ما جنى صلاح الدين الأيوبي ونظام المُلك بحق حرية الرأي.. وما خدما

الخميس 5 أغسطس 202109:00 ص


تعتبر حركة الإحياء السني التي ظهرت بداية من الحكم السلجوقي (1037-1157م) وجهاً من وجوه الصراع الديني بين السنة والشيعة؛ الصراع الذي برأي الكاتب السوري إبراهيم محمود في كتابه "الفتنة المقدسة" أنشأ نوعاً من عقلية التخاصم، و"حمى التاريخ" في الثقافة العربية، محولاً التاريخ الإسلامي إلى ما يشبه "أباً لأبناء كُثر من أمهاتٍ ضرائر"، وجزءاً أصيلاً من عملية التصفية الفكرية للفلسفة، وإغلاق باب العقل، التي عاشت عصرها الذهبي في كنف الدولة الأيوبية في عهد حكم صلاح الدين الذي اجتهد في كبت النزعات التقسيمية، وتوحيد جهود الأمة لمواجهة الصليبيين.

المدارس التي نشأت عن ذلك تمثل أيضاً ثورة في مجال التدريس، منفصلةً ومستقلةً عن المساجد والكتاتيب والبيوت العلمية، والتي ظهرت أول الأمر في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) نتيجة للنموّ الطبيعي الذي سبقها من مؤسسات علمية كـ"دار الحكمة" في بغداد التي أسسها هارون الرشيد ليشرف عليها مختصون، وليكون طلابها متفرغين وقفت لهم المصروفات والإعاشة فضلاً عن الدراسة والعلاج، مشاركاً في هذه الأنماط الوقفية خلفاء وسلاطين وأعيان وعامة الناس كما يذكر جرجي زيدان في كتابه "تاريخ التمدن الإسلامي".

وبجهد سلطوي سني لمواجهة التغلغل الشيعي الذي ترافق مع ضعف الدولة المركزية في بغداد وتمزقها السياسي، بلغ هذا التغلغل ذروة تطرفه الجهادي على يد فرقة "الحشاشين"، ومؤسسها الحسن الصباح في "ألَموت" الإيرانية.

ولأن من خصائص المزاج الطائفي كما يقول الكاتب الموريتاني محمد بن مختار الشنقيطي "الغلو في ردّ الغلو، والخطأ في إصلاح الخطأ"، فقد أنشئت هذه المدارس على منهج الأحادية المذهبية من المناهج السنية الأربعة، فكما يرى فضل الرحمن مالك في كتابه "الإحياء والإصلاح في الإسلام" إن جوهر التسنن يتوجه إلى الإذعان و الولاء المطلق للحاكم، دون أن نغفل عقيدة الإجماع وتوافق الأمة التي تؤدي إلى تجنب الحروب الأهلية برأيه، وبالتالي ضمور أي شكل من أشكال المعارضة السياسية والذي أصبح في يومنا هذا عُرفاً مؤسساً.

النظامية والشيعة

تنبأ الوزير نظام الملك الطوسي بخطر الشيعة، هو الذي استوزره السلطان ألب أرسلان عقب اعتلائه الحكم في السلطنة السلجوقية، فبقي في الوزارة ما يقارب الثلاثين عاماً منذ عام 455 للهجرة (1064م.). كان نظام الملك سنياً متحمساً متفقهاً على المذهب الشافعي، وفقاً لما يقوله أبو الفتوح بدوي في مؤلفه "التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني في المشرق".

أوعز صلاح الدين بقتل الفيلسوف السهروردي، بعد أن أقنعه فقهاؤه بضرورة التخلص منه كونه زنديقاً

قد ازداد آنذاك خطر الشيعة الباطنية والنزارية بشكلها الجهادي (الحشاشون)، وقد تمكنوا من تشكيل قوة كبيرة وتحصنوا في أقاليم الجبال، واتخذوا من الاغتيال وسيلة لإزالة خطر معارضيهم مما أشاع الرعب والاضطراب في البلاد، أبرزها عملية اغتيال قاموا بها ضد نظام المُلك في العاشر من رمضان 1092م، في بُروجِرد بالقرب من نهاوَند الإيرانية، كما يذكر ابن العديم في كتابه "زبدة حلب".

تمكن الحشاشون أيضاً من كسب أتباع كثر فعمل نظام الملك، وإلى جانب محاربتهم سياسياً وعسكرياً، إلى تأسيس المدارس وتأهيل فقهاء لمواجهتهم فكرياً. هذه المدارس التي عُرفت بـ"النظامية" نسبة إليه ظهرت في بغداد، ونيشابور، وأخرى بطوس، بهدف نشر الوعي.

نظام الملك كان يرى ضرورة مقاومة النشاط الشيعي الذي عمد إلى بناء الجوامع التي كانت تعتبر قبلةً لطلبة العلم من خلال حلقات المناظرة، فأدرك أهمية القيام بجهد علمي موازٍ يتصدى لهم بالحجة والبرهان المضاد، ومن هنا كانت فكرة المدارس وضروراتها.

وذلك إضافة إلى رغبته بنشر المذهب الشافعي والدفاع عن عقيدة الأشاعرة في ظل التعصب المذهبي القائم، لكون صاحب هذه العقيدة يعود بنسبه إلى النبي محمد. وبالتالي ضرب المذهب الشيعي الباطني الذي تبنته الدولة العبيدية التي ادعت ذات النسب.

ثم لكون الشافعية من وجهة نظره هي الأقدر على التصدي لخطر الشيعة الذين تسلحوا بالفلسفة، فكان يولي الحنابلة والحنفية القضاء، فيقلّ اشتغالهم بالتدريس ويتعطلون عن الفقه، وهو ما يذكره أيضاً ابن العديم وفقاً للمصدر سابق الذكر. هذا الالتزام بالأحادية المذهبية كاد يذهب بالنظامية عن أهدافها المرسومة كما يقول الدكتور عبد المجيد بدوي.

وقد عنيت هذه المدارس بتدريس العلوم الدينية استجابة لمقتضيات الصراع الديني ولمحاولة محو ما تركه التشيع زمن البويهيين، وكذلك النحو والأدب، فخُصص في كل مدرسة قسم للقرآن، وقسم لتعليم الفقه والأصول، وآخر للحديث والوعظ، وفرع للعربية وآدابها. وقد اشترط نظام الملك وجود مقرئ للقرآن، ونحوي يدرس العربية، وفقاً لما يورده الذهبي في كتابه "تاريخ الإسلام".

صلاح الدين ودوره في حركة الإحياء السني

تمكن صلاح الدين الأيوبي من تسلم السلطة منهياً الخلافة الإسماعيلية التي كانت في عهد الخليفة العاضد لدين الله تعيش أيامها الأخيرة بعد أن حظي بثقته، معلناً البيعة لخليفة بغداد المستضيء بنور الله، فخسر المذهب الشيعي سنداً قوياً، وضعفت شوكته وقوي النفوذ السني في مصر كما يؤكد نعمان الطيب سليمان في مؤلفه "منهج صلاح الدين في الحكم والقيادة".

رغم الصورة اللامعة التي حاول المؤرخون لصقها بصلاح الدين كونه محرراً للقدس، إلا أن العماد الأصفهاني يذكر لنا إحراقه مكتبات القصر الكبير ودار الحكمة ومكتبة الأزهر بهدف القضاء على الفكر الإسماعيلي الشيعي، ويتابع الأصفهاني، وهو من أقرب الناس لصلاح الدين، أنه أسند أمر تصفيتها لقائده التركي "بهاء الدين قراقوش"، المعروف ببغضه للكتب، ويروي أن جنوده كانوا ينزعون جلود الكتب ليصنعوا منها نعالاً وأحذية لهم، وفقاً لابن تغري في كتابه "النجوم الزاهرة".

جهد صلاح الدين ما استطاع لإحياء المذهب السني فقدم نفسه حامياً للخلافة العباسية في بغداد، ولأنه كان يرى في الشيعية (كحركة سياسية) عدواً يهدد سلطته، فقد اعتبروه كردياً من ناحية، وغير مصري من ناحية أخرى، كما أنه بسبب محاولة اغتيالهم له غير مرة عن طريق حشاشة سنان راشد الدين، اعتبرهم خارجين عن مذهب الخلافة والإسلام عقيدة وفقهاً، وفق ما ذكر ماجد فخري في كتابه "تاريخ الفلسفة الإسلامية".

تمكن الحشاشون أيضاً من كسب أتباع كثر فعمل نظام الملك، وإلى جانب محاربتهم سياسياً وعسكرياً، إلى تأسيس المدارس وتأهيل فقهاء لمواجهتهم فكرياً

أنشأ صلاح الدين المدارس الوقفية على المذهب الشافعي وسنن القضاء، ومن المدارس التي أسسها في مصر "الناصرية" في الفسطاط 1170م، "الصلاحية" بجوار قبر الشافعي في القرافة 1190م، "السيفية" على المذهب الحنفي، أما في بلاد الشام أسس "الصلاحية"، و"الكلاسة"، و"الغزلية" في دمشق، وأيضاً "الصلاحية" في القدس. كذلك أهتم بالفقهاء لتوجيه الناس نحو الجهاد ضد الصليبيين وللردّ على الشيعة وكشف بطلان وزيف مذهب الفاطميين كما يؤكد ابن تغري في "النجوم الزاهرة".

بغض الفلسفة وقتل السهروردي

يُعرف عن صلاح الدين أيضاً بغضه للفلسفة والمتكلمين، وخير دليل على ذلك إيعازه لابنه الملك الطاهر غازي (ت 1207م) بقتل العالم والفيلسوف شهاب الدين السهروردي، بعد أن أقنعه فقهاؤه بضرورة التخلص منه كونه زنديقاً، بحجة آرائه الفلسفية التي تمس الذات الإلهية، ومزجه في فلسفته بين حكمة اليونان وديانات الفرس من مزدكية و مانوية والصابئة أيضاً، ومروجاً أن النبوة لا تنتهي، ومسمياً نفسه بالمؤيَّد بالملكوت، إضافة لتأثره بالفكر الإسماعيلي وفقاً لما يذهب إليه محمد علي أبو ريان في كتابه "تاريخ الفكر الفلسفي الإسلامي".

كل ذلك جعل صلاح الدين يعتبر الأمر تأثراً سياسياً يسعى للقضاء على سلطانه فقتله. وعلى الرغم من كثرة إنشائه للمدارس والمساجد والخانقات، إلا أن الكثيرين يعتبرونه قاتلاً للفكر ومحرقاً للكتب وأحد أسباب جمود الأمة كما يذهب ماجد فخري في كتابه آنف الذكر.

لكنه باعث لنهضة فكرية أيضاً!

ورغم كل ذلك لا يمكننا إلا اعتبار صلاح الدين باعثاً لنهضة فكرية وعلمية كبيرة، انبثقت عن دُور العلم الكثيرة التي شيدها، ساهمت في استقطاب كثير من العلماء من مختلف البلدان الإسلامية، وعملت على تثقيف الناس، فأسهمت في تحقيق شيء من الوحدة الفكرية، مما كان له أثر كبير في بناء مجتمع قويّ ومتماسك، استطاع أن يتغلب على ما كان يتهدده من أخطار داخلية وخارجية على السواء، كما يرى الدكتور نعمان الطيب سليمان في كتابه "منهج صلاح الدين الأيوبي في الحكم والقيادة".

في الحقيقة إن التطرف والتعصب والغلو وتعطيل العقل وبداية للانتحار الفكري الإسلامي، خلقت نماذجه السلفية الأولى بدءاً من الحنابلة الذين دمروا برفضهم للتجديد ومعاداتهم للمعتزلة وغيرها من الفرق الكلامية، إضافة للاستثمار السياسي بالدين سواءً من قبل السنة أو الشيعة، والذي أدى إلى توطين السلفية التي ترفض الآخر المخالف، وإتباع السلف الصالح؛ ما ترك لنا اليوم خطاب أبو قتادة الفلسطيني أحد وجوه التكفيرية السلفية الحديثة وهو يقول "أيها المسلمون لا بديل عن النار، لا بديل عن السلاح، لا بديل عن الدم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard