رئيس "النهضة" منذ 50 عاماً... مخاوف داخل الحركة من تحوّل الغنوشي لـ"ديكتاتور" جديد

الجمعة 18 سبتمبر 202008:26 م

لطالما نادى رئيس "حركة النهضة" راشد الغنوشي خلال مسيرته السياسية بتداول السلطة في بلاده، فعارض تمديد ولاية الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي في رئاسة تونس، لكن هو نفسه لا يزال يتمسك بمنصبه منذ عام 1969.

في 16 أيلول /سبتمبر، دعا 100 عضو في النهضة الغنوشي الذي يترأس البرلمان التونسي إلى عدم تمديد بقائه في رئاسة الحركة، مطالبين إياه بضرورة الالتزام بتداول منصبه وفقاً للقواعد الداخلية.

وتُعد النهضة من الأحزاب التي استطاعت البقاء بعد الثورة التونسية، مقارنة بأحزاب أخرى انقسمت واختفت من الساحة، وكانت تتفاخر دائماً بأنها حزب ديمقراطي، فجاءت أزمة تداول رئاسة الحركة كاختبار لمدى التزام رئيسها بمبادئ الثورة التونسية وبقائها موحدة.

عريضة للغنوشي

تقدم 100 عضو من النهضة، بينهم أعضاء في المكتب التنفيذي ومجلس الشورى والكتلة البرلمانية فضلاً عن بعض القيادات في أقاليم تونس، برسالة إلى الغنوشي طالبوه فيها بالإعلان عن عدم الترشح لرئاسة الحركة في المؤتمر العام القادم.

واعتبر الموقعون على الرسالة أن عدم ترشح الغنوشي لولاية جديدة سيؤكد احترام الفصل 31 من النظام الداخلي، إضافة إلى ترسيخ مبدأ التداول القيادي، وتوفير شروط نجاح المؤتمر الحادي عشر المفترض عقده قبل نهاية العام الحالي.

وأوضح القيادي في حركة النهضة سمير ديلو أن الفصل 31 من النظام الداخلي للحركة واضح وصريح ويسمح بالترشح لدورتين فحسب، مشيراً إلى أن العريضة تضمنت العديد من تواقيع شخصيات داخل النهضة بعضها لا تتقلّد أي منصب، إضافة إلى أن العديد عرضوا التوقيع لكن الحزب اختار الإبقاء على 100 توقيع كرقم رمزي، حسب تعبيره.

ولفت ديلو إلى أن العريضة تدخل في إطار تقييم أداء الحزب، مندّداً وصفها بـ''الانقلاب'' على رئيس الحركة.

وقال:''نحن نعتبر أن المسؤولية جماعية ولم نحمّل الغنوشي مسؤولية ما آلت إليه البلاد أو الحزب، ولم نطالب بعزله أو إنهاء مهامه بل طالبنا باحترام القانون''.

يدور الحديث حالياً حول مستقبل حركة النهضة في ظل وجود الغنوشي، وبينما يختزل عدد من القيادات الحركة في شخص الغنوشي، وهم على قناعة بأنها لا يمكن أن تتواجد بدونه، يريد المعارضون لبقاء الرئيس الحالي أن يعطوا صورة أخرى للحركة وهي أنها حزب ديمقراطي

واعتبر القيادي في الحركة أن الجمع بين مهمتين (رئيس مجلس نواب الشعب ورئيس حركة النهضة) صعب جداً وشبه مستحيل، لكن ذلك ليس المقصد من العريضة وإنما مقصدها ألا يكون المؤتمر الآتي لـ''الخصام'' بل أن يتم عبره المرور لما ينفع الناس.

رسالة منسوبة للغنوشي

مع انتشار خبر العريضة، تناقلت وسائل إعلام تونسية رسالة منسوبة إلى الغنوشي يعبر فيها عن رفضه للمطلب، واصفاً فيها الطريقة التي تم تسليم العريضة له بالزيارات المعتادة لنفر من قادة الجيوش في الهزيع الأخير من الليل لرؤساء بلادهم يبلغونهم الأمر بالتنحي، حيث زاره خمسة من قياديي الحركة مع المغرب لتسليمه العريضة.

وقال الغنوشي في الرسالة المزعومة إن الزعماء في الأحزاب الديمقراطية يمثلون الاستثناء من القاعدة لقدرتهم على الصمود بحكم جلودهم الخشنة وقدرتهم على تحمل الصدمات و هم يمثلون "قوة دفع وتعبئة لشعوبهم وراء أحزابهم فتظل شعبيتهم وأحزابهم في صعود او تراجع محدود حتى يتبؤوا معها مقامات قيادة البلاد، فلماذا يغيرونها وهي في قمة عطائها وإشعاعها داخل البلاد وخارجها؟".

وفي تعليق على الرسالة المزعومة، قال زوج ابنة الغنوشي والقيادي في حركة النهضة رفيق عبد السلام: "الحديث عن الزعماء و جلودهم الخشنة ليست لغة راشد الغنوشي، من خلال حدسي و قربي من راشد الغنوشي، نشك أنه الذي كتب الرد على رسالة المائة... موش (ليس) لغة الشيخ و لا أسلوبه... الأقرب سيتم تكذيب الرسالة هاذي".

و قال عبد السلام، عبر إذاعة "موزاييك"، إن "الحركة بحاجة إلى راشد الغنوشي".

"الغنوشي تخلص من القيادي عبد الحميد الجلاصي، صديقه ورفيق عمره ودربه، وهو مستعد للتخلص من الجميع وعدم ترك رئاسة الحركة"... مئة عضو من "النهضة" وقعوا على عريضة مطالبة باختيار بديل للغنوشي على رأس الحركة قبل المؤتمر العام القادم

من جانبه أكد القيادي في حركة النهضة زبير الشهودي، في حديث لرصيف22، على أن "رفض الغنوشي لطلب العريضة لن يُغيّر من الموقف، لكن لو يقبل فإنه يجنبنا معركة داخلية لا يريدها كل عاقل".

زعيم لا يُعزل

يبدو أن الغنوشي يخشى أن يؤدي عزله من رئاسة النهضة إلى اختفائه من الساحة، على الرغم من ترؤسه مجلس النواب، لذلك يحاول التسويق بأنه زعيم تاريخي وليس مجرد رئيس حزب.

وقال المحلل السياسي بلحسن اليحياوي إن الحديث حالياً يدور حول مستقبل النهضة في ظل وجود الغنوشي، إذ يختزل عدد من القيادات الحركة في شخص الغنوشي، وهم على قناعة بأن الحركة لا يمكن أن تتواجد بدونه.

ولفت، في حديثه لرصيف22، إلى أن المعارضين للغنوشي يريدون أن يعطوا صورة أخرى للحركة وهي أنها حزب مدني وديمقراطي ليس له علاقة بالإخوان، بمعنى أنهم يريدون تَوْنسة الحركة بصورة أكثر فاعلية.

وبرأيه، يدور الصراع حالياً بين أعضاء النهضة الذين كانوا داخل تونس قبل الثورة والذين كانوا في الخارج وعادوا بعد سقوط حكم بن علي عام 2011، مشيراً إلى أن الطرف الأول هو من يقود حملة الإطاحة بالغنوشي الذي كان يقيم في الخارج.

وربط اليحياوي الخلاف الدائر حالياً بالصراع على إدارة اقتصاد الحركة وليس حول قضايا سياسية أو حزبية، بينما يُسوّق الغنوشي نفسه كزعيم، والزعيم يظل زعيماً طوال حياته.

وفي السياق، لفت اليحياوي إلى أن "الغنوشي يرى أن قيادته الحكيمة جنّبت الحركة السيناريو المصري، وجعلتها عاملاً أساسياً في صنع القرار السياسي في تونس، وقادرة على التأثير في ليبيا والجزائر ومنطقة المتوسط كلها".

وفي نهاية كلامه، يذكّر اليحياوي بأن "الغنوشي تخلص من القيادي عبد الحميد الجلاصي، صديقه ورفيق عمره ودربه، وهو مستعد للتخلص من الجميع وعدم ترك رئاسة الحركة".

ورأى العضو المستقيل من الحركة عبد الحميد الجلاصي بدوره أن العريضة تفتح الباب على إشكال عام في تونس، وهو مسألة "السلطة".

وأضاف الجلاصي: "لم يحصل تداول قيادي في النهضة في حضور الغنوشي، وإذا حدث تمديد للغنوشي لدورة ثالثة سيكون هذا تأبيد متواصل منذ 1969"، موضحاً أن محاولات عديدة حصلت سابقاً لمناقشة موضوع "السلطة" داخل النهضة لكنها فشلت، مشيراً إلى أن العريضة الأخيرة إصلاحية التوجه وتطالب بمطالب بديهية جداً أبرزها مسألة تداول السلطة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard