محاكم الله على الأرض... زيارة لمقامات دينية تُكشف فيها الخطيئة

الخميس 26 أغسطس 202105:53 م
ليس بعيداً عن بيتنا الكائن في قرية ربعو، التابعة لمنطقة مصياف، في محافظة حماة السورية، يقع واحد من أهم مقامات الطائفة النصيرية العلوية. والمقامات تُعرف، بلغة أهل المنطقة، بـ"الزيارات"، وهي أمكنة تحوي قبور مشايخ الطائفة، وأوليائها، ويزورها الناس للتبرك، والتقرب منهم، إذ يسود الاعتقاد لديهم بأن لهؤلاء مكانة خاصة عند الله، وأنهم تجاوزوا البشر، بفضل معرفتهم الصادقة، وإيمانهم الذي صعدوا به الدرجات السماوية. لكن أثرهم لا يزال قائماً على الأرض، حسب "الفقه العلوي". هناك من لا يصدق، من أبناء الطائفة نفسها، القـدرات السحرية للمقام، في كشف صدق الشخص، معتبرين أنها تندرج في إطار "الخزعبلات".

إن أهمية المقام-الزيارة، الذي يُعدّ معلماً دينياً وسياحياً لسائر الطوائف والأديان، إذ يوجد فيها إنجيل للمتخاصمين من المسيحيين، تكمن في وجود "الطاقة"، أو الكوّة، في أحد جدرانه، والتي يعتقد المؤمنون بإيوائها لـ"سر" الولي يوسف ربعو، المتوفى سنة 450 هجرية، والملقب بـ"الشيخ أبو طاقة". هو يوسف بن عفيف الدين، ويقال عنه إنه من آل جعفر بن أبي طالب. تنظر الطائفة العلوية إلى "مقام أبو طاقة"، على أنه دستور خاص للعدل، وفض النزاعات، والوصول إلى الحقيقة، حسب زعمهم.

تنظر الطائفة العلوية إلى "مقام أبو طاقة" على أنه دستور خاص للعدل، وفض النزاعات، والوصول إلى الحقيقة، حسب زعمهم

الكتابة عن المقام ليست أمراً جديداً، إلا أن معظم ما كُتب، لا يتعدى التقارير الصحافية الدعائية التي حاولت التندر، أو توجيه السخرية المبطنة، من دون سبر عمق طبيعة الإيمان بهذه المعتقدات التي تقع في إطار العجائبية، والخوارق التي تتناقض مع العقل، أو تلك التي تحاول التفاخر الطائفي الأجوف الذي يهدف لإثبات الحجة، وإقامة الدليل القاطع على حقيقة حصرية ومطلقة، تتمتع بها النصيرية، "كفرقة ناجية"، دوناً عن بقية الفرق والطوائف الإسلامية الأخرى.

لعبة العدالة المقدسة

تُستخدم "الطاقة"، لفض النزاعات والخصومات بين الناس، والتي تحصل لأسباب منها السرقة، والزنا، وغيرها... وذلك عبر تمرير المدعى عليه عبر الطاقة التي يبلغ قطرها 32 سنتيمتراً طولاً، و23 سنتيمتراً عرضاً. يدور الحديث عن كوّة ضيقة، ومن الطبيعي أن يمر عبرها الأشخاص النحيفون، ولا يستطيع البُدُن فعل ذلك. ثم يطلب إليه "خادم الزيارة"، أن يتطهر، ويحلف اليمين المغلظ على القرآن بأنه لم يأتِ بالفعل المتهَم به. بعد ذلك، يدخل الطاقة مادّاً يديه، ومقحماً رأسه، سانداً قدمه اليمنى على عتبة بجوار الطاقة داخل المقام، محاولاً عبورها، لتوكيد براءته من التهمة، فإذا احتُجز داخلها عُدّ مذنباً.

يرافق الطقس، لدى غالبية الأشخاص الذين يتقدمون إلى الطاقة، سواء أكانوا مذنبين أم أبرياء، نوبات من الفزع، والخوف، والبكاء الهستيري، ومناداة الولي لإنقاذهم. يرافقهم كذلك إحساس بالدونية، والاضطهاد، لوقوعهم في الشبهة، وبالعار، والخطيئة الاجتماعية التي لا يمكن أن تُمحى بسهولة، سيما وأن كاميرات الهواتف في أيدي المشاهدين، تؤرشف لحظة حدوث "المعجزة" التي تثير الشفقة والحزن، أكثر مما تثير الدهشة.

إذاً، ثمة عامل نفسي متجسد في الرعب من المكاشفة، أمام الذات الخطّاءة، أو الضمير الواعي الذي أُتخم بالتأثيرات الدينية المرتبطة بالسحر، والشعوذة، حول الحلال والحرام، والمسموح والممنوع، والازدراء الاجتماعي، فـ"المعلول يشبه علته"، كما يقول جيمس فريزر.

ما وراء الطقس

أصبح الطقس الديني الممارَس في المقام، عُرفاً، وتقليداً، وعادة اجتماعية، أكثر من كونه قوة سماوية يلعب فيها الله دور المنقذ، عبر وليّه الصالح النائم في قبره. فالأسطورة، أو الحكاية الأكثر تداولاً على ألسنة الناس، هي أنه تم تشييد مزار الشيخ يوسف ربعو بناءً على رؤيا جاءت لأحد زعماء الطائفة الإسماعيلية من عائلة علي الأيوبي في مصياف. كان الأيوبي يعـاني من مرض شـديد، فأتاه الشيخ يوسف ربعو في المنام، وقال له: "شيّد فوق مقامي قبّة، تبرأ من دائك"، حسب اعتقادهم.

وتسلم على إثر ذلك إسماعيليو مصياف خدمته، قبل أن يشب النزاع مع النصيرية، ليتسلم شؤون الإشراف على المقام شخص يدعى الشيخ منصور الذي تحدثتُ إلى حفيده المشرف حالياً على المقام، منذ عام 1987، خلفاً لوالده. ويؤكد الحفيد أن الطاقة، أو الكوّة، أول ما أنشئ في المقام، ووُجدت كي ينفذ ضوء الشمس إلى داخله، ثم تحولت في ما بعد إلى جهاز لكشف الكذب.

تُعدّ محكمةً يقصدها الناس للقضاء بينهم، فإذا شكوا من أن أحدهم "ابن حرام"، عرضوه على الطاقة، وفي حال تمكن من عبورها تتم تبرئته، وإذا لم يستطع تثبت التهمة عليه

الطاقة في الجغرافيا والتاريخ

هذا النوع من المحاكمة الغيبية، ليس خاصاً بالنصيرية. ففي نوشهر التركية، مزار "أبو طاقة البكتاشي"، وهو على هيئة غار كان يتعبد فيه شخص يدعى حلج بكتاش، مدة 40 يوماً. وفي أحد الأيام، وبينما كان يدعو الله قائلاً: "يا حق"، تحطمت الصخور، وانبثقت طاقة صغيرة، كما تقول الأسطورة المتداولة هناك.

لكن هذه الطاقة، وفقاً للعقيدة العلوية البكتاشية الأناضولية، لا يتم استخدامها لفض النزاعات، أو للكشف عن الكذب، بقدر ما تمثل "الباب الضيق"، ونعني بذلك، باب مجاهدة النفس؛ وهو الجهاد الأعظم للروح. فالشخص الذي لا يمكنه العبور، عليه أن ينذر شيئاً يحبه، للفقراء، ويجاهد نفسه كي يلج الطاقة، مهما كان حجمه ووزنه. ويدللون على دورها من خلال الآية القرآنية: "لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط" (الأعراف 40).

هناك أيضاً "طاقة أبو الحر"، الواقعة في قرية عيون، المحاذية لمنطقة صلخد في محافظة السويداء السورية، ذات الأغلبية الدرزية. الطاقة على شاكلة مستطيل أشبه بنافذة صغيرة، ارتفاعها 38 سنتيمتراً وعرضها 22 سنتيمتراً. وتُعدّ محكمة يقصدها الناس للقضاء بينهم، فإذا شكوا من أن أحدهم "ابن حرام"، عرضوه على الطاقة، وفي حال تمكن من عبورها، تتم تبرئته، وإذا لم يستطع، تثبت التهمة عليه.

الخرافة دين الجميع

تقول الباحثة إيمان النمر: "في المجتمعات التي يحكم الدين بنيتها الثقافية؛ الدين بمفهومه المطلق الراديكالي، يصبح الآخر، المغاير دينياً أو مذهبياً، موضوعاً قابلاً للتأويل، والتقييم، وتضارب المشاعر، وتالياً لبلورة قناعات مغلوطة تصير خرافة، من أجل تفسير هذا الاختلاف، أو إدانته، ومن ثم تبرير ممارسة نبذه، وإقصاء الآخر". ولا يصبح هذا النوع من الممارسات، التي تُعد أقرب إلى اللا معقولية، والتطير الطقوسي، حكراً على النصيرية، أو أي مجموعة دينية في حد ذاتها، فكثيراً ما نسمع عن تمثال العذراء الذي يرشح ماءً، أو ينز دماً، والعطر الذي انتشر في هواء مدينة حمص، بعد ترميم قبر خالد بن الوليد، وكذلك بساط الدم الذي سال في دمشق، بعد فتح جزء من قبر يوحنا المعمدان، أو النبي يحيى عند المسلمين، حتى وصل إلى باب شرقي، قبل أن يستجيب الله لصلوات القساوسة، ويعود بساط الدم مجدداً إلى القبر، لئلا تغرق المدينة بالدماء.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard