافظ الشيرازي.

في المقدمة ترسم المترجمة جدارية للأفغان يلخصها قول مسعود: "فاجأنا الروس بخروجهم السريع من بلادنا بعد عشر سنوات"، وقول الشيخ يونس خالص وهو من أبرز المجاهدين: "لو أخذنا ثأرنا بعد مئة عام نكون قد أسرعنا"

كانت المترجمة عميدة لكلية الدراسات الإنسانية بجامعة بالأزهر، وتربطها بأفغانستان علاقات روحية وعلمية وثيقة، فهي أول باحثة عربية تذهب عام 1968، لدراسة الدكتوراه في الشعر الفارسي في كلية الآداب بجامعة كابول، في عهد آخر ملوك أفغانستان محمد ظاهر شاه (1933 ـ 1973). وقد وضعت للترجمة العربية عنوان "أسد الإسلام الظافر أحمد شاه مسعود"، وأضافت العنوان الفرعي "صفحات من تاريخ أفغانستان المعاصر".

وتناولت المترجمة في مقدمة زادت على 90 صفحة أهمية موقع أفغانستان، وشهرتها في العصرين الأموي والعباسي باسم "خُراسان"، وتاريخها المعاصر منذ استقلالها عن بريطانيا عام 1919، حتى الاجتياح السوفياتي في 29 ديسمبر 1979، إذ "أحضروا ببرك كارمل الذي كان سفيراً في تشيكوسلوفاكيا، وأجلسوه في منصب الرئاسة"، وفي اليوم التالي أعلنوا أنهم جاءوا تلبية لطلب من الحكومة الأفغانية، وسينسحبون حينما لا تحتاج إليهم أفغانستان.

في المقدمة ترسم المترجمة جدارية للأفغان يلخصها قول مسعود: "فاجأنا الروس بخروجهم السريع من بلادنا بعد عشر سنوات"، وقول الشيخ يونس خالص وهو من أبرز المجاهدين: "لو أخذنا ثأرنا بعد مئة عام نكون قد أسرعنا"، فالشعب يستأنس طبيعةً شديدة القسوة، بها مناطق موحشة، ويبلغ ارتفاع بعض سلاسل الجبال نحو 4900 متر، ويصف الجغرافيون أفغانستان "بأنها سطح الدنيا لشدة ارتفاعها"، وبعض المناطق تغطيها الثلوج طوال العام، ويمتد شتاؤها إلى تسعة أشهر، وتتراوح درجة الحرارة بين 50 مئوية و30 تحت الصفر، وتضرب الجبال سوراً حول البلاد. هكذا "لا يألف العيش فيها عدوٌّ أو غازٍ لأراضيها لأن الطبيعة تقسو عليه وتحنو على أبنائها".

ولم يكن مسعود يرى حاجة إلى شراء السلاح؛ "فالروس أنفسهم يحلّون لنا هذه المشكلة"، بسقوط أسلحتهم كغنائم، مئات من الدبابات والمدرعات والعربات وغيرها من الأسلحة. العدو الخارجي واضح، ومهما تكن أجهزته الاستخبارية فسوف تخفى عليه تفاصيل. وفي الحرب الأهلية تتساوى، أو تتقارب، معرفة أبناء البلد بالطبوغرافيا، ودرايتهم بسيكولوجيا الخصم. فكم تطول الحرب الأهلية الجديدة؟ وما حقيقة التحالفات السابقة للانسحاب الأمريكي الذي ترك الشعب يواجه مصيره الطالباني؟

ألف ريكستاني هذا الكتاب عام 2003، وأهداه إلى الأب أحمد شاه مسعود، وإلى الابن أحمد أحمد شاه مسعود، "راجياً أن يأخذ الابنُ مكان أبيه". وبعد عشرين سنة على اغتيال الأب، يقف "الابن مكان أبيه". وكما قاد مسعود الأب مقاومة السوفيات، وشكّل "تحالف الشمال" واختير قائداً للجبهة الإسلامية المتحدة لتحرير أفغانستان من حكم حركة طالبان بعد صعودها عام 1996، فقد تعهد مسعود الابن عبر قيادته حزب "جبهة المقاومة" بالتصدي لحكم طالبان؛ لدعم "قضية الحرية". ويقول المؤلف إن مسعود "كان يدرك أن الشعب هو البطل الحقيقي في الحرب لاسترداد وحفظ استقلال بلاده، وكان يقول: أي شعب هذا؟! إن الحرية تجري في عروقه".

كان المؤلف صديقاً لمسعود، ويسجل أن كل من عرفه أدرك، للوهلة الأولى، أمرين مهمين في شخصيته: "الآداب والحرية... وكأن الحرية شبيهة بغزال برّي احتضنه مسعود بصعوبة، وأي إهمال لهروب هذا الكائن الطاهر الجميل في صحراء مترامية كان يسبب له مشكلة". ويقسم مراحل حياة مسعود إلى ثلاث: فترة النضال والجهاد حتى إخراج السوفيات، وفترة الانتصار (1991 ـ 1996)، وفترة المقاومة (1996 ـ 2001). وقد كتب مسعود في مذكراته أن الروس سيخرجون، وسيبقى المجاهدون والشيوعيون، "وكلاهما أفغان". ولم ينتقم مسعود من الشيوعيين، إذ "قدم إلى كابول دون إراقة الدماء". وفي عام 1992 عُيّن مسعود وزيراً للدفاع، في حكومة الرئيس برهان الدين رباني.

كان المؤلف صديقاً لمسعود، ويسجل أن كل من عرفه أدرك، للوهلة الأولى، أمرين مهمين في شخصيته: "الآداب والحرية... وكأن الحرية شبيهة بغزال برّي احتضنه مسعود بصعوبة

في بدايات مرحلة الانتصار، طلبت الولايات المتحدة مساعدة الأفغان، بالانضمام إلى تحالف دولي قادته للحرب على العراق عام 1991، وتم رفض الطلب. ولكن صبغة الله مجددي رئيس الحكومة المؤقتة آنذاك أرسل قوة محدودة، للحفاظ على الأماكن المقدسة. ويتساءل المؤلف: "ولا أعلم ممن كانت تتعرض الأماكن المقدسة للخطر؟".

وبسرعة نشب النزاع على الحكم بين أمراء الجهاد، وكان ذلك أحد أسباب ظهور حركة طالبان. شقت الحركة طريقها برعاية باكستانية وسعودية، ورفعت شعار "الصلح والشرعية"، ثم أعلنت "الجهاد ضد العالم أجمع". بدأ نشاط الملا محمد عمر، في ربيع 1994، باستيلائه مع ثلاثين رجلاً على أسلحة أحد المقرات، وأخضعوا تلك المنطقة، وازداد نفوذه الحركة، فأصبحت ضمن المعادلة، وبسرعة سيطرت على جنوبي أفغانستان وغربها، ووصلت إلى أبواب العاصمة. ومن أجل الصلح، ذهب مسعود إلى معسكر قادة طالبان، فاحتجزوا سكرتيره، واعتبروا مسعود قد وقع في شباكهم. وفي البداية سألهم: ماذا يريدون؟ فطلبوا أربعة أشياء: حكومة إسلامية، وتطبيق الشريعة، وتسليم الأسلحة، وإمارة الملا عمر.

ردّ مسعود: "الحكومة الإسلامية موجودة الآن، ونحن نؤيد تطبيق الشريعة ولكننا نخالف التفسيرات الشخصية لها. كما نؤيد أيضاً جمع الأسلحة، ولكن الحكومة التي تجمع الأسلحة تكون حكومة منتخبة من الشعب، ولا أقبل أن يكون أمير المؤمنين شخصاً لا أعرفه".

يسجل المؤلف أنهم كانوا يبتعدون عن مسعود للتشاور، ولم يكونوا يتشاورون في ردوده، وإنما "يتشاورون للقبض عليه"، كما فعلوا مع آية الله مزاري، زعيم حزب "الوحدة الإسلامية"، فبعد القبض عليه "قتلوه شرّ قتلة". وأرادوا قتل مسعود، فيسهل عليهم دخول العاصمة، ولم يؤيدهم ملا رباني معاون الملا عمر. وفي وقت لاحق قال رباني إن قتل مسعود "تم على إثر مؤامرة بواسطة طالبان".

دخلت طالبان الساحة باسم الصلح. تقدمت الحركة إلى العاصمة بالأعلام البيضاء، وسرعان ما جمعوا باسم الجهاد "الجبناء من أقاصي العالم وأدخلوهم إلى البلاد... وبدأ القتل وسفك الدماء". وبسقوط كابول في يد طالبان، تجنب مسعود الاشتباك داخل العاصمة، ورجع إلى قاعدته في شمالي البلاد، "إلى أن تركه الجميع وحيداً".

مات مسعود مثل بطل تراجيدي تذهب به المقادير إلى نهاية محتومة مهما تكن المناصب التي تذهب إليه في الطريق؛ ففي 9 سبتمبر 2001 قتل "بيد عربيين من المغرب... ولم يعلن شخص أو هيئة مسؤوليته عن الحادث".

كانا المغربيان يحملان الجنسية البلجيكية. وتسجل المترجمة في مقدمة الكتاب أنهما مكثا خمسة عشر يوماً، في مدينة خواجه بهاء الدين، ينتظران إجراء مقابلة صحفية مع مسعود الذي جلس في مؤتمر صحفي وأمامه الصحافي، في حين قام زميله المصور بتثبيت الكاميرا في المواجهة. دوّى الانفجار، وأصيب مسعود إصابات بالغة، وتوفي قبل نقله إلى المستشفى. وقُتل الصحافي وتمزقت أشلاؤه وتناثرت. "أما المصور فقد نجا... ولكن أطلق عليه الرصاص فمات في الحال". كانت إصابته طفيفة، ومن الممكن أن يقود إنقاذه إلى أمور تفكّ هذا اللغز الكبير لجريمة لم تكشف تفاصيلها إلى اليوم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard