ذكرى تفجير 4 آب... تمرّدنا نحن الضحايا على موت معجّل أو مؤجّل

الأربعاء 4 أغسطس 202110:27 ص

قبل عام، حين استشهدت بيروت غدراً، بعدما نظَّم قَتَلَتُها جريمتهم في السياسة والأمن والإعلام، مع سابق الإصرار والتصميم والتخطيط، كتبتُ لها نصاً استنجدها ألا تصالح، وأرجوها أن تُبقي غضبها بوصلة الانتقام لحزن أهلها، وحلّفتها ألا تستسلم لقدر محتوم بالموت البطيء، وتمنيت لو أموت موتاً سريعاً فيها، لعلّي أكون بين من قضى تحت ترابها، بدل أن يقضي أيامه فارغة فوق ترابها، ويمسي ضحية في كل يوم من دون جنازة أو جنازتين، ومن دون تاريخ وفاة.

إن العيش في مدينة الموت هو موت غير رحيم، يجعلنا ضحايا النجاة من موت محتّم معجّل أو مؤجّل.

ولكن بيروت متمرّدة على كل شيء، حتى على نفسها، ترفض الحزن بمقدار ما تنكر الغضب الدفين داخلها، وكنت قد ناشدتها حين فجّرها الفاجرون المؤتمنون عليها، أن تغضب وتغضب وتغضب، وألا تصالح.

واليوم، وبعد مرور عام على النكبة، وبعد مرور أشهر على نزوحي من بيروت الجريحة، أحاول صياغة نص لإحياء هذه الذكرى ولا أقدر، لا شيء يخرج منّي، فكل ما في داخلي مبعثر.

كتبت كل ما قد يكتب من حروف، وقرأت كل ما قد كتب من نصوص، ولفظت كل كلمات الرثاء على حزن بيروت.

إن العيش في مدينة الموت هو موت غير رحيم، يجعلنا ضحايا النجاة من موت محتّم معجّل أو مؤجّل

المشهد مختلف هذا الصيف، تجسيد لحالة فصام بين الغضب واللامبالاة، بين الانكسار والفجور، بين شظايا زجاج الانفجار في الشوارع وضرب الكؤوس المخمورة في الحانات، بين عائلات وصداقات تلتمّ بعد الفاجعة، إمّا لتحضير ذكرى جنازة أو للمّ شمل على مائدة لبنانية، منكّهة بسموم مستحضرة من الهواء والمياه واللحوم والألبان الملوثة.

أراقب نفسي ومن حولي، ترقباً لاستحضار ذكرى مرور أكثر من ثلاثمئة يوم على الفاجعة، وأراني أنا أيضاً في حالة فصام، بين اعتكافي عن الاستمتاع بلحظات فرح فوق تراب بيروت المجبول بالدم، وبين استجابتي لدعوات أصدقاء المهجر إلى دعم بيروت وأهلها في ارتياد محلاتها وحاناتها ومطاعمها.

لديّ الحرية المطلقة في الاستجابة أم لا، وأخجل من نفسي أمام نفسي كلما دخلت إلى مطعم أو مكان فرح، أخجل من أهالي الضحايا كلما انتشيت بلحظة فرح تغدرني في جلستي مع من أحب، يأكلني الذنب أمام الشهداء الذين بتنا نحسدهم على موتهم مرة واحدة، بدل الموت في كل يوم مرات.

اما أنتم أيها الرؤساء وفرقتكم التطبيلية، المكلفة أو غير المكلفة، تختبئون كالجرذان في بيوتكم، وتهربون كالفئران من الأماكن العامة، تحتمون بمرافقيكم وبعناصر الأمن، من مواطنين سلميين مكسورين لا يهون عليهم أن يروكم في لحظات فرح وترف، بينما هم يلهثون وراء اللقمة ويهربون من العتمة وينقبون عن الأدوية بين القارات ويموتون على أبواب المستشفيات.

لا يا حضرة الرئيس المكلف وفرقة ح-(ز)-ب الله التي كلّفتك، لا نريد أن تعود الحياة إلى بيروت لكي تخرج إلى مطعم وتعيش حياتك كما تشاء. نحن لم نسامح، ولن نسامح عهدك و"العهد القوي" وما قبله، وكل من كان ولا زال شريكاً في مجزرة جماعية تحاول إبادة إرادة شعب، ولكنها لن تبيد شعباً كلّه إرادة، ولو أن هذه الإرادة- إرادة الحياة- تبدو انفصالاً عن واقع سوداوي، يولّد لامبالاة في الظاهر وخيبة أمل في الباطن

أنتم أيها الرؤساء وفرقتكم التطبيلية، تختبئون كالجرذان في بيوتكم، وتهربون كالفئران من الأماكن العامة، تحتمون بمرافقيكم وبعناصر الأمن، من مواطنين سلميين مكسورين لا يهون عليهم أن يروكم في لحظات فرح وترف، بينما هم يلهثون وراء اللقمة ويهربون من العتمة وينقبون عن الأدوية بين القارات ويموتون على أبواب المستشفيات

خيبة تأتي من عدم فهم الفرق بين الأمل (hope) والتوقعات (expectations)، إذ إن الثانية تؤدي إلى خيبة الأمل، بينما الأولى تفتح آفاقاً نحو مجالات غير مكتشفة وغير معلومة.

أمل لا يحمل خيبة إذا ما كان مفتوحاً بلا توقعات. والحديث عن الاثنين ضروري، لأننا طوال سنوات تأسيس هذا الوطن، غفلنا عن التأسيس لثقافة سياسية تمكّننا من فهم الطريق إلى التغيير بشكل واضح وواقعي.

الأمل بغد أفضل كل يوم هو الخيار الوحيد أمامنا في هذه المحنة الطويلة، هو فرض وواجب علينا أمام من سقط شهيداً وأمام أهالي الشهداء الذين قُتل أبناؤهم ثلاثمائة مرة وأكثر منذ العام الفائت، وعلينا أن نعيد الأمواج التي طافت بشراً في شوارع 17 تشرين، وأن نكون أمواجاً من الغضب الكاسح لراحة كل متهم محصن بحصانة ملفقة.

لنكن أمواجاً بشرية لتحقيق العدالة، لأن الأمل بالعدالة سيفتح آفاقاً لثقافة سياسية معاصرة تجابه الأزمات التي نواجها.

ليكن 4 آب يوماً لنتذكّر فيه أن نغضب ونبقى غاضبين كل يوم.

ليكن 4 آب محفوراً في ذاكرتنا الجماعية، ومحال لنا أن ننسى أو نسامح.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard