"حيّ على خير العمل"... الأذان الشيعي يتردّد داخل الكعبة

الاثنين 9 أغسطس 202112:51 م

شكّلت إقامة الخلافة العباسية في بغداد أول خطوة في تكثيف التواجد العلوي (أحفاد علي بن أبي طالب) في بلاد الحجاز. فطوال الدعوة السرية لـ"حُكم آل محمد"، اعتبر العلويون أنهم شركاء العباسيين في حربهم على الأمويين، لكن ما إن وصل العباسيون إلى الحكم، حتى أقاموا دولة عباسية خالصة لا دور للعلويين فيها، فاعتبروا أن أبناء عمّهم خدعوهم واغتصبوا حقهم في السلطة، ورفعوا عليهم راية العصيان.

وضع العلويون خطة طويلة الأجل لاستعادة حقهم المسلوب في المُلك، ارتكزت هذه الخطة على تحويل بلاد الحجاز إلى قاعدة هجوم علوية ضد بغداد وأهلها.

بلاد الحجاز العلوية

تقول حسناء الدمرداش في بحثها "أثر الصراعات السياسية على أوضاع الحجاز من أواخر العصر العباسي الأول وحتى قيام الخلافة الفاطمية": "أحب أهل الحرمين الشريفين العلويين، فجعلوا بلادهم أساس انطلاق ثوراتهم ضد الخلافة العباسية، هذه الثورات أثّرت بشدة على الحياة العامة في بلاد الحجاز، حتى أنه في عام 199هـ/814م صلّى الناس في عرفة بلا إمام، بعدما فرَّ الأمير العباسي حين علم بنية العلويين الاستيلاء على المدينة".

شكّلت إقامة الخلافة العباسية في بغداد أول خطوة في تكثيف التواجد العلوي  في بلاد الحجاز. فطوال الدعوة السرية لـ"حكم آل محمد"، اعتبر العلويون أنهم شركاء العباسيين في حربهم على الأمويين، لكن ما إن وصل العباسيون إلى الحُكم، حتى أقاموا دولة لا دور للعلويين فيها

بالفعل، دخل الشيعة المدينة في هذا العام وأعلنوا تسمية محمد بن جعفر، حفيد علي بن أبي طالب، أميراً للمؤمنين، وبايعه أهل مكة على الخلافة داخل الكعبة، ما دفع الخليفة العباسي المأمون لتجريد حملة بقيادة ولده أبي إسحق، أعادت المدينة المقدّسة إلى المعيّة العباسية من جديد.

رغم هذا الفشل، لم تنقطع محاولات العلويين لانتزاع مكة من الفلك البغدادي، منتهزين أمارات الضعف التي بدت على الدولة العباسية، وسيطرة الترك ثم البويهيين على بغداد، وتحكمهم التام في شؤون الحكم.

هذه المرة أتت المحاولة على يدي حفيد آخر لعلي هو إسماعيل بن يوسف، الذي نجح في التمرد على الواليين العباسيين المُعيَّنين على مدينتي مكة والمدينة سنة 251هـ/865م، وفشلت كل الجيوش العباسية التي وجّهها الخليفة المعتز في استعادة المدينتين، اللتين لم تعودا إلى طاعة بغداد إلا عقب وفاة إسماعيل متأثراً بمرض الجدري.

وفي 271هـ، ثار علوي آخر هو محمد بن الحسين، واستولى على مكة والمدينة بعد أعمال قتالٍ شديدة، تعطلت فيها الصلاة داخل المسجد النبوي لمدة شهر كامل، لكنها في النهاية فشلت في الصمود طويلاً أمام العباسيين.

وفي النهاية، توّج هذا النضال الزعيم العلوي محمد بن سليمان بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الذي أعلن عام 301هـ/913م خلعَه طاعة العباسيين، وأمر بالدعاية لنفسه بالإمامة، معلناً تأسيس أول دولة علوية في مكة مستقلة عن الخلافة العباسية.

وضع العلويون خطة طويلة الأجل لاستعادة حقهم المسلوب في المُلك، ارتكزت هذه الخطة على تحويل بلاد الحجاز إلى قاعدة علوية ضد بغداد وحكامها

وبالرغم من ضعف هذه الدولة العلوية الناشئة، وعدم امتلاكها قوة عسكرية كبيرة تؤمِّن بها نفسها وتقيم عمادها، إلا أن الدولة العباسية المتهالكة لم تستطع القضاء عليها، كما شهد عام 358هـ تحولاً خطيراً، بعدما سعى الحاكم العلوي الحسني لمكة، جعفر بن محمد، إضفاء المزيد من الحماية على دولته الصغيرة من أي خطر عباسي محتمل، فأعلن تبعيته للخليفة الفاطمي المعز لدين الله، الذي كان يعيش واحدة من أهم لحظات مُلكه، عقب نجاحه في انتزاع مصر من الخلافة العباسية بعدما قضى على الحُكم الإخشيدي فيها، وبمبادرة الحاكم المكّي، جعفر بن محمد، امتدتّ ظلال الفاطميين إلى بلاد الحجاز لأول مرة.

اهتمام فاطمي مبكر ببلاد الحجاز

تابع الفاطميون من بعيد الصراع الدائر بين العلويين وبين العباسيين على مكة والمدينة، قلب العالم الإسلامي، وبطبيعة الحال تمنّوا الهزيمة للعباسيين، لخصومتهم الممتدة لهم على الخلافة من جانب، ومن جانب آخر، لأن الفاطميين علويون بدورهم، لأنهم يعتبرون أنفسهم أصحاب نسبٍ مُطهّر مُزدوج، ينتهي إلى علي بن أبي طالب من جهة الأب، وإلى فاطمة الزهراء ابنة الرسول من جهة الأم.

تقول ريم الحربي في رسالة الدكتوراة الخاصة بها "إقليم الحجاز... زمن الدولة الفاطمية"، إن الفاطميين وعوا مبكراً لأهمية بلاد الحجاز في تثبيت نفوذهم في العالم الإسلامي، وإضعاف هيبة خصومهم التاريخيين بني العباس".

فمنذ أن كانوا في المغرب، وقبل دخولهم مصر، وبعد عام واحد من إقامة الخلافة الفاطمية في شمال أفريقيا، حاولوا حثّ أهل مكة على الدخول في طاعتهم، وفي العام 297هـ/909م أرسل ولي العهد الفاطمي، أبو القاسم القائم بأمر الله، خطاباً لأهل مكة دعاهم فيه إلى الاعتراف بالخلافة الفاطمية، لكنهم رفضوا.

وعندما استولى القرامطة على الحجر الأسود، بعد استباحتهم لمكة سنة 317هـ/929م، بذل الفاطميون جهوداً كبيراً لإقناعهم بإعادة الحجر إلى مكانه، لكن في النهاية استجاب القرامطة لعرض الخليفة العباسي المطيع لله، وأعادوا الحجر إلى مكانه مقابل فدية قدرها 30 ألف دينار، بعدما احتجزوه 22 عاماً كاملة، وحرموا الفاطميين من شرف إعادة الحجر الأسود لمكة.

تابع الفاطميون من بعيد الصراع الدائر بين العلويين وبين العباسيين على مكة والمدينة، قلب العالم الإسلامي، وبطبيعة الحال تمنّوا الهزيمة للعباسيين

برغم هذا، لم تنقطع المحاولات الفاطمية في التوغل المعنوي داخل بلاد الحرمين، فحين وقع خلاف دموي بين أمراء مكة من بني الحسن بن علي وبني جعفر بن أبي طالب عام 348هـ/959م، نتج عنه مقتل عدد كبير من الضحايا، رعى الخليفة الفاطمي المعز لدين الله الصُلح بين الطرفين، ودفع ديات القتلى من ماله الخاص، ما أكسبه احترام الطرفين.

يقول سليمان خرابشة في بحثه "ثورة شريف مكة أبو الفتوح على الحكم الفاطمي": "وجود الفاطميين في مصر جعلهم أقرب إلى الحجاز منها إلى بغداد، فسعوا لمدِّ دولتهم إليها بسبب أهميتها الدينية، وللتحكم في البحر الأحمر لتأمين خطوط التجارة من الصين والهند إلى مصر".

علاوة على ذلك، سعى الفاطميون لاستثمار وجودهم في الحجاز من أجل توطيد دعائم دولتهم في اليمن، حتى تكون الجزيرة العربية فاطمية خالصة بلا شوائب ترفع الراية السوداء.

بلاد الحجاز الفاطمية

يقول خرابشة: "بعد أن أقيمت الخطبة للمعز في مكة والمدينة، عمل على تثبيت سلطته فيها، ليس فقط بإرسال التقاليد لأمرائهما، بل بالأموال والأمتعة التي أرسلها إليهم للنفقة عليهم وعلى شؤون الإمارتين وعلى مصالح الحرمين الشريفين، من الكسوة وأجور الخدم والحاشية وأمور الحج، وهي المساعدة التي قبلها الأمراء العلويون عن طيب خاطر، لعدم امتلاك بلاد الحجاز لأي موارد مالية تسدّ حاجات أهلها".

يروي المقريزي في كتابه "اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء": "في سنة 359هـ أرسل المعز عسكراً وأحمال مال عُدتها عشرون حِملاً للحرمين، وعدة أحمال متاع".

ولمدة قرنٍ من الزمان، انفرد الفاطميون بالسيطرة على بلاد الحجاز، ورغم منافسة العباسيين لهم على رعاية الحرمين، استمر تدفق رواتب الأمراء من بيت المال في القاهرة.

تقول أمنية الشوربجي في بحثها "الفاطميون والحج": "في أغلب الأحوال، استحسن أشراف مكة الطريقة التي اتبعها الفاطميون في حكم الأماكن المقدسة، والقائمة على ترْك تلك المناطق تُدار بواسطة الأشراف ومنحهم استقلالاً ذاتياً وصلاحيات واسعة في إدارة شؤون ولاياتهم، مقابل الحصول على الولاء والخطبة باسمهم من فوق منابر الحرمين، وهو مالم يوفّره العباسيون للأشراف طوال حُكمهم مكة والمدينة، ومالم يفعله الفاطميون أنفسهم في أقاليم أخرى خاضعة لهم في المغرب والشام".

لم يمنع هذا الاستقلال من محاولات إضفاء صبغة شيعية على الحجاز بالتدريج؛ فدُعي بالأذان الشيعي في الحرمين، وأضيفت عبارة "حي على خير العمل" إلى كل أذان تردد في المسجد النبوي أو الكعبة، وفي عهد الخليفة الفاطمي المستنصر، غُطيت الكعبة بكسوة بيضاء شعار الفاطميين، نُقِشت عليها ألقاب الخليفة، وأوكل لأمير الحج الفاطمي/المصري مهمة إقامة كافة شعائر الحج في مكة والمدينة، وقيادة أمراء حج باقي البلدان الذين كانوا يتبعونه في أداء المناسك.

وبالرغم من أهمية الحج في العقيدة الإسماعيلية، واعتباره أحد أعمدة الدين السبعة، بعد الولاية، الطهارة، الصلاة، الزكاة، الصوم، الجهاد والحج، إلا أن الخلفاء الفاطميين لم يحجّوا أبداً، عوضاً عن ذلك، اهتموا بإسناد رئاسة وفد الحج المصري لفقيه يتمتّع بالعلم والذكاء والسياسة، لأنه يكون الممثل الأول للدولة في أكبر تجمّع إسلامي، كما اهتموا بزينة وتأمين موكب الحج، فكانت قافلة الحج المصرية مضرب الأمثال في الفخامة والبهاء، وكان مجرد اقترابها من مكة يضفي السعادة على أهل المدينة، الذين يترقبون ما تحمله من هدايا ونفحات وأموال.

يذكر المقريزي: "في سنة 364هـ أطلق المعز الجائزة لوفد الحجاز من الأشراف وغيرهم، مبلغها 400 ألف درهم، وفي الأزمنة اللاحقة كانت تحمل قوافل الحج المصرية معونات غذائية كالقمح والشعير والدقيق والزيت والحبوب". بالإضافة لمشغولات ذهبية تضاف للكعبة، كالأباريق ومحراب صُنِع لها خصيصاً من الذهب، بالإضافة لكسوة الكعبة وأستار حريرية خاصة توضع على ضريح الرسول.

بالرغم من أهمية الحج في العقيدة الإسماعيلية، واعتباره أحد أعمدة الدين السبعة، بعد الولاية، الطهارة، الصلاة، الزكاة، الصوم، الجهاد والحج، إلا أن الخلفاء الفاطميين لم يحجّوا أبداً

تضيف الشوربجي: "خطّط المعز لتغيير بطيء لموازين القوة في المكة، ففي الوقت الذي رعى فيه أشراف مكة السنّة، دبّر لنشر المذهب الشيعي داخل مكة ليضمن ولاء أهل مكة سياسياً ومذهبياً على المدى الطويل، فساعد بني المهنا الحسينيين على الوصول لحكم المدينة وتكوين دويلة شيعية صغيرة، تخضع للفاطميين وتعينهم على أشراف مكة ذوي المزاجات المتقلبة، الذين لا يتحكم في ولائهم إلا المال والعطايا".

وبالرغم من روح التسامح التي أبداها الفاطميون بشكل عام، ورفضهم إكراه السنّة من أهل الديار التي خضعت لحُكمهم على التشيّع، إلا أن هذا لم يمنع مجيئ لحظات تشدّدت فيها السلطة الشيعية في نشر مذهبها داخل بلاد الحرمين.

مثلاً، عام 395هـ/1004م أرسل الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله كتاباً إلى عامله على مكة أبو الفتوح بن الحسن، يأمره فيه بالبراءة "مِمَّن غصب وصي رسول الله حقه في الخلافة، ومنع فاطمة الزهراء حقها في فدك، وهم: أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية، وأمر بكتابة هذا البيان على الجوامع والمساجد وأبواب الدور".

وبعدها بخمسة أعوام، أرسل الحاكم قوة عسكرية خاصة فتحت بيت جعفر الصادق، واستولت على بعض حاجياته "التاريخية" كالمصحف والسيف وبعض الكتب، ثم أُرسلت إلى القاهرة وأُعطيت للحاكم في محاولة جديدة لزيادة إضفاء الشرعية عليه، وللتأكيد على أن الفاطميين من نسل الحسين، لهم الحق المُطلق في الزعامة والتمتّع بكنوز آل البيت، وليس الحسنيين (أحفاد الحسن) ولاة مكة.

في عهد الحاكم ، جرت المحاولة الشهيرة لنبش قبر الرسول ونقل رفاته إلى القاهرة، سعياً من الخليفة الفاطمي لنقل بعض مراسم الحج إليها، ورغبته في استبدال جبل عرفة بالمقطم

وفي عهد الحاكم أيضاً، جرت المحاولة الشهيرة لنبش قبر الرسول ونقل رفاته إلى القاهرة، سعياً من الخليفة الفاطمي لنقل بعض مراسم الحج إليها، ورغبته في استبدال جبل عرفة بالمقطم!

وفي العام 430هـ/1038م رغب عبدالله شكر، والي مكة، في الإعراب عن ولائه المطلق للفاطميين، فمنع العراقيين من تأدية فريضة الحج لعدة سنوات!

أبو الفتوح: صاحب التمرد الأبرز

في عام 370هـ، جرت محاولة سريعة من أحد أشراف مكة للاستقلال بها عن الفاطميين، نفّذها عيسى بن جعفر، بسبب اعتراضه على مساعي نشر المذهب الشيعي داخل مكة، فشلت هذه المحاولة سريعاً على أيدي جيش فاطمي وأَدَ التمرد في مهده.

لكن بعدها بعشر سنوات تفجرت أخطر حركة شريفية/حسنية للانفراد بحُكم مكة بعيداً عن الفاطميين، صاحبها هو أبو الفتوح الحسن بن جعفر، المنحدر من نسل الحسن بن علي بن أبي طالب، تولّى إمارة مكة عقب وفاة أخيه عيسى بن جعفر سنة 384هـ/964م، جمعته سابقاً علاقة جيدة بالفاطميين، فراسله الخليفتان: العباسي القادر بالله، والفاطمي العزيز بالله، وحين آلت إليه الإمارة، طمع إلى الاستقلال بالحجاز عن الفاطميين.

أظهر أبو الفتوح الولاء للفاطميين في بداية خلافته، فأمر أهل مكة بالوقوف كلما ذُكر اسم الخليفة الفاطمي، مثلما كان يجري الحال في الشام ومصر، كما استولى على المدينة وضمّها لمُلكه، بسبب تشكيك بعض أمرائها في نسب الفاطميين إلى الحسين، وحينما وأد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله ثورة القائد أبي ركوة الأموي في ليبيا، زار أبو الفتوح القاهرة، وقدّم التهاني للخليفة.

لكن مع حلول العام 400هـ/1009م أعلن أبو الفتوح استقلال مكة وقطع الخطبة للحاكم بأمر الله، متشجعاً ببعض القلاقل الداخلية التي مرَّ بها الخليفة الفاطمي بسبب تصرفاته المجنونة في حُكم البلاد، وأيضاً دخوله في حربٍ مع قبيلة آل الجراح العربية، التي عاشت ما بين الشام وبلاد الحجاز، وحاولت غزو مصر مرتين وفشلت، لكنها شجّعت أبي الفتوح على الاستقلال بمكة.

نقش أبو الفتوح اسمه على الأموال متلقباً بـ"ناصر الإسلام"، كما أعلن محضراً ينفي فيه انتساب الفاطميين لعلي بن أبي طالب، وإنما نسبهم إلى أصول فارسية مجوسية.

ما إن علم الخليفة الفاطمي بأنباء التمرّد الحجازي حتى أمر فوراً بفرض حصار مالي على الحجاز، وقطع المعونة المصرية لبلاد الحرمين، ما أوقعها في ضيقة مالية، اضطر على أثرها أبو الفتوح لانتزاع ما عُلِّق على الكعبة من أطواق ذهب وفضة، وضرب منها دنانير ودراهم عُرفت بـ"الأموال الفتحية" نسبة إليه، وعُرفت أيضاً بـ"الأموال الكعبية".

كما فرض حصاراً جغرافياً، بعدما منع الناس من السفر إلى مكة برّاً أو بحراً، فلم يحج في هذه السنة أحد من الشام والعراق وخراسان ومصر، فتضرّرت أحوال مكة بشدة، وضرب الكساد أهلها في مقتل.

كما نجح الحاكم بأمر الله في استمالة الجرَّاحين لصفِّه مجدداً بعدما أغراهم بالكنوز والأموال، وفي النهاية اضطر أبو الفتوح للتراجع عمّا فعل وأعاد الخطبة باسم الحاكم الفاطمي، وأرسل له كتاباً يعتذر فيها عن ثورته، وهو الاعتذار الذي قبله الحاكم وأعاد تنصيبه والياً لمكة، وسمح من جديد للأموال المصرية بالتدفق على بلاد الحجاز.

بعد غياب الخليفة الحاكم، عاشت بلاد الحجاز أوضاعاً مضطربة، ترنّحت فيها مراكز الثقل بين بغداد والقاهرة أكثر من مرة، فتكرر إسقاط الولاء للفاطميين ثم العودة إليه، تبعاً للتغيرات السياسية والاقتصادية التي تمرّ بها المنطقة، فكلّما أصابت مصر مجاعة عجزت بموجبها عن تمويل الأشراف يمّموا ولاءهم شطر العباسيين، وفور عودة الخزينة المصرية للانتعاش يتراجعون ويعودون لتأييد الفاطميين، وقضت مساجد الحرمين أعواماً احتارت فيها المنابر من تغيير الدعاء من الخليفة الفاطمي إلى العباسي أو العكس بين ليلة وضحاها.

يقول أستاذ التاريخ الإسلام أحمد العبادي، في كتابه "في التاريخ العباسي والفاطمي": "هذه السياسة النفعية التي سار عليها أمراء مكة، ملأت خزائنهم بالأموال، ولكنها عادت على الشعب الحجازي وعلى الحجاج عامةً، بالضرر الجسيم، ذلك لأن الدعاء لخلفاء مصر كان يصحبه اعتداء على حجيج العراق في الطرقات، بل وفي الكعبة نفسها. كذلك كان الدعاء لخلفاء بغداد يعقبه حدوث مجاعات بين سكان الحجاز بسبب امتناع الفاطميين عن إرسال الغلال إليهم".

استمرَّ هذا الوضع المضطرب حتى سقوط الخلافة الفاطمية سنة567هـ/1171م. لحظة السقوط تلك لم تخلُ من محاولة استغلال الحجاز سياسيّاً من جديد، بعدما أرسل صلاح الدين هادم الدولة الفاطمية، رُسُله إلى مكة، للحصول على تأييد أمير الحرمين وأشراف مكة بدخول بيت الطاعة العباسي والدعاء له على منابر مساجد مصر.

وعندما أقام صلاح الدين دولته السنيّة على أنقاض دولة الفاطميين في مصر والشام، أقيمت الخطبة باسمه على منابر مساجد الحرمين، لكن هذه المرة لم يثر ضيق الخليفة العباسي، بعدما توحدت مصر وبغداد تحت رايته من جديد بعد 260 عاماً من الصراع، واعتبر أن الدعاء لصلاح الدين دعاء له بشكل غير مباشر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard