الفيلسوف راشد الغنّوشي ووهم المدينة الفاضلة

الجمعة 3 سبتمبر 202110:45 ص

الغنوشي رقم 1

ثمّة "غنّوشيّان" لا شيء يجمع بينهما. "غنّوشيّ" أوّل وهو شيخٌ يضع قبّعة روسيّة شتاءً ويحمل محفظة جلديّة، يجوب شوارع لندن، ويطلّ في منابر إعلاميّة من حينٍ إلى آخر، يتحدّث عن مخاض الحداثة في جوٍّ من الإسلامِ المستعصي، يوجّه انتقادات للبلاد التّونسيّة حكومةً فيما ندرَ وشعبًا فيما كثُرَ، يقول إنّنا شبابٌ غير مسيّسٍ ولا مثقّفٍ، "ثيران الله في برسيمه"، ولا شكّ في أنّه كان يتبنّى أفكارَ "معلّمه" الشّيخ القرضاوي وهي أفكارٌ تحوم حول بلدان تحتاج فتحاً جديداً رغم مساجدها التي يفوق عددها عدد المدارس والمستشفياتِ مجتمعةً.

وقد يكون الشّيخ حاملاً للضّغينة من شعبٍ لم ينتخبه إلاّ بنسبة لا تفوق الـ 17% في الانتخابات التّشريعيّة الّتي دارت سنة 1989. أمّا التّونسيّون فكانوا حينئذٍ يتحدّثون عن الشّيخ في خشيةٍ، بما أنّ حيطان تونس في ذلك الزمن كانت قد أنبتت آذاناً إكراماً للدّيكتاتور أو خوفاً منه، لسنا متأكّدين تمامًا. وكانوا يتحدّثون عنه وأتباعه كلّما مرّوا من حيّ باب سويقة الشّعبيّ متذكّرين النّيران النّهضويّة الّتي أكلت أحد الحرّاس اللّيليين سنة 1991 وكلّما لمحوا وجه امرأة شوّهه أوكسيد الدّيوتريوم ويُسمّى عندنا "ماء الفرق"...

ثمّة "غنّوشيّان" لا شيء يجمع بينهما. "غنّوشيّ" أوّل هو شيخٌ يجوب شوارع لندن، ويطلّ في منابر إعلاميّة من حينٍ إلى آخر، يوجّه انتقادات للبلاد التّونسيّة حكومةً فيما ندرَ وشعبًا فيما كثُرَ و"غنّوشيّ" ثانٍ طلع من بوّابة المطار بعد عقديْنِ من الغياب اللّندنيّ

الغنوشي رقم 2

 و"غنّوشيّ" ثانٍ طلع من بوّابة المطار بعد عقديْنِ من الغياب اللّندنيّ وذلك يوم الأحد 30 يناير 2011. خُصّ الشّيخ بما خُصّ به النّبيّ محمّد بن عبد الله حينما لجأ إلى المدينة المنوّرة.

فقد أنشد المستقبلون الذين عاد إيمانهم فجأةً الأنشودة الشّهيرة "طلع البدرُ علينا"، كانَ بدراً يرتدي بُدلَةً، رفقة ابنته سُميّة الّتي بدت شاحبةً حينذاك، محاطًا بالتّكبيرِ والتّهليلِ، على ثغره ابتسامةٌ )وكانَ ثغراً متواضعاً بعدُ لم يطرأ عليه تغييرُ ما بعد الثّورة(، امتلأَ بهو المطار بالمؤمنين المتزاحمين، قبّل البدر أرضَ الوطنِ وانهالت دموعه وليسَ فينا من يشكّ في صدقها.

الغنّوشي الثّاني التبسَ بلبوسِ النّبيّ، دخل الانتخابات مستخدمًا تلك الصّورة وصورًا أخرى وربحها في مناسباتٍ عديدةٍ. استخدم "أجهش بالبكاء" و"أعادها ثلاثًا" ومدّ اليد للتّقبيل لشعبٍ يؤمن بالـshow المقدّس

 الظّاهر أن الأمر اختلط على الدّاعية والمفكّر الإسلامي الشّهير منذ تلك العودة وتلك الأنشودة المقدّسة. ورغم أنّه لم يضع حجر أساسٍ واحدٍ، ولم يؤاخ بين أحدٍ وأخيه، ولم يأته تهديدٌ واحدٌ من أيّ قرشيّ تونسيّ، ولم يخص أيّ بدرٍ ولم ينهزم في أيّ أُحُدٍ، إلاّ أنّه حشرَ تونس بتاريخه المارقِ في يثرب بتاريخها الطيّع الهادئ.

لم تكن تونس "مُنوّرة"، فقد كانت مليئةً بالآثام ومثقلةً بالمتاعبِ، يئنّ أبناؤها الخارجون توًّا من غزوة "البائع المتجوّل"، كانوا يسبّحون حتّى وإن كانوا في القارورة المسكرة رقم عشرين، كانوا يتصدّقون بكتفِ الخروفِ كلّ عيدٍ ويسكرون بالكتفِ الثّانية، هكذا هم مؤمنون "لايت" يأخذون كلّ شيء بخفّة شعبٍ علّمه تاريخه خلق الحياة حيث لا حياة.

مفكر إسلامي مؤلفاته لا تُحصى

  لم يكن "النبيّ الجديد" معروفا كثيراً رغم ذلك، لقد كانَ اسماً مقترناً ببعض الكليشيهات البسيطة، ومنذ عودته انكبّ عدد من التّونسيّين على تقليب كُتبِهِ الكثيرةِ، ثمّة من رأى فيها الخطر المحدق بتغيير النّمط المجتمعيّ، فالسيّد الغنّوشي غير سويّ في رؤيته للمرأة على سبيل المثال ويرى بضرورة التّسريع بتزويجها.

 السيّد الغنّوشي غير سويّ في رؤيته للمرأة على سبيل المثال ويرى بضرورة التّسريع بتزويجها ويرى أنّ العلمانيّة نوعٌ من الرّدة الّتي انطلقت زمنَ أبي بكر الصدّيق

ويرى أنّ العلمانيّة نوعٌ من الرّدة الّتي انطلقت زمنَ أبي بكر الصدّيق، وأنّ بورقيبة حاربَ الإسلام والمسلمينَ، إنّه دفقٌ دفع رئيس الحكومة النهضويّ السيّد حمّادي الجبالي إلى أن يعلن نفسه خليفَةً سادساً في خطابٍ شهيرٍ، وكانَ خليفة يضع قبّعةً رياضيّة خضراءَ في محاولة ربّما للتّمويه عن اسم الشّهرة الّذي يسري حينذاك في المجتمع "حمّادي تفجيرات" في إشارة إلى أحداث أغسطس 1987، الأحداث الّتي دفعت خليفتنا للفرار.

 الغنّوشي الثّاني التبسَ بلبوسِ النّبيّ، دخل الانتخابات مستخدمًا تلك الصّورة وصورًا أخرى وربحها في مناسباتٍ عديدةٍ. استخدم "أجهش بالبكاء" و"أعادها ثلاثًا" ومدّ اليد للتّقبيل لشعبٍ يؤمن بالـshow المقدّس.

واستخدم أسلوب الفيلسوف المُحاضِر في الصّالونات والنّزلِ. استخدم صورة الحكيم الرّصينِ الّذي يطالعك بالجملةِ النّاعمة من حيثُ لا تعلم بينما يزبد المحاورون من حوله. استخدم الخطاب وضدّه. أدّى الصّلاة حاضرةً في "غازون" مآدبِ العشاء. استخدم ثقافة الجنوبيّ التّونسيّ ثمّ أصلح ابتسامته وفصل الدّعويّ وتركه لأهله عن السياسي الّذي دخل معتركه، وصارَ رئيساً للبرلمانِ.

سننتبه ونحن نجولُ كتبَ الشّيخ السياسي الفيلسوف إلخ راشد الغنّوشي وأقواله إلى أنّ هذا الرّجلَ غير مؤهّلٍ ليعرفَ تونس، إنّه في علياءٍ ما، يعمل على تضخيم سيرته الذّاتيّةِ. فهو الباحثٌ في كلّ شيءٍ، في المواطنة وفي الديمقراطيّة، في الاعتدال والوسطيّة وفي العلمانيّة وفي التغيير والحريات

باحثٌ لم يطأ بفكره تونس

 سننتبه ونحن نجولُ كتبَ الشّيخ السياسي الفيلسوف الخ راشد الغنّوشي وأقواله إلى أنّ هذا الرّجلَ غير مؤهّلٍ ليعرفَ تونس، إنّه في علياءٍ ما، يعمل على تضخيم سيرته الذّاتيّةِ، ولأيّ قارئ أن يقوم بإطلالة بسيطة على صفحة الويكيبيديا الخاصّة به.

إنّه باحثٌ في كلّ شيءٍ، في المواطنة وفي الديمقراطيّة من وجهة نظر إسلاميّة، في الاعتدال والوسطيّة وفي الوقت نفسه في شؤون الإمام يوسف القرضاوي والقدريّة عند ابن تيميّة، وفي العلمانيّة حيثُ لا يفعل سوى الاصطياد في بركةِ أخطائها، في التّغيير والحريّاتِ ساعياً لاستيعاب المنهج الليبيرالي الأوروبّي، إنّه في كلّ مكانٍ ولا مكانٍ. وإنّه لم يطأ يومًا بقدمه ولا بفكره في تونس، أو لعلّه اكتفى من هذا البلد بأوّل صورة كوّنها عنها في نهاية ستّينيات القرن الماضي.

لم يُشر ولو من بعيدٍ لأقطاب تونس رغم دراسته الزّيتونيّة، فهو متماهٍ تماماً مع المودودي والسيّد قطب ومحمّد إقبال ومالك بن نبيّ وأبي حامد الغزالي وابن تيميّة. في عليائه نعم، لم يتعلّم الفرنسيّة رغم دراسته في فرنسا ولا الإنجليزيّة رغم العقديْنِ اللّذين قضاهما في برّ الإنجليز. ثمّة مدينة فاضلة تسكن ذهن فيلسوفنا الإسلاميّ، مدينة سريّة منوّرة يردّد سكّانها له "طلع البدر عليْنا"... 

 صورةٌ هادئة خارج الإطار الانقلابيّ

طالعتنا صورةٌ أخيرةٌ للشيخ وهو في منزله يتناول فطوراً صباحيّاً نبويّاً أو لعلّه متأثّر بالطبّ النبويّ على الأقلّ، بعض التمر واللبن وزيت الزّيتون وجريدة الشّروق. هكذا هو الغنّوشيّ الثّاني، صورةٌ هادئة خارج الإطار الانقلابيّ لشعب يكادُ ينقلب على نفسه! 

اتّضح بالكاشف اليومَ أنّ وهمَ المدينة المنوّرة الذي قد يرتقي إلى مرتبة الوسواس القهري هو ما يسكن روح شيخنا، فبعد عشر سنواتٍ وهو الشيخ السياسي الفيلسوف على رأس البلاد لا يكاد يقتنع بأنّ تونس ليست تلك المدينة...

إنّها بلاد آثمةٌ، مثقلة بالأحزان ولا فائدة تجنيها من غزواته الشّخصيّةِ، لا شيء تجنيه من مؤلّفاته ولا من صفحته على الويكيبيديا ولا من كلّ الشّهادات الفخريّة الّتي نالها ولا حتّى من الجوائز الّتي تحصّل عليها. إنّها بلادٌ نسيت معنى الأخوّة والتّضامن الاجتماعيّ. شّتتها أبناء الشّيخ وأتباعه بين كافرٍ ومسلمٍ وبين يسار ويمينٍ وبين تجمُّعيّ قديمٍ ظلّ على عناده وتجمعي جديد دخل إلى النّهضة من الحمّام.

  طالعتنا صورةٌ أخيرةٌ للشيخ وهو في منزله يجلس إلى طاولة ويتناول فطوراً صباحيّاً نبويّاً أو لعلّه متأثّر بالطبّ النبويّ على الأقلّ، بعض التمر واللبن وزيت الزّيتون وجريدة الشّروق. هكذا هو الغنّوشيّ الثّاني، صورةٌ هادئة خارج الإطار الانقلابيّ لشعب يكادُ ينقلب على نفسه! صورة لا نسمة فيها في بلاد تهزّها الأعاصير! صورةٌ خارج السّياق، تصنع قداستها السّيريّة التّاريخيّة بكلّ أنانيّةٍ...

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard