المال السياسي يغزو السوشال ميديا... "بيزنس" شراء الصفحات قبيل الانتخابات العراقية

الخميس 19 أغسطس 202102:19 م

"تم تغيير اسم صفحة (...) التي سجلت الإعجاب بها إلى (...)". هذا الإشعار الأكثر وصولاً على فيسبوك لمستخدميه في العراق خلال الفترة الأخيرة، وهو ينبّه إلى تغيير اسم صفحة ما لتصير صفحة دعاية انتخابية لأحد المرشحين.

قد يكون الاسم الجديد مباشراً وقد يحمل كلمات دعم وإسناد أو أصدقاء المرشح الفلاني.

بيع وتأجير

#شفتك_سمير، هو وسم أطلقَته منصة التقنية من أجل السلام، وهي صفحة تطوعية مختصة بمكافحة الشائعات، ويختص هذا الوسم برصد الصفحات التي يتم تغيير اسمها، والتي تضاعفت أعدادها بشكل لافت في الآونة الأخيرة، مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية، بحسب المتحدث باسم المنصة بحر جاسم.

ومن المقرر أن تجري الانتخابات في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر القادم.



ويقول جاسم لرصيف22: "فريقنا يرصد تغيير الأسماء منذ عام 2018، وما نلاحظه أن الأمر يتضاعف خلال فترة الدعاية الانتخابية، ولا يمكن الجزم بأن جميع الصفحات اشتراها مرشحون، فربما بعضها غيّر أصحابها الاسم حباً وإيمانا بالمرشح مثل صفحات محبي أو جمهور فلان"، مضيفاً أن "نشرها لا يعني استهداف المرشح، وإنما إعلام الجمهور بتغيير الأسماء".

ويتابع جاسم أن "بعض الصفحات لا يبيعها أصحابها، وإنما يتم الاتفاق على نشر محتوى مقابل سعر ثابت، أو تأجيرها بمبلغ شهري مقابل نشر محتوى يدعم السياسي، قد يكون علنياً أو غير واضح، لاستثمار الجمهور الثابت لهذه الصفحات، وهذا ما يحدث مع الصفحات المليونية منها".

وحول تأجير الصفحات، يروي مصدر عمل في الفريق الإعلامي لأحد أعضاء البرلمان قصة عن تعامل النائب مع إحدى الصفحات التي تُصنَّف ضمن أكبر خمس صفحات في العراق، ويقول لرصيف22: "الاتفاق تم مع صاحب الصفحة على نشر أخبار في فترات متباعدة يختارها النائب، مثل تقديمه طلباً لقضية تشغل الرأي العام، أو مشادة كلامية له في لقاء تلفزيوني، أو خبر تقديمه طلب استجواب لوزير، أو فتح ملف في النزاهة عليه شبهات فساد"، لافتاً إلى أنه "دفع لصاحب الصفحة ثلاثة آلاف دولار مقابل خبر واحد نشره".

ويضيف المصدر: "تُخصص القوى السياسية ميزانيات ضخمة للحملات الانتخابية، الجزء الأكبر منها للإعلام، فيما يتعاقد بعضها مع شركات عالمية متخصصة في الدعاية الانتخابية".

ويتابع: "هذه السنة لم تتعاقد أغلب القوى السياسية مع شركات، بسبب تراجع جماهيريتها، وقلة خبرة غير العراقيين بطبيعة المجتمع العراقي، واقتصرت الاستعانة بهم على الجوانب الفنية في صناعة المحتوى".

"الاتفاق تم مع صاحب الصفحة على نشر أخبار في فترات متباعدة يختارها النائب... دفع (النائب) لصاحب الصفحة ثلاثة آلاف دولار مقابل خبر واحد نشره"

ويكشف المصدر عن نوع جديد من الدعاية الذي بدأ مبكراً على حد تعبيره، وهو تأسيس منصات مترابطة في ما بينها على وسائل التواصل الاجتماعي، تبدو في بدايتها أنها عامة واجتماعية، وتطرح محتوى يلامس اهتمام الجمهور، وكثيراً ما تكون هذه المنصات مختصة بمناطق محددة، بعد إقرار الدوائر المتعددة في قانون الانتخابات.

وكان قانون الانتخابات السابق يعتبر كل محافظة دائرة انتخابية واحدة، لكن قانون الانتخابات الجديد قسّم كل محافظة إلى أكثر من دائرة انتخابية، فقد قُسّمت بغداد مثلاً إلى 17 دائرة انتخابية، ونينوى إلى ثماني، والبصرة إلى ست، وكل من ذي قار والسليمانية إلى خمس، وكل من بابل والأنبار وأربيل وديالى إلى أربع، وكل من النجف وصلاح الدين ودهوك وكركوك وكربلاء وواسط وميسان والقادسية (الديوانية) إلى ثلاث، فيما قُسّمت محافظة المثنى إلى دائرتين انتخابيتين.‎

وحول النوع الجديد يوضح المصدر: "أحياناً تكون هذه المنصات مخصصة لتسليط الضوء على فشل جهة سياسية تهيمن على دائر محددة، وتضرب مسؤوليها التنفيذيين، وأحياناً تستهدف فئة محددة مثل الطلبة أو الشباب أو العاطلين عن العمل".

تجارة الصفحات

يزدهر قُبيل الانتخابات سوق بيع الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي. يقول مختص ببيع الصفحات تحدث لرصيف22 بشرط عدم ذكر اسمه: "هذه الصفحات ينشئها شباب هواة أو ممّن يعملون في التجارة بها، تحت اسم عام أو رمز لمنطقة معنية، وتبدأ ببناء جمهورها من خلال نشر محتوى يلامس اهتمام العراقيين مثل أخبار الرواتب، النزاعات العشائرية، السخرية، التسريبات السياسية، فيديوهات شعر شعبي".

ويضيف المختص ببيع الصفحات أن "هذه الدورة الانتخابية شهدت إقبالاً مضاعفاً عن الدورات السابقة على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الدعاية الانتخابية"، عازياً ذلك إلى "تخوف المرشحين من تمزيق صورهم في الشوارع، بعد تعاظم السخط الشعبي، خاصة على النواب الحاليين والمرشحين ضمن القوى التقليدية، بالإضافة إلى أن نظام الدوائر المحددة يساعد على تحديد المناطق جغرافياً خلال نشر المحتوى وتمويله على وسائل التواصل الاجتماعي".

"رصدنا تغيير أسماء عشرات الصفحات التابعة لمقاهي ومتاجر وتحويلها إلى منصات دعائية لمرشحين"

وتجري عمليات البيع وفقاً لحزمة معايير، إذ تحتل الصدارة الصفحات التي يضمن البائع تغيير اسمها، لأن فيسبوك لا يسمح بتغيير أسماء جميع الصفحات، ومن المهم أيضاً أن تكون الصفحات ذات جمهور حقيقي، فكثير من الصفحات ذات جمهور وهمي، وأن تكون عراقية، وعلى ضوء ذلك يُحدَّد سعرها. و"بشكل عام تبدأ أسعار الصفحات من 2000 دولار وتتجاوز 10 آلاف"، بحسب المختص.

صفحات مستوردة

ورصد مدونون صفحات غير عراقية اشتُريت وغُيّر اسمها، وغالباً ما تكون مصرية أو شرق أوسطية المنشأ. ويروي المختص حادثة في هذا السياق: "إحدى الشخصيات السياسية اشترت صفحة مليونية وغيّرت اسمها لتحمل اسمه، ولتكون منصته الرسمية، لكن فاته أن يحذف محتواها القديم، والذي يشير إلى أنها أنشئت لغرض بيعها، إذ وجدنا منشورات تفاعلية على شاكلة ‘اكتب الرقم الفلاني لتختفي القطة من الصورة’، وتظهر في المنشور صورة فتاة وعلى كتفها قطة، ومنشورات أخرى تبحث عن التفاعل وجمهورها مصري".

واستمراراً في مسار التضليل، يقدّم المشرفون على الصفحات طلباً بتغيير اسمها، وتحظر العراق من متابعيها حتى لا يصل إشعار بتغييرها إلى المتابعين العراقيين، ثم ترفع الحظر وتظهر مجدداً للنطاق الجغرافي العراقي، حسبما أوضح مركز الإعلام الرقمي، مشيراً إلى وجود "اهتمام وتركيز من جانب مرشحي الانتخابات لاستغلال مواقع التواصل الاجتماعي في الترويج لأنشطتهم السياسية لإدراكهم أهميتها في مخاطبة الجمهور العراقي".

تطوع من أجل النزاهة

على الضفة الأخرى، تعمل مجموعة من شباب منظمات المجتمع المدني بشكل تطوعي على رصد الانتهاكات التي تتعلق بالنزاهة الانتخابية، والتضليل الذي يمارسه المرشحون.

ويقول خبير تقني فاعل في شبكة رصد تطوعية يعمل أعضاؤها بسرّية لأسباب أمنية إن "النزاهة الانتخابية لا تنحصر بيوم الاقتراع فقط، وإنما تبدأ منذ مصادقة مفوضية الانتخابات على أسماء المرشحين، وخَرَق عدد من المرشحين القانون عندما أطلقوا حملاتهم الانتخابية قبل الوقت المحدد، وذلك بصورة غير مباشرة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي".

وبحسب مجلس المفوضين، كان يجب ألا تنطلق الدعاية الانتخابية للمرشّحين قبل الثامن من تموز/ يوليو، وتستمر حتى السابع من تشرين الأول/ أكتوبر.

ويلفت الخبير نفسه إلى أن "عملهم يتجاوز الرصد، إذ يعملون على جمع انتهاكات قانون الانتخابات وحملات التضليل، وإيصالها إلى أكبر عدد من ممكن المدونين والمعنيين".

ويتابع أن شبكة الرصد التي يعمل ضمنها رصدت تغيير أسماء عشرات الصفحات التابعة لمقاهي ومتاجر وتحويلها إلى منصات دعائية لمرشحين. وحول وجه الانتهاك في عملية الشراء وتغيير أسماء صفحات، يوضح أن الجمهور أعطى إعجابه بهذه الصفحات قبل تغييرها، ولو كان المرشح واثقاً من أن الناس سيجلون الإعجاب بمنصته لكان افتتحها باسمه دون عناء الشراء والتغيير.

وحول آليات مواجهة الانتهاكات والحد منها، يؤكد الخبير أن الجهود التطوعية محدودة، حتى مع دعم شبكات رصد تطوعية نشأت في مختلف المحافظات، لأن خطابات التحريض على الكراهية والتضليل الإعلامي منتشرة بصورة كبيرة، "لذلك يتوجب على مؤسسات الدولة الرسمية ذات العلاقة الانتباه إلى هذا الأمر، وبالخصوص أعني شبكة الإعلام والاتصالات والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، عبر إصدار تعليمات وعقوبات صارمة على مَن يتّبع هذه الأساليب، وكذلك عبر فتح باب التعاون مع الناشطين ومنظمات المجتمع المدني، وعبر دعم إقامة تدريبات وندوات عالية المستوى لرفع مستوى وعي الجمهور ليكون قادراً على التمييز بين الشائعات والاستهدافات الانتخابية وبين الأخبار الحقيقية والمعلومات الصحيحة".

وبالرغم من الأموال الكثيرة التي تنفَق على وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنها تمثل نزراً قليلاً مما تخصصه القوى المستحوذة على المناصب لكسب الجمهور، إذ توزع الوظائف والهدايا وقطع الأراضي على المواطنين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard