إسرائيل والمغرب... أسلحة وزراعة وسياحة وتاريخ يظهر إلى العلن

الاثنين 16 أغسطس 202104:49 م

العلاقات الاقتصادية المغربية الإسرائيلية ليست وليدة الاتفاق الموقع بين البلدين في نهاية 2020 بل تعود إلى عقود مضت، ولو أنها لم تكن رسمية وكانت تمر عبر قنوات مختلفة لتفادي انتقادات شعبية، أو من هيئات سياسية ونقابية مناصرة للقضية الفلسطينية.

 اليوم، وبعد مسار التطبيع الرسمي بين البلدين الذي بداً في 10 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، تتوقع إسرائيل أن يصل حجم صادراتها إلى المغرب 250 مليون دولار سنوياً، بعد أن كانت الأرقام الرسمية أقل بكثير من هذا. 

حلف قديم

علاقات النظام المغربي بإسرائيل لم تكن يوماً مقتصرة على المال أو منطلقة منه، إذ ارتبطت كثيراً بالسياسة منذ الستينيات من القرن العشرين، وكان الاقتصاد جزءاً منها، ولو أنه ظل دوماً مختفياً تحت عباء السرّ بحسب حساسية المعارضة السياسية المغربية لهذه العلاقة، والتطورات في القضية الفلسطينية التي كثيراً ما ألهبت الشارع المغربي في مسيرات مليونية.

لكن لعلّ إحدى اللحظات البارزة العلنيّة لهذه الشراكة الرسمية المغربية الإسرائيلية جاءت بعد اتفاقيات أوسلو، وتمثلت في أعمال "المؤتمر الاقتصادي لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" الذي نظم عام 1994 في مدينة الدار البيضاء المغربية، بدعوة من الملك الراحل الحسن الثاني، وشهد حضوراً مكثفاً لمسؤولين ورجال أعمال إسرائيليين، على رأسهم رئيس الحكومة – وقتذاك - إسحاق رابين، ووزراء عدة قطاعات حيوية.

علاقات النظام المغربي بإسرائيل لم تكن يوماً مقتصرة على المال أو منطلقة منه، إذ ارتبطت كثيراً بالسياسة منذ ستينيات القرن العشرين، وكان الاقتصاد دوماً جزءاً منها

 كانت الفترة فترة انفتاح وعلاقات شبه رسمية عبر مكاتب الاتصال التي افتتحت في البلدين عام 1994، وطوال ست سنوات، كثّف الطرفان العمل المشترك لكن الانتفاضة الثانية عام 2000، التي رافقت العام الأول لحكم الملك محمد السادس أدت إلى إنهاء العلاقات رسمياً بين البلدين.

لم تشهد العلاقات التجارية الزخم نفسه الذي شهدته السياسة، لكنها ظلت قائمة دوماً. وقد تكررت في عناوين الصحف المغربية في كل رمضان دعوات مقاطعة التمور الإسرائيلية في الأسواق المغربية، إلا أن تلك الدعوات لم توقف التدفق الرسمي المعلن للسلع الإسرائيلية إلى الأسواق المغربية. الكثير من السلع تمر بين البلدين بشكل مباشر أو عبر شركات وسيطة تضع علم دولة أخرى على المنتج الذي يسوق في المغرب.

بحسب موقع "ميدل إيست آي"، فإن المبادلات التجارية بين المغرب وإسرائيل ما بين عامي 2014 و2017 بلغت 149 مليون دولار، وأن سنة 2017 عرفت وحدها مبادلات تجارية قيمتها 37 مليون دولار.

ويبدو أن العلاقة الاقتصادية كانت دوماً تسير في تصاعد مطرد، إذ بحسب المرصد الاقتصادي oec الذي ينشر بيانات عن الاقتصاد الدولي، فإن عام 2019 مثلاً شهد تصدير المغرب سلعاً قيمتها 66.5 مليون دولار إلى إسرائيل. وبحسب الموقع: "كانت المنتجات الرئيسية التي صدّرها المغرب إلى إسرائيل هي البدلات النسائية غير المحبوكة (16 مليون دولار)، والقمصان النسائية غير المحبوكة (6.33 مليون دولار)، والبدلات النسائية المنسوجة (4.74 مليون دولار)". 

وخلص المرصد من خلال دراسته بيانات المبادلات التجارية بين البلدين إلى أنه خلال الـ "24 سنة الماضية زادت صادرات المغرب إلى إسرائيل بمتوسط سنوي 17٪ من 1.52 مليون دولار في 1995 إلى 66.5 مليون دولار في 2019".

تكنولوجيا وأسلحة

إن كانت الصادرات المغربية الموجهة إلى إسرائيل تتركز في منتجات النسيج وبعض المنتجات الاستهلاكية، فإن غالبية المنتجات التي تستوردها المملكة من إسرائيل تدخل في خانة التكنولوجيا المتطورة، والمجالات العسكرية. وإن كانت بعض الصفقات يجري الكشف عنها، فإن أخرى تظل في خانة السرية ولا يتم الإعلان الرسمي عنها.

ولعل أحد أبرز الأمثلة في هذا المجال اقتناء المغرب لبرنامج التجسس بيغاسوس، إذ أعلنت شركة NSOGROUP سابقاً على موقعها أن الدولة المغربية من زبوناتها، في حين نفت المملكة بشكل قاطع أن تكون زبونة للشركة. 

المبادلات التجارية بين المغرب وإسرائيل ما بين عامي 2014 و2017 بلغت 149 مليون دولار. سنة 2017 وحدها، شهدت تبادلات تجارية قيمتها 37 مليون دولار

وبحسب موقع "Trading economics" الذي يوفر معطيات عن الاقتصاد العالمي، فإن إسرائيل صدَّرَت إلى المغرب  ما حصيلته "12.21 مليون دولار أمريكي خلال عام 2020، وفقاً لقاعدة بيانات كومتريد التابعة للأمم المتحدة بشأن التجارة الدولية". ويشير الموقع إلى أن أغلب هذه المنتجات تكنولوجية، منها منتجات مرتبطة بقطاع "الطيران" بلغا حصيلة الصادرات الإسرائيلية إلى المغرب فيها 8.26 مليون دولار.

لكن هذا الرقم ليس إلا الجزء الظاهر من جبل الجليد، لأن صفقات الأسلحة كانت دوماً جزءاً من العلاقات بين البلدين. وفي السنوات الأخيرة لجأ المغرب إلى إسرائيل من أجل اقتناء طائرات مسيّرة. 

في السبعينيات من القرن الماضي زودت تل أبيب الرباط دبّابات، وهي لم تكن الصفقة الأولى أو الأخيرة، لأن سلاح الجو المغربي اشترى بحسب جريدة هآرتس الإسرائيلية عام 2013 الطائرات المسيّرة "هيرون" بقيمة 50 مليون دولار، ومرت الصفقة عبر فرنسا. وأكد كاتب المقال أن إسرائيل تمد المغرب بأنظمة مراقبة رقمية ورادارات ومعدات وبرمجيات تكنولوجيا أخرى، لم يعلن عنها رسمياً.

ليست التكنولوجيات العسكرية هي الوحيدة التي تهم البلدين، فهما يعملان في مجالات مختلفة، ترتبط أساساً بتطوير القطاعات الزراعية وتدبير قطاع المياه. ويعتمد المغرب على "بذور" وعلى تقنيات زراعية طوّرت في إسرائيل، لتحسين القطاع الزراعي المغربي الذي يتجه من نمط تقليدي معيشي إلى نظام صناعي، يعتمد الكمَّ ويوجه إلى السوق الأوروبية. ويعتبر إنتاج الطماطم من القطاعات التي تحضر فيها بشكل كبير البذور الإسرائيلية.

ويتجاوز هذا الحضور مجرد المبيعات، بل من خلال استثمارات لرجال أعمال يحملون الجنسيتين المغربية والإسرائيلية، أو من خلال شركات تجد في السوق المغربية سوقاً واعدة. ومن أمثلة هذه الشركات شركة "نيتافيم" (أصبحت في ملكية شركة مكسيكية لاحقا) لتقنيات الري والزراعة التي أسست فرعاً في المغرب عام 2017، واستثمرت في تطوير فرعها 2.8 مليون دولار.

ليست التكنولوجيات العسكرية هي الوحيدة التي تهم البلدين، فهما يعملان في مجالات مختلفة، ترتبط أساساً بتطوير القطاعات الزراعية وتدبير قطاع المياه. ويعتمد المغرب على "بذور" وعلى تقنيات زراعية طوّرت في إسرائيل

السياحة والتجارة

يعول المغرب عبر فتح خطوطه الجوية أمام الطيران الإسرائيلي عقب اتفاق التطبيع على مضاعفة أعداد السياح القادمين من إسرائيل. فإن كانت المعطيات الحالية تشير إلى قدوم 70 ألف سائح إسرائيلي سنوياً إلى المغرب، كان جلهم يعبرون عبر دول وسيطة لها علاقات بإسرائيل كتركيا أو فرنسا، فاليوم أصبح بمقدورهم الاستفادة من رحلات سياحية مباشرة إلى المغرب. هذا التحول سينعكس على أعداد السياح، وقد أكدت وزيرة السياحة المغربية نادية فتاح علوي، أنه في نهاية عام 2021 سيبلغ عدد السياح الإسرائيليين القادمين إلى المغرب 200 ألف زائر، وهم يأتون إما لروابط عائلية أو لدواع "ثقافية" مرتبطة بأن المغرب من الدول التي ما زالت تحافظ على إرث ديني واسع للديانة اليهودية، ومزارات حاخامات يعتبرون من الأولياء في معتقد جزء من سكان إسرائيل. ويتوقع أن تتطور هذه الأعداد في المستقبل. 

وبالنسبة إلى دافيد توليدانو رجل الأعمال المغربي، وعضو "الاتحاد العام لمقاولات المغرب"، وهو أقوى تنظيم لرجال الأعمال المغاربة، فإن المغرب لن يكون فقط وجهة سياحية، بل قد يتحول إلى "منّصة عبور" للزوار المتجهين إلى الولايات المتحدة أو إلى دول أوروبية. وهو قال في تصريحات لموقع "ميديا24" إن المغرب يمكنه الاستفادة من موقعه ومن سعر التذاكر المنخفض لشركة الخطوط الملكية المغربية، ليغري السياح الإسرائيليين المتجهين إلى عواصم مثل باريس أو مدريد أو لندن. 

وتعول إسرائيل على أن تجذب الأماكن المقدسة الإسلامية، خاصة المسجد الأقصى والقدس، السياح المغاربة، الذين لن يجدوا عوائق إدارية أو بخصوص التأشيرات، وفق الاتفاقيات الأخيرة التي تحدد إطاراً قانونياً مرناً للحصول على تأشيرات السفر بين البلدين.

وبحسب دراسة نشرها "المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية"، يعود تاريخها إلى عام 2018، فإن آفاق العمل المشترك بين البلدين تمتد إلى مجالات متعددة. فالموقع الجغرافي للمغرب وتطويره بنيته التحتية من موانئ ومطارات، وتركيزه على جعل مدينة الدار البيضاء، مركزاً دولياً للأعمال يربط بين إفريقيا وأوروبا، يغري رجال الأعمال الإسرائيليين.

ويقول التقرير إنه بالإمكان أن يكون هناك عمل مشترك بين الدولتين من أجل نقل السلع الإسرائيلية إلى وجهات للمغرب حضور فيها (دول أوروبية وإفريقية)، أو تطوير صناعات مشتركة خاصة في قطاعات الصناعات الغذائية والزراعات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard