حرائق الجزائر تصل إلى الشارع مهدّدة بإشعال فتنة شعبية جديدة

الخميس 12 أغسطس 202105:29 م

لم يستفق الشعب الجزائري من خبر وفاة المدنيين والعسكريين إثر الحرائق المستعرة التي مست 18 ولاية في الجزائر في وقت واحد، حتى اصطدم بكارثة انسانية يندى لها الجبين حدثت بمنطقة "الأربعاء ناث إيراين" التابعة لمدينة تيزي وزو أكثر المناطق تضرراً من الحرائق.

وقد أقدمت مجموعة من سكان القرية على حرق شاب اشتبه في كونه مشعلاً للحرائق بعد ضربه وسحله بطريقة وحشية. وحاصر بعض ساكني المنطقة هذا الشاب في منطقة غابية بعد أن تبين لهم أنه ينحدر من مدينة أخرى واشتبهوا في تورطه في إشعال الحرائق. فمن السهل اكتشاف كل من لا ينتمي لمنطقة القبائل نظراً لاستخدام سكانها اللغة الأمازيغية في التواصل وتميزهم بلكنة معروفة تظهر عندما يتواصلون بالعربية.

ورغم أن عناصر الأمن نجحت في اقتلاعه من أيادي السكان الغاضبين فإن الضحية لم يسلم من وحشية الحشد.

 ويظهر فيديو تم تداوله على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي أن الحشد تمكن من اقتحام سيارة الشرطة وسحب "المتهم"  وإسقاطه أرضاً قبل أن ينهالوا عليه بالضرب والسحل في صور أثارت هلعاً وسخطاً واسعين بين الشعب الجزائري. ولم يتوقف الحشد الغاضب عند هذا الحد، بل أقدم على حرق "المتهم الضحية" حياً حتى وافته المنية وتحولت جثته، حسب ما تظهره مقاطع الفيديو، إلى كتلة متفحمة غير واضحة المعالم. وأكثر من هذا، قامت مجموعة من مرتكبي هذه الجريمة بأخذ صور "سيلفي" للجثة المتفحمة ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

 لم تمر سوى دقائق على هذه الحادثة حتى نشر سكان مدينة مليانة التابعة لولاية عين الدفلى شمال الجزائر مقطعاً يوضحون فيه أن الشخص الذي تم حرقه لم يكن في الواقع سوى "جمال بن سماعيل" أو "جيمي" كما يدعوه أصدقاؤه، وهو من مدينة مليانة أمضى الليلة في جمع التبرعات من سكان المنطقة للمساهمة في عمليات إغاثة ولاية تيزي وزو قبل أن يتوجه إلى الولاية بغرض المشاركة في عمليات إخماد النيران على غرار باقي الذين تنقلوا من مختلف الولايات بغرض الإغاثة.

لا تكاد تمر أزمة تواجهها الجزائر إلا وتسارع السلطات إلى ردها لمؤامرات تخطط لها وتنفذها أطراف محسوبة على نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، فيما عرف في الأوساط الحكومية والإعلامية والشعبية بمصطلح " العصابة".

 جمال فنان موسيقي، رسام وكاتب أغانٍ. يغني للجزائر تارة، ويرسمها تارة. اشتهر في مدينته بمشاركته الدائمة في الأعمال التطوعية وبسمعته الطيبة. وتداول رواد فيسبوك الكثير من الفيديوهات التي يظهر فيها الضحية، كان أكثرها مشاهدة الفيديو الذي نشرته قناة الأوراس أثناء تغطيتها لعمليات إخماد الحرائق. إد شاءت الصدفة أن يحاور صحافي القناة الضحية قبل سويعات من وفاته. ظهر "جيمي" في التقرير المصور يستنجد المواطنين لارسال اللوازم الضرورية لمساعدة سكان المنطقة الذين وصفهم في حديثه " بأهله وإخوته وأحبابه". في حين تداولت الصفحات فيديو قديماً للشاب وهو يعزف على آلة الغيتار ويدندن " نعشقك يا جزائر". ويتضح جلياً أن تصرف الحشد الذي أودى بحياة "جيمي" نابع من غضب عارم ورغبة كبيرة في الانتقام من المتسبب في إشعال الحرائق خاصة بعد تصريحات المسؤولين الجزائريين الرامية لكون هذه الحرائق مفتعلة من قبل جهات تستهدف الوطن.

النظام الجزائري يتبنى نظرية المؤامرة في تفسيره للأزمة

"وحدها الأيادي المجرمة يمكن أن تكون مسؤولة عن اندلاع نحو 50 حريقاً في آن واحد في عدة مناطق بالولاية".

هكذا صرح وزير الداخلية كمال بلجود، في حديثه عن الحرائق التي عصفت بمدينة تيزي وزو، أولى الولايات التي اشتعلت بها شرارة الحرائق قبل أن تمتد إلى سبع عشرة ولاية أخرى في وقت قياسي. وهو ما ذهب إليه محافظ الغابات في تصريح للتلفزيون العمومي إذ أكد أن الحرائق مفتعلة وغير طبيعة وتم اختيار يوم يتميز بارتفاع شديد في درجة الحرارة لتسهيل اندلاع ألسنة اللهب، خاصة أن نشرة خاصة قد صدرت قبل أيام حذرت من ارتفاع شديد لدرجة الحرارة. كما ساهم هبوب الرياح  في انتشارها على حد قوله، مؤكداً أن الأماكن التي اندلعت فيها الحرائق خرى اختيارها بـ"عناية" وبعملية شيطانية.

أربعة "أشخاص" في قفص الإتهام

أعلنت الإذاعة الجزائرية، الثلاثاء، عن توقيف ثلاثة من "مشعلي الحرائق" في مدينة المدية الواقعة شمال الجزائر. وهو ما أكده الوزير الأول مشيراً إلى أن أحد الموقوفين اعترف بفعله "الإجرامي". وفي السياق، أعلنت وكالة الأنباء الجزائرية مساء نفس اليوم أن وحدة الدرك الوطني ببلدية سرايدي التابعة لولاية عنابة بشرق الجزائر تمكنت من توقيف شخص متلبس بحرق غابة بجبال سرايدي. وتعتبر هذه التوقيفات الأمنية أحد أهم العوامل التي اعتمدت عليها السلطات الجزائرية ووسائل الإعلام العمومية والخاصة لتأكيد الفرضية القائلة بأن اندلاع الحرائق الهائلة، التي ارتفعت حصيلتها إلى 65 وفاة بين أفراد للجيش الوطني والمدنيين ليست سوى جريمة منظمة تستهدف الدولة. لكن الغريب أن وكالة الأنباء الجزائرية لم تذكر في مقالها أن الشخص الذي تم توقيفه ببلدية سرايدي بعنابة ليس سوى شيخ في الثمانين من العمر، أشعل النار في حديقة منزله قبل أن تنتشر لتمس غابة "الرندة" المحاذية لمقر سكنه. وهو ما أكده قائد الكتيبة الاقليمية للدرك الوطني الرائد عبد الرزاق معاشوا لوسائل الإعلام المحلية اليوم. وذهب بعض الصحافيين المحليين في حديثهم إلى رصيف22 للقول إن خلفية اندلاع الحريق بجبال سرايدي تجعلهم يستبعدون كلياً كونها فعلاً إجرامياً ارتكبه الشخص الذي تم القبض عليه. فكل المؤشرات، حسبهم، تؤكد أن الموقوف لم يكن ينوى القيام بأي فعل "شيطاني" نظراً لسنه وكذا للمكان الذي أضرم فيه الحريق. فقد اعتاد بعض السكان إحراق القمامة والأعشاب الضارة بعد نزعها من حدائقهم ومن المؤكد أنه فقد السيطرة على ألسنة اللهب بسبب سرعة انتشارها.

الكثير والكثير من المؤامرات

في حديثها لرصيف22 ترى فاطمة الزهراء بولدروع، أستاذة جامعية بقسم الإتصال، أنه "من غير الممكن نفي عدم وجود مؤامرة في إشعال الحرائق في عدة مناطق من الوطن في حين هناك عوامل مناخية طبيعية وبشرية قد تكون السبب في ذلك. لكن لجوء السلطة إلى نظرية المؤامرة يجبرها على تقديم الأسباب والأطراف الفاعلة والحلول بعد الأزمة وإلا فيمكن القول إنها تبنت المؤامرة كأستراتيجية اتصالية في تسيير الأزمة نظراً لمدى قبولها وترسيخها في الثقافة الجماهيرية"

لا تكاد تمر أزمة تواجهها الجزائر إلا وتسارع السلطات إلى ردها لمؤامرات تخطط لها وتنفذها أطراف محسوبة على نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، فيما عرف في الأوساط الحكومية والإعلامية والشعبية بمصطلح " العصابة". فقد سبق  أن اتهم الرئيس عبد المجيد تبون جهات مجهولة بإضرام النار في غابات تيبازة، غرب العاصمة العام الماضي. وهو نفس الخطاب الذي تم تبنيه لتفسير اشتعال نيران كادت تعصف بمنطقة الأوراس قبل شهر. وأبعد من ذلك، حمّل الخطاب الرسمي هذه الأطراف مؤامرة افتعال الأزمة الحادة في السيولة بمراكز البريد التي شهدتها الجزائر السنة المنصرمة وأدت إلى غليان اجتماعي حاد. وهو نفس التحليل الذي اعتمد عليه الرئيس لتفسير مشكلة ندرة المياه، وحتى الفيضانات.

في الوقت التي يتبنى الكثيرون نظرية المؤامرة،  يذهب البعض الآخر لانتقاد ما يمكن وصفه بالاستغلال السياسي للأزمة من جهة ومحاولة التملص من المسؤولية من جهة أخرى

يخبرنا السيد رياض هويلي، الأمين العام لنقابة ناشري الإعلام بالجزائر، أن الحرائق تتميز بطابع إجرامي استناداً إلى مؤشرين على الأقل، يتمثل المؤشر الأول في كون هذه الحرائق قد مست 18 ولاية وهي رقعة جغرافية واسعة جداً. والمؤشر الثاني هو توقيت اندلاعها، فليس من الطبيعي أن تندلع كل هذه الحرائق في نفس التوقيت. ويعتقد محدثنا أن اشتعال الحرائق في نفس الوقت ينبئ بوجود تنظيم محكم ومخطط حقيقي اجرامي لفئة ما هدفها ضرب استقرار الجزائر وليس السلطة الحاكمة.

 وفي الوقت التي يتبنى الكثيرون نظرية المؤامرة،  يذهب البعض الآخر لانتقاد ما يمكن وصفه بالاستغلال السياسي للأزمة من جهة ومحاولة التملص من المسؤولية من جهة أخرى. يشير الصحافي وعضو الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان مصطفى بن جامع في حديثه لرصيف22 إلى أن "الحرائق قد مست كل دول البحر الأبيض المتوسط. ولم تهتف أي من هذه الدول بنظرية المؤامرة. لكن النظام الجزائري يفضل المخاطرة بهذا الطرح ليتملص من المسؤولية والفشل في إدارة الأزمات. وهو نفس المنهج الذي انتهجه النظام في تسيير كل الأزمات التي مرت بها الجزائر طيلة العامين الماضيين". ويضيف: "منهجية الأيادي الخارجية ونظريات المؤامرة التي يتبناها المسؤولون خلقت حالة من الشك والريبة تطورت إلى حالة من جنون الارتياب ليصبح الجميع متهماً حتى يثبت العكس. لقد صرحوا بأن الحرائق مفتعلة قبل حتى أن يتم التحقيق في الأمر". مؤكدا أنه "نظراً للحرارة الشديدة، من الطبيعي جداً أن نواجه اندلاعاً للنيران في كل الغابات التي تعاني حالة من الجفاف راجعة إلى عدم تساقط الأمطار منذ عدة أشهر".

دعوات لإيقاف الفتنة وأخرى لمقاطعة حملات الإغاثة

وفي الوقت الذي عجز فيه الجميع عن تقبل الفجيعة، بدأت بعض الجهات تدعو عبر تعليقات مكثفة في فيسبوك لمقاطعة عمليات الإغاثة الموجهة لمنطقة القبائل كرد فعل على ما حدث ل"جيمي". في حين دعا الكثير من المواطنين إلى التعقل وإخماد نار الفتنة بين سكان منطقة القبائل وباقي الولايات بعدما عانت منها الجزائر في مراحل عديدة من تاريخها، آخرها الانقسام الذي حدث في صفوف الشعب في الحراك الشعبي. خاصة أن سكان الولاية وممثليها تبرأوا من الحشد الذي ارتكب هذه الجريمة واعتبروه فعلاً منعزلاً، وقرروا التوجه لتعزية عائلة الفقيد وهو نفس التصرف الذي تبناه سكان ولاية عين الدفلى الذين دعوا إلى التعقل وأكدوا إدراكهم أن الجريمة لا تمثل سكان منطقة القبائل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard