إلى جوى (3)... عن وقاحة أصحاب السلطة

الثلاثاء 31 أغسطس 202101:32 م

العزيزة جوى،

أكتب لكِ من أرض الفقوس والخيار، من بلد السرقة في وضح النهار، أكتب لك من على عتبة الانهيار، ولأول مرة سأكتب وأثقّل العيار.

في البداية طمئنيني، هل شمس هولندا أحنّ عليكم من شمسنا؟ لأن الشمس التي لدينا وقحةٌ جداً.

في الحقيقة، الوقاحة ليست صفة موجودة فقط في شمسنا، الوقاحة موجودة في كل شيء له قوة وسلطة علينا في هذه البلاد.

حتى أن بائع العصير الوحيد الذي في شارعنا قد يثقب المصاصات البلاستيكية ليعذّبنا ويذلّنا في عملية الشفط، لمجرد اعتقاده بأن لديه سلطةً علينا كونه بائع العصير الوحيد في الشارع.

في الأمس، كنتُ مع جماهير أحد الفرق الرياضية، وهذه الجماهير كانت تردد العديد من الصيحات الحماسية وبعض هذه الصيحات كانت تحتوي على الكثير من الكلمات النابية.

ومع أنني في العادة شخصٌ متزن ومنضبط اللسان، لم أستطع ضبط نفسي، وفجأةً وجدتُني أردد معهم هذه الصيحات بحماس شديد.

غريبة هي قوة الجماهير يا جوى، كيف تجعل الشخص ينسى نفسه ويكسر حواجزه ويندفع معهم.

ولكن للأسف الشديد الحماس والإصرار يختفيان تماماً عندما نرى جمهوراً أو فئة ما تصرخ من جوعها وتنادي على لقمة أكلها.

مع أول صرخة لهم، ترانا نبلع لساننا ونهرول إلى منازلنا.

لهذا الشعور أيضاً تصنيفٌ واضحٌ وصريح صنّفته شعوب المنطقة العربية تحت اسم "رهاب أصحاب السلطة".

ولكن ماذا سنفعل؟ فهذه هي حكمة ربّك يا جوى.

والحمد لله، التعليم ليس مجانياً.

هو في الحقيقة مجاني، ولكنه باهظ الثمن.

كل مَن لديه سلطة ما في هذه البلاد يا جوى نخافه ونهابه، يذلّنا ويحتقرنا ويأخذ عمرنا ويضيع مستقبلنا فنقول له طوع أمرك مولاي.

"وماذا نحن فاعلون؟ لا شيء يا جوى، لا شيء، فرهاب أصحاب السلطة مزروع داخلنا قبل أن نولد، رضعناه من أثداء أمهاتنا، حتى أمهاتنا لم تلدنا أحراراً يا جوى"

أستاذة جامعية حصلت على بعثة خارجية، مقابل ليتر ويسكي هدية لأحد "الرفاق"، وسهرة مع ابنه في أحد مقاصف المالكية، فعادت إلينا بالدكتوراه من روسيا الاتحادية، تتحكم بنا وتذلّنا وتوقف تخرج آلاف الطلاب بسبب مادتها غير الاختصاصية، وتنعتنا بأقذر الألقاب، ونسبة النجاح في مادتها تقارب الصفر ولا حسيب ولا رقيب.

قد تحضر نفس الأسئلة منسوخةً عن السنة الماضية وتغيّر سلّم التصحيح، وكأن العلم ملكٌ لأبيها! فيرسب جميع الطلاب مجدداً.

وماذا نحن فاعلون؟ لا شيء. نعيد تقديم المادة في السنة القادمة فهذا هو قدرنا يا جوى.

نحن الشعوب الأولى في تسليم أمرها للقدر.

سائق سيارة أجرة، أخفى الضوء والنمرة، وسيارته تمشي على القدرة، يرتكب أشنع المخالفات، يتحرش بجميع البنات، يدفع المعلوم ويذهب ليعيد الكرّة.

يستغلنا بأبشع الطرق، يبتزنا ويسلب أموالنا يومياً، يأخذ أضعاف الأجرة، وفي حال أبدينا امتعاضنا ينزلنا في منتصف الطريق ويعود ليملأ سيارته بركّاب جدد، حتى أنه لا يعيد لنا ما دفعناه، فهو صاحب سلطةٍ علينا ويحق له سرقتنا.

ومع أن المحافِظ حدّد الأجرة بسعر أقل من الشائع بكثير، ولكن بالطبع لا أحد بيننا يستطيع ركوب المحافِظ، فنضطر لركوب سيارات الأجرة والتعرض للابتزاز مجدداً.

"غريبة هي قوة الجماهير يا جوى، كيف تجعل الشخص ينسى نفسه ويكسر حواجزه ويندفع معهم"

وماذا نحن فاعلون؟ لا شيء يا جوى، لا شيء، فرهاب أصحاب السلطة مزروع داخلنا قبل أن نولد، رضعناه من أثداء أمهاتنا، حتى أمهاتنا لم تلدنا أحراراً يا جوى.

عزيزتي جوى، هذه آخر رسائلي إليك، فأنا متأكد من أنهم سيأخذونني بعدها إلى خلف الشمس الوقحة.

قد يكسرون يدي التي أكتب بها، ولكن لا يهمني الأمر بعد الآن، فاليد التي لا تتجرأ على الارتفاع في وجه الباطل لا أريدها.

قد يقطعون لساني يا جوى، لكن اللسان الذي لا ينطق بالحق لا حاجة لي به.

وقد يقتلونني، لكنهم لا يعلمون أن ما هو ميت لن يموت أبداً.

الوداع يا جوى...

إلى أن نلتقي يوماً ما في هولندا رغماً عن أنف هذا القدر الأحمق، لأحتضنك بذراعيّ المكسورتين، وقد أحتضنك يوماً أو سنتين إلى أن تزول جراحي تماماً.

وأروي لك بلساني المقطوع مأساتي التي عشتها في غيابك.

وتقبلينني على جبهتي فتحييني مجدداً.

الوداع...

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard