جنوب ليبيا المنسيّ... عادات اندثرت

الاثنين 23 أغسطس 202104:52 م

"حقيقةً، لن أستطيع مدّك بمعلومات كافية الآن، نظراً إلى عدم اطلاعي على ما أشار إليه سؤالك، وأيضاً سيكون من الصعب ربطك بأشخاص من الطوارق، لأنّ حاجز اللغة سيشكّل عائقاً أمامك في الحصول على المعلومات".

هكذا أجاب السيّد جعفر الأنصاري، أحد الناشطين الطوارق، حين سؤالي إياه عن عادات الطوارق الليبيين، في فصل الصيف. تلك القبائل المجهولة التي يحمل أفرادها تاريخاً وثقافة ظلّا مهمّشين سنواتٍ، وما زال الوصول إلى بعض المعلومات عنها مستحيلاً. في رحلة البحث عن عادات الصيف، لأهالي المنطقة الجنوبية في ليبيا، كان السؤال المطروح يأتي برد فعل مستغرب، وفي بعض الأحيان كانت الإجابة أنّها عادات تُركت، ولم يعد لإحيائها معنى، أو أنّ الأوضاع الاقتصادية والسياسية قد ألقت بظلالها عليها، فجعلتها رفاهية زائدة. ومع انخفاض التركيز على حفظ تاريخ هذه العادات، وإرث الجنوب الثقافي، وإهمال الوصول إلى مناطقه، التي تُعد وعرةً، وزاخرة، ازدادت الفجوة بين الثقافات الليبية، حتى أصبحت منسيّة، فلا صوراً توثّق الزخم الثقافي، ولا كتاباتٍ، أو دراسات، تحفظ تاريخية المناطق الجنوبية المنسيّة.

"سفرة صيف"... هكذا يحيي أهل هون صيفهم

تُعد هون من مدن الجنوب التي تحمل طابعاً تراثياً مميزاً، يجعلها متفرّدة في ملامحها، كما يُعد أهلها من أكثر أهل الجنوب كرماً وانفتاحاً، وفي السياق ذاته، أكثرهم فخراً وحفاظاً على هويتهم، فلم تمنع ملامح التمدّن أهل هون من ترك عاداتهم التي لطالما وجدوها تعبّر عنهم، على مر الأجيال.

"سفرة صيف"، هي إحدى العادات المتوارثة من قدماء مدينة هون، والتي ما زالت بعض الأسر فيها تحييها، حفاظاً على إرثها الثقافي. "سفرة صيف" هي مائدة تجهَّز خصيصاً في فصل الصيف، وفي أثناء فترة جمع الحصاد من عائدات التجميع ذاته، إذ يقوم صاحب المزرعة بتقديمها للعاملين لديه، عرفاناً منه، وتقديراً، بعد أن يقوم بتجهيز ذبيحة، خصيصاً لهم، تقديراً لمجهودهم الذي بذلوه في جمع الحصاد.

في رحلة البحث عن عادات الصيف، لأهالي المنطقة الجنوبية في ليبيا، كان السؤال المطروح يأتي برد فعل مستغرب، وفي بعض الأحيان كانت الإجابة أنّها عادات تُركت، ولم يعد لإحيائها معنى، أو أنّ الأوضاع الاقتصادية والسياسية قد ألقت بظلالها عليها، فجعلتها رفاهية زائدة

مكونات "سفرة صيف" تحاكي روح الطبيعة، إذ تتكون من: آتلي، وهي عبارة عن نبات بذرة الكتان مطحونة، ثم ممزوجةً بمستخلص رب التمر الطبيعي، أو العسل، بالإضافة إلى السمن، ومرق اللحم الخفيف. كما تحتوي السفرة أيضاً على التافريتا، وهي حساء نبات الرجلة، وما تسمّى محليا بـ"بليبشة"، كما يضاف إلى المائدة حساء اللوبياء مع القرع، أو "طبيخة لوبيا بالقرعة" باللهجة الهونية، وخبز التنور الشهير، وصحن السلطة اللذان لهما مكان مميز على مائدة "سفرة صيف".

في حديث لرصيف22، قالت ميسون السنوسي حبيب، ابنة الشاعر الراحل السنوسي حبيب، إنّها حريصة، وأسرتها، على إحياء هذا الطقس المميز، مطلع كل صيف، كنوع من الاحتفاء بوالدها الذي كان متعلقاً بكل ما هو من تاريخ هون التقليدي.

التبُـو... رحّل ليبيا المنسيون

التبُو إحدى قبائل ليبيا المميزة التي تستوطن الخط الجنوبي في مدن القطرون، ومرزق، والكفرة، وربيانة، ومسكودة، وتيجرهي، وغيرها، وهم في الأصل مجموعة من القبائل الرحّل التي تهوى الترحال، وتعتمد على الرعي، وسيلة تعايش واستدامة، وعانوا سنواتٍ من إسقاط حقوق المواطنة عنهم، ومعاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية، الأمر الذي دفعهم للانغلاق على أنفسهم، خوفاً من الاضطهاد. ومن المعلومات المجهولة عن التبُو، جرّاء هذا الانغلاق، أن للسنة عندهم فصلين، هما الشتاء والصيف، وتتنوّع الأزياء المخصصة لكل فصل، ونوعيات الطعام المميز التي تُقدّم خلالهما.

الإبر يعدّ من الحلويات التباوية النادرة التي يتم صنعها بدقّة متناهية، في فصل الصيف، وتجهَّز عادة من أجل الأعراس والأعياد، ويُعدّ تقديمها في الأيام العادية، من قِبل الأسر التباوية للضيوف، دليلاً على الكرم الشديد، وتقديراً كبيراً لهم

ويقول إمراجع توكا، الناشط التباوي، في حديثه لرصيف22 عن إبُر (Abur)، حلوى الصيف التباوية: "إبُر هي من الحلويات التباوية الصيفية التي تُصنّع من التمر، وبذور الحنظل، في عملية معقّدة، من غلي البذور في الماء المملح أياماً عدة، حتى يتمّ التخلّص من سمّيتها، ثم تحميصها بالرماد الساخن بدلاً من الفحم، لمنع احتراقها، وللتأكد من انتزاع سمّيتها بالشكل الكامل، ثم تنطلق عملية فرش الحبوب، لفصلها، بعد أن يتحوّل لونها إلى الأبيض، فيما يُحضَّر التمر في الوقت ذاته، بغسله، وتجفيفه، وتقطيعه، لتطحن المكونات بعد ذلك في المهراس الخشبي، وتصنع مزيجاً معسولاً متماسكاً، يتم حفظه في حافظات خاصّة".

الإبر يعدّ من الحلويات التباوية النادرة التي يتم صنعها بدقّة متناهية، في فصل الصيف، وتجهَّز عادة من أجل الأعراس والأعياد، ويُعدّ تقديمها في الأيام العادية، من قِبل الأسر التباوية للضيوف، دليلاً على الكرم الشديد، وتقديراً كبيراً لهم.

على الرغم من الامتداد الجغرافي للرقعة المساحية لليبيا، والتي يراها العالم ميزة تضاف إلى هذا البلد، إلا أنّ الأمر في الواقع نقطة سلبية، إذ انعدمت جسور التواصل بين الثقافات الليبية المتنوّعة، حتى تقوقعت كل فئة منهم على نفسها، وصممت جداراً يعزلها عن بقيّة شركائها في الأرض

مهرجان الخيل والـ"باصـور"... فعاليات قبائل سبها الصيفية

المقارحة جزء من التشكيل الديموغرافي الليبي، ويستقر جزء من أفرادها في مدينة سبها، عاصمة الجنوب الليبي الواقعة في جنوب غرب العاصمة طرابلس، على مسافة 750 كيلومتراً. ويقيم المقارحة بعض الطقوس التي تميّزهم عن غيرهم، في فصل الصيف، خصوصاً في ما يخص احتفالات الزواج. إيناس سيف النصر، إحدى بنات قبيلة المقارحة، تحدّثت لرصيف22 قائلةً: "في العرس المقارحي، نقوم بإرسال العروس إلى بيت زوجها، في يوم نسميه يوم الباصور، وهو عبارة عن موكب يُسيَّر إلى بيت الزوج، تكون فيه العروس على متن جمل مزيّن بقماش معين يرمز إلى ثقافتنا المحليّة، ويغطيها بالكامل، ويقودها أهلها وأقاربها حتى يصلوا بها إلى بيت زوجها".

يُعدّ الباصور نشاطاً تقليدياً لم تعد الأسر المقارحية تقوم به جميعها، نظراً إلى العوائق الاقتصادية، وطبيعة العلاقات الاجتماعية التي لم تعد بالهيكيلية القديمة ذاتها.

مهرجان الخيل السنوي نشاط صيفي آخر يقام في أواخر شهر آب/ أغسطس، ويستمر حتى مطلع أيلول/ سبتمبر، من كل عام، وتشتهر به مدينة سبها، وقبائلها، ويشمل كذلك عدداً من المُدن المجاورة، مثل براك الشاطئ، ووادي عتبة، ومرزق، والجفرة، ويشتمل المهرجان على سباق الخيل، واستعراض اللباس الشعبي للمشاركين، وإلقاء القصائد الشعرية التي تتغنّى بالفروسية، وهي قصائد تراثية تناقلتها الأجيال على مر السنوات، خصوصاً وأنّ الخيل، في الموروث الشعبي الليبي، تحتل مكانة عالية، ومنزلة عظيمة.

في السنوات الأخيرة، ونظراً إلى الأحداث المسلحة في المنطقة، وخصوصاً داخل مدينة سبها، تأثر نشاط مهرجان الخيل، وتم تأجيله في بعض السنوات، إلى فصل الخريف، لتجنّب الضرر الذي من الممكن أن يطال المشاركين.

جنوب ليبيا المنسيّ

على الرغم من الامتداد الجغرافي للرقعة المساحية لليبيا، والتي يراها العالم ميزة تضاف إلى هذا البلد، إلا أنّ الأمر في الواقع نقطة سلبية، إذ انعدمت جسور التواصل بين الثقافات الليبية المتنوّعة، حتى تقوقعت كل فئة منهم على نفسها، وصممت جداراً يعزلها عن بقيّة شركائها في الأرض. توالت الحكومات والمؤسسات، وتدافع التيار المدني، بحجج حماية الموروث الثقافي، ولكنّ هيهات تُحطّم الجدران.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard