شريعة الغاب تقضي بإحراق فنان جزائري تطوّع لإخماد الحرائق

الاثنين 16 أغسطس 202103:15 م

هناك مثلٌ شعبي يقول: "خيراً تعمل شراً تلقى"، وهذا المثل ينطبق تماماً على حكاية هذا الفنان الذي راح ضحية جريمة مروّعة في مدينة "الأربعاء ناتي راثن" بولاية تيزي وزو الجزائرية، حيث سافر للتطوّع والمساعدة في إخماد حرائق الغابات المشتعلة، ولم يكن يعلم أنه سيتعرض للقتل والحرق بتهمة افتعال الحرائق.


وأثارت الجريمة الهمجية التي وثقها القتلة ونشروا صورها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، زاعمين القصاص من أحد مشعلي الحرائق، غضب وحزن الرأي العام الجزائري، وانقسامه بين اتهام القبائل بقتل الشاب البريء وبين تبرئته، في مشهد أثار مخاوف من وقوع فتنة بين القبائل تعيد إلى الأذهان ذكريات سوداء وشبح العشرية السوداء.

كان الشاب جمال بن إسماعيل، الشهير بـ"جيمي"، موسيقياً ورساماً، له عدداً من الأغاني المصوّرة والمتداولة عبر الإنترنت، بعضها كان للجزائر، ولكونه محباً للعمل الخيري والتطوعي، سافر من مدينة مليانة في ولاية عين الدفلى إلى تيزي وزو لأجل التطوع والمساعدة في إخماد الحرائق، وهو ما أكده الفيديو الذي التقط له ساعات قبل مقتله.


يقولون إن "الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة"، ونوايا جمال الطيبة لم تشفع له عند المجرمين الذين ترصدوه واعتدوا عليه لاشتباههم في إشعاله الحرائق، وفشلت الشرطة المحلية في إنقاذ الشاب البريء، ليقتل بحكم شريعة الغاب في وسط الشارع العام وعلى مرأى ومسمع من الحشود الغاضبة.

أنا مثل عيسى عائدٌ وبقوةٍ من كل عاصفة ألمُ شتاتي

 وأصيب الوسط الثقافي الجزائري بالصدمة والغضب لمقتل الفنان التشكيلي الشاب جمال بن إسماعيل، وسارع مثقفون لإطلاق حملة الدفاع عن المرحوم جمال بن إسماعيل، ودشنوا وسمي #لا_للفتنة، #جمال_بن_إسماعيل_في_قلوبنا، مطالبين بالقصاص العادل.


وتداول العديد من المثقفين على نطاق واسع قصيدة “أنا كالقيامة ذات يوم آت”، للشاعر مهذل الصقور، مؤكدين أنها تحكي حكاية الفنان المغدور، وكأنها لسان حاله؛ حيث تقول كلماتها:

أتظن أنك عندما أحرقتني/ ورقصت كالشيطان فوق رفاتي

وتركتني للذاريات تذرني/ كحل لعين الشمس في الفلوات

أتظن أنك قد طمست هويتي/ ومحوت تاريخي ومعتقداتي

عبثا تحاول لا فناء لثائر/ أنا كالقيامة ذات يوم آتِ

أنا مثل عيسى عائدٌ وبقوةٍ/ من كل عاصفة ألمُّ شتاتي

سأعود أقدم عاشق متمرد/ سأعود أعظم أعظم الثورات

إنهم يفتحون أبواب جهنم 

من جهته، وصف الروائي الجزائري الكبير واسيني الأعرج ما حدث بالصدمة الكبيرة، مؤكداً أن الشاب الذي أُحرق بتهمة إضرام النار في غابات تيزي وزو  وبجاية، قُتل ظلماً في ظل غياب القانون والدولة والحماية.

وأوضح الأعرج أن الضحية هو الفنان التشكيلي والغنائي جمال بن إسماعيل من مليانة، يعرفه الناس جيداً، وصفحته الحية على الفيسبوك والرافضة للظلم، والمدافعة عن الحرية، دليل على التزامه بالنضال في المجتمع المدني، مشيراً إلى أنه ذهب ليساعد إخوته في منطقة القبائل لإطفاء النيران، حولته الهمجية المندسة بين الناس المجروحين من الحريق، إلى رماد بعد أن أحرق حياً، ولم تترك له أي فرصة للدفاع عن نفسه من التهمة.

وصف الروائي الجزائري الكبير واسيني الأعرج حادثة مقتل الفنان جمال بن إسماعيل، بالصدمة الكبيرة، مؤكداً أن الشاب الذي أُحرق بتهمة إضرام النار في غابات تيزي وزو  وبجاية، قُتل ظلماً في ظل غياب القانون والدولة والحماية

ويدُقّ الروائي الشهير ناقوس الخطر، قائلاً: "إن الجزائر في خطر، إنهم يفتحون أبواب جهنم وسياسة الأرض الحروقة"، لافتاً إلى أنه لم يعد قادراً على النوم ولا على الصمت، داعياً بالرحمة الواسعة للفنان جمال، ولكل شهداء الحرائق.

فيما اعتبر الكاتب الجزائري، بلحسن سيد علي، في تصريحات لـرصيف22، أن موقف المثقفين في بلاده من جريمة حرق جمال بن إسماعيل، هو الإنكار، لكن المسألة أعمق من ذلك؛ حيث أن الحملات التضامنية مع الضحية قام بها سكان المنطقة وأعيانها أولاً، إلاّ أن كل المثقفين يمضون تحت شعار واحد ألا وهو "لا للفتنة".

الطريقة التي قُتل بها الشهيد المغدور جمال بن اسماعيل والمراحل التي مرت بها توحي بأن الجماعة الاجرامية مدربة تدريباً عالياً على مستوى الفردي والجماعي

ويتحفظ بلحسن على اتهام أي طرف أو جهة بالتورط في الجريمة، ويرى أن الآن الوقت حساس وليس مناسب لتحليل الوضع، مضيفاً: "للأسف الجريمة غامضة ولم تظهر تفاصيلها بعد والأصداء متضاربة عن كون الجريمة منظمة أم عفوية، لهذا لا يمكن أن أتكلم عن الجريمة في الوقت الراهن حتى تتضح الأمور، وننتظر العدالة وما يسفر عنه التحقيق لمعرفة ملابسات الجريمة".

صراع تغذّيه أطراف في السلطة

 من ناحيته، يعتبر الدكتور فيصل الأحمر، الروائي الجزائري وأستاذ الأدب العربي بجامعة جيجل، أن ما يحدث في بلاده حالياً هو أزمة طبيعية "الحرائق" كشفت عن كارثة إنسانية كبيرة، قائلاً: "بعدما كنا نحارب النيران، حدثت الواقعة الأليمة لاغتيال الشاب الفنان المرحوم جمال بن اسماعيل تحت كاميرات هواتف المشاهدين، الذين لم يتدخلوا إلا بشكل محدود في الواقعة، وهو ما أشعل نيراناً أخرى أخطر: الفتنة".

ويؤكد الأحمر أن ما حدث نادر الحدوث، وغامض جداً ولا يشبه المعروف عن  الفرد الجزائري والمجتمع الذي يشكله، محولاً قناعاته إلى منظومة قيم، مستبعداً عنه صفتي الإجرام والتعدي السافر؛ موضحاً أن إحدى أكبر التهم التي يتداولها الخطاب الشعبي الجزائري من أجل الحط من قيمة أي شخص هي تهمة "حقار" أو "حگار"... وهذه الصفة تصف العدوان في حالة الاقتدار، هو عدوان القوي على من هو أضعف منه، وهي صفة مكروهة جداً لدى الشعب الجزائري.

ويفسر الأحمر صمت الدهشة، الذي ميز النخب الجزائرية، بغموض الحادثة؛ حيث لم تفهم النخبة جيداً ما حدث، وكيف ولماذا حدث؟ في ظل رفض واسع للتفسير الإيديولوجي الذي يربط الحادثة الإجرامية التي أدانتها النخب الأمازيغية (القبائلية) إثر انتشار التفسير الكلاسيكي المفتعل لكل ما يحدث على أنه الصراع العرقي والإيديولوجي: عربي/ قبائلي، مؤكداً أنه صراع تغذيه أطراف في السلطة باتت معروفة، لأنه يخدم حالة القلق التي تجعل تسيير الشأن السياسي وتصريف الحياة الحزبية ذات المصالح الضيقة أيسر، ولكنه وضع انفجاري يحدث أن ينقلب سحره على ساحره، مشيراً إلى أن الحراك الشعبي الجزائري قد بيّن بطلان المزاعم كلها في وعي الشارع الجزائري.

ويعتقد الأحمر أن أجواء الجريمة الأليمة التي هزت الجزائر كانت نتيجة فوضوية لحالة هلع بسبب الحرائق أججت شعوراً بالقهر والاحتقان في المنطقة كلها، أفضى إلى كارثة وطنية حقيقة.

الجهل أشد عداوة من النار

ويروي الدكتور بومدين بلكبير، الروائي والأكاديمي الجزائري، لـرصيف22، ملابسات تلقيه لصدمة مقتل الفنان الشاب، في اليوم الحادي عشرة من شهر آب/أغسطس، وتحديداً في التاسعة وتسع دقائق ليلاً، حين شاهد فيديو يصور القبض على مشتبه به في إشعال حريق في غابة ببلدية الأربعاء ناث إيراثن، بمدينة تيزي وزو، ثم فيديو آخر للركلات وهي تنهال عليه من قبل الناس (من كل الجهات) وهو داخل سيارة الشرطة، ومن بعد كيف اختطفوه، ثم ضربوه حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، ولاحقاً أحرقوه ونكلوا به بطريقة احتفاليّة غريبة، وبعد ذلك ألتقطوا مع الجثة المتفحمة صور سلفي.

الدكتور فيصل الأحمر، الروائي الجزائري وأستاذ الأدب العربي بجامعة جيجل: "بعدما كنا نحارب النيران، حدثت الواقعة الأليمة لاغتيال الفنان  جمال بن اسماعيل تحت كاميرات هواتف المشاهدين، الذي لم يتدخلوا إلا بشكل محدود في الواقعة، وهو ما أشعل نيراناً أخرى أخطر: الفتنة"

     ويتذكر بلكبير، كيف تدفقت الصور والأخبار حول جمال  المشتبه به في إضرام النيران، الساعة العاشرة ليلاً، حيث اتضح بما لا يدع مجالاً للشك أن الشاب المسكين ذهب إلى مدينة تيزي وزو متطوعاً بصفته فناناً موسيقياً ورساماً ومواطناً آلمته المأساة التي حلت بمنطقة تيزي وزو، وعاد إلى مدينته مليانة جثة متفحّمة.

ويتساءل بلكبير من أين أتت تلك الهَمَجية، والتوحّش، والحيوانية؟! هل الأمر لا يعدو أن يكون مجرد جماهير غاضبة وراغبة في الانتقام، أم أن غياب السلطة عن ممارسة أدوارها ومهامها جعل من حشود الجماهير العمياء والهائجة تقتص بنفسها، أم أن فقدان شرعية ومصداقية النظام الحالي دفع تلك الحشود البدائية إلى البحث عن قربان أو شماعة تعلق عليها أسباب كل مآسيها والأزمات التي مرت بها؟ أم أن هناك أسباباً أخرى تحتاج إلى دراسة عميقة من قبل علماء ومختصين في علم نفس وسلوك الانسان الجزائري المعاصر؟ مؤكداً أن الجهل أشد عداوة من النار... يفعل الجهل بنا أكثر مما تفعله النار وجل الأعداء مجتمعين.

الأرواح الملائكية تَعافُ شياطينَ الأرض

بينما طالبت الروائية الدكتورة ربيعة جلطي الزَّرْهوني، البروفيسور بالجامعة المركزية الجزائر العاصمة، بمحاكمة عاجلة لجميع المتورطين، سواء بالفعل أو الحضور أو اللامبالاة أو التهييج، في إزهاق روح الفنان الشاب المتطوع جمال بن اسماعيل؛ وذلك حتى لا تنتقل الحرائق من الغابات إلى القلوب.

وأضافت: "أعرف أن الأرواح الملائكية تحبّ وسعَ السموات وعطرَها.. الأرواح الملائكية تَعافُ شياطينَ الأرض.. لن ننساك.. أمسيتَ وشماً حزيناً في الذاكرة الجماعي.. رحمة الله عليك وتحيا الجزائر". 

فيما تؤكد فريدة طلحي أخصائية ممارسة في الوسط العقابي بالجزائر، في قراءة سيكولوجية سريعة لجريمة تيزي وزو،  أنها أعادت مشاهدة فيديو الجريمة، ولاحظت أن الطريقة التي قُتل بها الشهيد المغدور جمال بن اسماعيل والمراحل التي مرت بها توحي بأن الجماعة الاجرامية مدربة تدريباً عالياً على مستوى الفردي والجماعي، معللة ذلك بتقاسم الأدوار. أحدهم خلف السيارة، والثاني يسحب الضحية، وثالث يبعد الناس ورابع يصور، يظهر عامل التخطيط مع سبق الإصرار والترصد للجريمة، معتبرة أن هذا يترجم في تحديد وتقسيم أدوار المجرمين في مراحل الجريمة ومن خلال الوقت الذي استغرقته، غياب عنصر الدهشة والتوتر للمجموعة الفاعلة والذي يوحي بالتعود على الجريمة التي تمت باحترافية وتسلسل بالغ.

 وتعتبر طلحي أن بث الجريمة بكل أريحية وعلى مرأى العالم يوحي بأن الجماعة الإجرامية تدرك جيداً أنها محمية بطريقة عالية وفائقة ومن جهات نافذة في الدولة، حتى لو ذهبت للمعالجة الأمنية؛ حيث كانوا يتصرفون بكل أريحية، لا خوف، لا دهشة، لا صدمة، لا ندم، مقدمين رسالة للعامة بأنهم يعيشون فوق السلطة والقانون.

ودفعت جريمة مقتل الشاب جمال بن إسماعيل، الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، إلى التأكيد على أن الجريمة "ليست عمل كل أبناء تيزي وزو أو الأربعاء ناث إيراثن"، داعياً شعبه إلى عدم السقوط فيما وصفه بـفخ المنظمتين الإرهابيتين اللتين تحاولان الاستثمار في هذه المسألة لضرب الوحدة الوطنية.

يشار إلى أن آلاف الجزائريين شاركوا، الخميس 12 آب/أغسطس ، في تشييع ودفن جثمان الفنان الشاب المغدور، بمدينة خميس مليانة، بعد وصول جثمانه المحترق من ولاية تيزي وزو.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard