الأقليات في العراق... تهميش داخل العمل واضطهاد بسبب نظام المحاصصة الطائفية

الثلاثاء 3 أغسطس 202105:20 م
Read in English:

Iraq’s Minorities: The Sectarian Quota System’s Shortcomings

يفكر لؤي كمال (37 عاماً) بمغادرة العراق في المستقبل. فالرجل المسيحي الذي ينحدر من محافظة نينوى، في شمال العراق، فقد الأمل بترقيته إلى منصب أعلى. "غير متأمل بتحقق العدالة" داخل عمله، كما يقول، على الرغم من أن القانون يمنع التمييز بين الموظفين على أساس ديني، أو مذهبي، لكن، يختلف الأمر على أرض الواقع.

ويطال التهميش والإقصاء الأقليات في العراق، حتى في أماكن عملهم، بسبب الديانة، أو العقيدة، أو الفكر، ونادراً ما تتم ترقيتهم إلى منصب أعلى، خلافاً للنص الدستوري العراقي الذي كفل الحقوق، والواجبات، للمكونات الدينية في البلاد، علماً أن العراق وقّع على اتفاقيات دولية تنص على حقوق الإنسان، والأقليات. وفي إقليم كردستان، أقر برلمان الإقليم في العام 2015، قانوناً يضمن حقوق الأقليات في مجالات عدة، منها السياسة والتعليم.

إقصاء وظيفي

لؤي، وهو مهندس في وزارة الصناعة والمعادن العراقية، ويشغل موقع مدير قسم الفحص والتفتيش الهندسي في معمل خياطة في  برطلة، شرق الموصل، يتجنب النقاش مع من يرون المسيحي "كافراً"، ويقول: "حتى لو اشتكيت عليهم، لن يتم النظر بالموضوع".

اختبر لؤي هذا التمييز الديني في مكان العمل. يتذكر أنه قبل دخول داعش إلى الموصل، وكان في منصب معاون مهندس في معمل الغزل والنسيج في الموصل، "صدر كتاب رسمي يقضي بأن يدير كل مهندس قسم حسب اختصاصهُ، فتم تكليفي بأن أكون معاون مدير قسم الكهرباء، لكن معاون مدير قسم الكهرباء وهو مهندس زراعي قال للموظفين: كيف ترضون بمسيحي يكون مسؤولاً عليكم، وأنتم مسلمون؟".

لم يوافق بعض الموظفين على كلامه، لكن الكتاب الرسمي لم يُنفَّذ، حسب ما يقول لؤي، لافتاً إلى أن "الشخص الذي أطلق هذا الكلام استمر في عمله".

والواقع أنه منذ عام 2003، تعرض أكثر من 1100 مسيحي في العراق للعنف الطائفي، ويبلغ عددهم في البلاد نحو 400 ألف نسمة، بعد أن كانوا أكثر من مليون ونصف المليون، قبل عام 2003، حسب تقرير سنوي صادر عن "منظمة حمورابي" في العراق، المعنية بحقوق الإنسان، لعام 2020.

بعد تحرير الموصل من تنظيم داعش، تم نقل لؤي، ومجموعة من الأشخاص الذين ينحدرون من مكونات أقلية عددياً، إلى معمل خياطة في برطلة، وأصبح مدير قسم الفحص والتفتيش الهندسي، ولا يزال على رأس عمله حتى الآن. يقول: "أحياناً يسموننا معمل الأقليات، لأن غالبية الموجودين هم من المسيحيين، والإيزيديين، والشبك، والكاكائيين، فيما عدد المسلمين قليل جداً، والذين يمسكون إدارة المعمل، من الأقليات أيضاً".

قدّم لؤي مشاريع لجلب آلات ومعدات إلى المعمل، ليعود للعمل من جديد، بعد أحداث داعش، مشيراً إلى أن "المعمل حقه مغبون، بعكس المعامل الأخرى". ويوضح: "جاءتنا وعود من المدير العام أنه عند تشغيل المعمل، ستُخصَص حوافز ومخصصات نقل مالية، خصوصاً وأن غالبية الموظفين رواتبهم قليلة، لكن الوعود لم تُنفَّذ إلى الآن".

"أحياناً يسموننا معمل الأقليات، لأن غالبية الموجودين هم من المسيحيين، والإيزيديين، والشبك، والكاكائيين، فيما عدد المسلمين قليل جداً، والذين يمسكون إدارة المعمل، من الأقليات أيضاً"

نيابةً عن موظفي المعمل، قدّم لؤي شكوى في العام 2020، وقال: "لا توجد استجابة إلى الآن، ومخصصات النقل يدفعها الموظفون، وهناك علاوات، ودرجات وظيفية، موقّفة منذ عام 2019، وأحاول حالياً وبعض الموظفين في المعمل، أن ننتقل إلى مكان آخر تسود فيه العدالة".

ينشط لؤي في الحقل الحقوقي، ويترأس "منظمة أوروك" لحقوق الإنسان والأقليات، ويقول: "نجحنا في الضغط لإدراج الفقرة "د"، في قانون رقم 86 لسنة 2018، في موازنة عام 2021، وعملنا على ذلك مع مجموعة مدافعة عن حقوق الإنسان، منذ عام 2018 إلى بداية عام 2021".

وتنص الفقرة على "التزام الوزارات، والجهات غير المرتبطة بوزارة، والمحافظات، بتعويض درجات وظيفية من أبناء الأقليات المكونات نفسها، وحسب الآلية التي يتم اعتمادها في التعيين". لكن، "حتى الآن لم يطبق القرار، والبعض يعدّه طائفياً، فالأقليات في العراق لا يوجد من يدافع عنها، والأحزاب التي تمثلنا في البرلمان موقفها ضعيف"، كما يقول لؤي.

تمييز وإحباط

لا تختلف شكوى لؤي عن شكاوى أخرى من التمييز، في ميدان العمل بين العراقيين على أساس طائفي أو عرقي. وتمثل قصة الصحافية رسالة الشركاني (32 عاماً)، وهي إيزيدية من سنجار، غرب نينوى، جزءاً آخر من المعضلة العراقية القائمة. فهي تعمل في الصحافة منذ نحو عشر سنوات، وناشطة مدنية، ورئيسة "منظمة روزا شنكال" المعنية بحقوق الإنسان.

قدّمت رسالة في وسائل صحافية حكومية وأهلية عدة، معظمها في الإقليم، تقول: "في قناة مشهورة في كردستان، سمعتُ بعض الزملاء الصحافيين يقولون أنتم لا تعدّون أنفسكم أكراداً، فلماذا يتم صرف رواتب لكم؟، وبعض الزملاء عندما يأتون معي لتسجيل حلقة برنامج، داخل بيت عائلة إيزيدية، أو في معبد لالش للإيزيديين، كانوا لا يأكلون من طعامنا، ويعدّونه حراماً، وأكل كفار".

"تم نقلي إلى العمل الميداني، وطلبوا مني ارتداء الحجاب، وملابس إسلامية كاملة، ورفضت لكون ملابسي محتشمة أصلاً، ولا أقبل أن أغطّي شعري، ولا أستطيع إخبارهم أني لا دينية، فتم فصلي مباشرة من العمل بسبب رفضي ارتداء الحجاب"

والإيزيديون، أقلية عرقية دينية تعيش في العراق منذ مئات السنين، وعلى الرغم من تحرير سنجار من داعش، ما زال 82% من سكان قضاء سنجار يعيشون في مخيمات، ومناطق متفرقة في إقليم كردستان، لأسباب سياسية وأمنية، حسب تقرير "منظمة حمورابي".

في أثناء تقديم رسالة في إذاعة، كانت واحدة من زميلاتها تصلي داخل غرفة العمل، فكانوا لا يسمحون لها بالدخول عند الصلاة، لكونها إيزيدية، فقالت لهم: "هذا مكان عمل، وليس من حقكم أن تمنعوني من الدخول"، فأجابوها بأنهم "الأغلبية"، بينما الإيزيديين "أقلية"، وعندما اشتكت إلى المدير، قال لها: "لا أستطيع أن أفعل شيئاً، هذه هي أفكارهم".

تقول رسالة: "لا يوجد لدينا إعلام مستقل"، وتستشهد بواقعة إعداد حلقة عن الناجيات الإيزيديات من داعش، لصالح برنامج وثائقي عن الإيزيديين، فلم يتم بث الحلقة، مشيرةً إلى أنهم "قالوا إننا لا نريد إظهار أن الإيزيديين يعيشون في ظلم دائماً، للعالم، بينما الحقيقة أنهم يعيشون في ظلم". وتضيف: "لم أكن حرة يوماً في إعداد برنامج، أو تغطية، لكن كنت أستمر في العمل لأثبت للمجتمع أن الإيزيديين ليسوا كفاراً، ولا ‘وسخين’، كما ينعتونا".

لا تتأمل رسالة بترقيتها مستقبلاً، أو حصولها على منصب عالٍ في مجال الصحافة، وتقول: "عملت ضمن هيئة التحرير في جريدة محلية، وفجأة رأيت اسمي مشطوباً، واستبدلوه باسم زميلة من مكون آخر"، مضيفةً أنها لم تشاهد إيزيدياً في منصب مدير، أو رئيس قسم، في عملها في الصحافة المحلية، على الرغم من أنها شهدت ذلك في سنجار، في صحيفة محلية.

هذا الواقع دفعها إلى الإحباط. فقد قللت رسالة من التعامل مع الصحافة المحلية، منذ مطلع العام 2020، "لكوني تعبت من التهميش الذي ما زال موجوداً".

مشكلة سياسية

وتعود قضية التمييز بشكل أساسي، إلى مشكلة سياسية، حسب ما يقول النائب في البرلمان العراقي، ونائب رئيس لجنة حقوق الإنسان النيابية، قصي عباس، وذلك "بسبب نظام المحاصصة في العراق، المقسم ما بين الشيعة والسنة والأكراد، وكتل هذه المكونات الكبيرة تستحوذ على غالبية المناصب العليا في البلاد".

ويشير عباس، وهو ينتمي الى أقلية الشبك، إلى أن "الكتل الكبيرة مهيمنة على مصدر القرار داخل العمل، فلا تفسح المجال لتمثيل الأقليات"، مضيفاً أنه "عندما يحال موظفون من الأقليات إلى التقاعد، لا يتم التعويض من المكون نفسه".

ويحول عدم اهتمام ممثلي الكتل الكبيرة في البرلمان، دون إقرار قانون حماية التنوع في العراق، لذلك "لم يشرع القانون حتى الآن"، حسب ما يقول عباس، مسجّلاً أن "تعامل إقليم كردستان مع الأقليات يختلف من مكون إلى آخر"، ويشرح: "بعد عام 2003، هناك من يريد تذويب الهوية الشبكية، والإيزيدية، داخل الهوية الكردية، وعدّهم أكراداً، وهذا يخالف للواقع، لأن الشبك، والإيزيديين، لديهم خصوصية لغوية وجغرافية".

تحرش وعنف ضد "اللا دينيين"

وتنسحب أزمة التعاطي مع المكونات التي تُعدّ من الأقلية عددياً، على اللا دينيين الذين يعانون من غياب التمثيل السياسي، في بلد يُفترض أن نظامه ديموقراطي. تقول دينا إبراهيم (26 عاماً، اسم مستعار)، إنها تبحث عن العمل الذي يعطيها مساحة في حرية التعبير، واللباس.

ودينا، ناشطة مدنية في شمال العراق. عملت في إحدى المنظمات المحلية للمجتمع المدني، تقول: "تم نقلي إلى العمل الميداني، وطلبوا مني ارتداء الحجاب، وملابس إسلامية كاملة، ورفضت لكون ملابسي محتشمة أصلاً، ولا أقبل أن أغطّي شعري، ولا أستطيع إخبارهم أني لا دينية، فتم فصلي مباشرة من العمل بسبب رفضي ارتداء الحجاب".

تتجنب دينا أن تقول إنها لا دينية، لأن حياتها ستتعرض إلى الخطر، وتوضح: "أشارك في ورش عمل شبابية عن لا دينيين، وحرية الدين، والمعتقد، وعن القيادات الشبابية في العراق، وهنا أقول إني لا دينية، لكن بعض الأشخاص في هذه الورش عندما يعرفون أني لا دينية يظنونني متاحة للجنس، وبالفعل تعرضت إلى تحرش لفظي".

"الاستقطاب الطائفي الثنائي الشيعي-السني، ساهم في تهميش الأقليات، وإن وجدت مناصب عليا لبعض الأقليات، فإن الأحزاب المسلمة هي التي تختار شريكها من هذا المكون، ولا تدع الخيار لأبناء المكونات تلك"

دينا من عائلة مسلمة محافظة، وكان والدها يجبرها على ارتداء الحجاب، منذ أن كان عمرها 13 عاماً، وتعرضت للعنف الأسري من والدها وصلت الى حد التهديد بالقتل. تقول: "عندما دخلت الجامعة، خلعت الحجاب من دون علم عائلتي، وأرتديه أمامهم فحسب، إلى أن جعلتهم يتقبلون وضعي من دون حجاب، خصوصاً عندما رأوا أن الضرب لم يجدِ نفعاً معي".

منذ دخولها الجامعة، بدأت تراودها فكرة أن تكون لا دينية، وتشير إلى أنه "يوجد في العراق فئة كبيرة من اللا دينيين، والملحدين، غالبيتهم من الشباب، وهم يخافون أيضاُ أن يعترفوا بذلك، وكناشطة، لدي تواصل مع الكثير منهم، ويوجد فتيات تعرضن للعنف الأسري عند علم عائلاتهن أنهن لا دينيات".

بيئة العمل غير نظيفة

والواقع أن غالبية الأحزاب الفاعلة في العراق، هي أحزاب دينية، وهو ما يعقّد عملية منح المكونات جميعها، التشريع القانوني، والدفاع السياسي عن حقوق تلك المكونات. يقول الكاتب والباحث العراقي ورئيس "مشروع المواطنة"، غيث التميمي، إن "بيئة العمل في العراق غير نظيفة، لاعتمادها على الولاء الحزبي والسياسي، مع وجود التطرف الديني، وتدخل رجال الدين في الحياة السياسية والاجتماعية، ما أدى إلى إضعاف الأقليات داخل العمل مع وجود السلاح المنفلت".

يشير التميمي إلى أن "الاستقطاب الطائفي الثنائي الشيعي-السني، ساهم في تهميش الأقليات، وإن وجدت مناصب عليا لبعض الأقليات، فإن الأحزاب المسلمة هي التي تختار شريكها من هذا المكون، ولا تدع الخيار لأبناء المكونات تلك".

ويرى التميمي أنه "حتى القطاع الخاص غير مستقل"، مشيراً إلى أن "القطاع الحكومي يسيطر على القطاع الخاص، فالشركات في العراق عندما تفكر في جلب مدير، يجب أن يستطيع التعامل مع الحياة السياسية والإدارية للدولة".

وفي غياب أي إحصائية تبيّن أعداد موظفي الأقليات داخل العمل، وكم وصل منهم إلى مناصب عليا؟ بالنظر إلى أن الدولة العراقية حتى الآن لم تجرِ الإحصاء السكاني، لأسباب سياسية وطائفية، حسب غيث التميمي. يؤكد المهمشون من المكونات الأقل عدداً في العراق أنهم لا يزالون يتحدّون الواقع. وتقول رسالة: "لا بدّ أن يأتي يوم يكون فيه بصيص أمل".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard