أربعة مشاهد في مديح الركام

الجمعة 20 أغسطس 202111:32 ص

ماذا يمكن أن تكتب بعد كل ما يجري؟ عما ستكتب؟ ماذا تضيف؟ من تخاطب؟ ماذا تمثّل؟ ومن تمثّل؟ وعلى من تؤثّر؟ إلى من تتوجه؟ ماهي خطتك؟ ألست خائفاً؟هذه الأسئلة تهاجمني، كلما حاولت كتابة مقال جديد. أكررها مرتين بصوت مرتفع، ثم أغلق اللابتوب، وأذهب لأمارس عملي الروتيني اليومي المعتاد المقسم إلى 12 ساعة عمل، من أصل 24 ساعة، يتمتع بها أي بشري على هذه الأرض. ستقول: هي حجج فحسب، حتى لا تكتب. للأمانة، معك حق. لا طاقة لي كي أكتب، أو حتى كي أعيش أنا والسوريون كلهم، في هذا النفق. سأحدثك عن أربعة مشاهد أصبحنا نعيشها يومياً، ولا ندري متى سيتكرّم المخرج علينا، ويقول:" cut"، منهياً مشاهد الكومبارس، أخيراً، من فيلمه المقيت.

الانتظار الطويل على باب فرن وشتائم البائع المقدس

إنها الرابعة فجراً. أستيقظ على صوت المنبّه. الكهرباء مقطوعة كما هي العادة في مثل هذا التوقيت. أغسل وجهي بسرعة. أحمل ولاعة تحمل ضوءاً. ألقي نظرة أخيرة على زوجتي وأطفالي، ثم أخرج. الطريق قاتم، ووحيد، وصامت. بعض الأضواء هنا وهناك توحي بأن ثمة من استفاق الآن، وبدأ نهاره. كلما اقتربت، كلما علت الأصوات أكثر. أناس خارج التوقيت تماماً، تراهم يتحدثون في كل شيء: السياسة، والاقتصاد، والدين، والأحوال المعيشية، وانقطاع الكهرباء والماء المتزايدَين، وأصحاب المعالي والسمو، وتجار الحرب. وإذا توخينا الدقة: عرصات الحرب. يتحدثون في كل شيء، كل شيء تماماً، إلا سبب استيقاظهم في هذا الوقت، وانتظارهم ساعتين، أو ثلاث ساعات، كي يحصلوا على الخبز. تكاد تجزم، وأنت تنظر إليهم، أن الموضوعين منفصلان تماماً. لا يوجد أهم من السوري في لعبة الاختباء. هو أهم من اختبأ خلف إصبعه، على مر العصور.

سأحدثك عن أربعة مشاهد أصبحنا نعيشها يومياً، ولا ندري متى سيتكرّم المخرج علينا، ويقول:" cut"، منهياً مشاهد الكومبارس، أخيراً، من فيلمه المقيت 

أصبحت الساعة السادسة صباحاً الآن. فجأة يصمت الجميع. يصمتون ويباعدون صفوفهم بإجلال، واحترام، وبقناعة نبي مهزوم. ها قد أتى صاحب الفرن جل جلاله. نظرته، ومشيته، وحنوه على الصغار، واحترامه للكبار، توحي بكمال بليد؛ كمال مصطنع ليس فيه للفطرة دور. لحظات فحسب، ويثبت صحة التخمين، وتخرج من كوة الفرن مفردة وحيدة فقط من دون سابق إنذار... مفردة وحيدة: "طز".

للوهلة الأولى تظنه فيلسوفاً، ولاحقاً تعلم أنه ليس أكثر من متحكم صغير بلقمة أيامنا، وما فوقه كان أعظم. تصل إلى الكوة عند الثامنة، فتأخذ خبزك، وتعود راكضاً حتى تبدل ثيابك، وتمارس انتظاراً جديداً يختلف عن الأول بالتوقيت، ويشابهه باستنزاف ما يوحي به الصباح كله.

صحراء الربع الخالي: لا جِمال ولا جمّالين... إسفلت فحسب

انها الثامنة والربع. تقف في انتظار وسيلة نقل توصلك إلى مكان عملك الذي يبدأ في تمام الثامنة والنصف. أي وسيلة نقل تفي بالغرض، بعد ندرة "السرافيس" المتزايدة يوماً بعد يوم، والسبب معلوم، ومكرور، ومكروه، ومقيت. في الانتظار، يمر بك من كنت موجوداً معهم كلهم، قبل أربع ساعات أمام الفرن. تلقون تحية الصباح على بعضكم، وكأنكم تلتقون للمرة الأولى اليوم، وكأن ساعات الفرن كانت في الحلم فحسب. يمرون بك، لأنهم يعتقدون أن الانتظار في مكان أقرب، يمكن أن يتيح لهم مقعداً فارغاً في سرفيس قرر صاحبه أن يكون نجم الصباح، بنظرات الامتنان، وعبارات التبريك التي يلقيها عليه الركاب، فيعرّض كتفيه متراً واحداً على الأقل، ويكرمهم بصوت فيروز، بدل أغاني آل الديك على الريق. بعد ربع ساعة انتظار، أفقد الأمل كما في كل يوم، وألجأ إلى الحل الوحيد المتاح: الذهاب سيراً. يبعد عملي حوالي خمسة كيلومترات عن منزلي، إذا استخدمت أكثر الطرق اختصاراً، غير آبه بالذئب حين أرتدي كنزة حمراء. "الطريق ليس طويلاً مثلما تدّعي"، ستقول.

درجة الرطوبة، وسطياً، بين 65 و70 درجة، الحرارة 38 درجة، وكمية الفيء الموجودة على طول الطريق تكاد لا تُذكر. يمكنك الآن تخيل كمية العرق التي أقدّمها، حين ألمس باب الشركة. أقوم برحلتين يومياً، من العمل وإليه، لأن الوضع في الإياب يشابه مثيله في الذهاب، ولا يتفوق عليه إلا بتجمع المنتظرين معاً، وهجومهم على أي سيارة تقف أمامهم، وكأنهم سيفككونها، ويأكلونها بلا ملح.

تصبح الحسبة هكذا: 2*26=52.

اثنتان وخمسون رحلة ذهابٍ وإيابٍ، أقطعها خلال ممارسة عملي في الشهر. أضحك حين أكتشف أن ما أوفره من أجور تنقلات، لا يكفي شراء حذاء جديد، ولو كل خمسة أشهر. أضحك أكثر حين أتذكر انتظاراً ثالثاً يماثل سابقَيه بالاستنزاف، ويختلف عنهما بطبيعة المنتظرين.

الغريب الآن، هو أن الغريزة، والغريزة فحسب، كانت ولا تزال سبب صمود المواطن في هذا البلد. الصمود في وجه ارتفاع الأسعار، وانعدام الرقيب، وتزايد الوساطات، والمتنفعين، والفاسدين، وآكلي لحوم البشر 

مدن الملح... ليل يليه ليل يليه ليل

تم تطبيق توزيع مخصصات البنزين والمحروقات على البطاقة الذكية. مئة ليتر موزعة على الشهر، بمعدل 25 لتراً أسبوعياً لكل سيارة تحت الـ2000 سي سي، بسعر الدعم الحكومي. أما ما فوق الـ2000 سي سي، فلا تحتاج إلى الحكومة، ولا إلى دعمها، وعلى أصحابها أن يشتروا البنزين بالسعر العالمي. هذا كله بسبب انعدام موارد النفط في سوريا، واللجوء إلى استيراده الآن، بدلاً من تصديره قبل عشر سنوات. الحل يبدو عادلاً وجميلاً ومريحاً للجميع، مع التنويه إلى توفر أي كمية بنزين تريدها خارج البطاقة الذكية، لكن بالسعر الحر، من المحطات نفسها التي توزع البنزين المدعوم. أين النقص يا إخوان؟ الخطوة ليست جديدة. تم تطبيقها من قِبل الحكومة الصينية سابقاً، ولوقت محدود جداً، على اعتبار أن هذا ليس حلاً، بل مجرد " تمشاية حال"، ريثما نطبّق الخطة البديلة الموضوعة مسبقاً. هكذا يجب أن يكون الأمر، أو هكذا يجب أن تتصرف الحكومات. لكن الحكومة لا تشعر بنقص المخصصات يا سيدي، ومن ليس لديه شعور، لا يمكن أن تحاسبه. لتتحول التدخلات الإسعافية، إلى قفزات نوعية في علم الإدارة، على الأقل من وجهة نظر محللي القنوات التلفزيونية الراضين تماماً، بربطات عنق ملونة لم توح يوماً بكميات الصيف الساخنة التي عشناها، ونعيشها.

البقاء فكرة والفكرة لا تموت

ذكرت سابقاً أن الشعب السوري أهم شعب في العالم، في لعبة الاختباء. ليس لكثرة ما يختبئ خلف أصابعه فحسب، بل لقناعته التامة بأنه غير مرئي، وتالياً لقدرته الفائقة على إقناع من يبحث عنه، بأنه غير موجود. هذا الإتقان الفائق ليس وليد الفطرة، لكنه تطور طبيعي لكل ما مر به على مر السنين. فترى قدرته على التكيف تفوق كل ما هو متوقع، وعليه، فهو يفاجئ العالم كل مرة، ويبقى على قيد الحياة. غريزة البقاء، والقطيع، هما المحرك الأساس هنا. ولأنهما غريزتان، فينحصر دور العقل في تبريرهما فحسب... الغريب الآن، هو أن الغريزة، والغريزة فحسب، كانت ولا تزال سبب صمود المواطن في هذا البلد. الصمود في وجه ارتفاع الأسعار، وانعدام الرقيب، وتزايد الوساطات، والمتنفعين، والفاسدين، وآكلي لحوم البشر. الصمود أربع ساعات يومية من الكهرباء والمياه، والصمود بازدياد النكت، وارتفاع أصوات الضحك، مقارنةً مع سنوات سابقة، لكثرة ما ملّت الناس من الشكوى، والانتظار، والأمل المزيف، والصمود في وجه مقدم برنامج "منقدر" البليد، على إحدى الشاشات الوطنية، حين يجلب لنا أمثلة عن أناس من خارج الكوكب السوري، ويريد منا أن نقارن أنفسنا بهم، والصمود في وجه المقابلات التي تدعو للصمود، والتحمل، والأمل بابتسامات بلاستيكية، وثقة جوفاء. تقاطعني ابنتي الآن: "لكن المستشارة ترتدي الغوتشي، والروليكس، يا أبي. الغوتشي، والروليكس..."

لا شمس تحمي التوقع

لا صَدَفَةً تُعوض أذناً مقطوعة

لا غيم يقود العربة

لا مكان يبرر الموت

لا فقد كفقد الأشقياء

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard