إنها الكرة وليست العائلة أو السياسة... ما بين النادي "الإفريقي" التونسي وأنصاره

الأربعاء 1 سبتمبر 202106:09 م

"يمكنك أن تغير منزلك، ورأيك السياسي، ويمكنك تغيير دينك وجنسيتك، ولكن لا تستطيع تغيير فريق كرة القدم المفضل لك"، هكذا يقول النجم الفرنسي واللاعب السابق لنادي مانشستر يونايتد، ايريك كانتونا.

هذه المقولة تبنتها جماهير النادي الإفريقي التونسي بوفائها اللا مشروط تجاه فريقها، رغم المحن التي مر بها، والتي كادت تعصف بالفريق إلى دوري الدرجة الثانية بسبب خطايا مالية فرضها الاتحاد الدولي لكرة القدم، بعد عدة شكاوى تقدم بها لاعبون وفنيون.

الأزمات التي طالت النادي الإفريقي، كبيرة وتهدد وجوده، خاصة المادية منها، الأمر الذي كشف عن الكثير من مشاعر الحب والانتماء والارتباط التي يمكن أن تنشأ بين مشجع للكرة وناديه المفضل، وما يميزها عن نظيرتها في الأحزاب السياسية، أو حتى الانتماءات الدينية والعائلية.

وقد أعلن النادي الإفريقي التونسي في 27 آب/ أغسطس عام 2021 عن رفع عقوبة الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" بمنعه من التعاقدات، والتي استمرت لأكثر من عام بسبب ديونه.

ويشارك عادة في جمع التبرعات للنادي الإفريقي المناصرون الأوفياء، وهي ظاهرة تكررت في أكثر من نادٍ داخل تونس وخارجها، ولكن كثرة أزمات هذا النادي صقلت قلوب محبيه، ودفعتهم لتقديم الغالي والنفيس طيلة أزماته.

"يا له من شعور رائع!"

لا تزال تهديدات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بفرض عقوبات قاسية على فريق القلعة الحمراء والبيضاء جارية بسبب عدم خلاص الديون بذمة النادي، نتيجة الإرث الثقيل الذي تركته الإدارات السابقة، بعد معاناة من سوء التسيير والانتدابات العشوائية.

هذه التهديدات لم تكن إلا مجرد حافز لجماهير نادي باب جديد (المقر الرئيسي للفريق) التي "هزمت" الفيفا في أكثر من تحدٍ من خلال إقبالها بكثافة على خلاص ديون النادي، وتبقى قصة المحب جمال برناص استثناءً في هذا الجمهور، إذ جازف بحياته من أجل المساهمة في إنقاذ فريقه، وهو ما اعتبره المتابعون للشأن الرياضي ضرباً من الخيال في زمن قل فيه الحب والوفاء.

يقول جمال لرصيف22: "لم أتمالك نفسي عندما وصلني خبر تهديدات الفيفا، يومها كنت في طريقي إلى إجراء حصة علاج كيميائي لورم خبيث أصابني، لكن شعور الانتماء وحب الجمعية كانا أقوى من كل شيء".

ويضيف: "التحقت بذلك الطابور الطويل الذي رسمته جماهير النادي الوفية أمام أحد البنوك من أجل ضخ الأموال في خزينة النادي، إنه شعور رائع حقاً".

وكان الاتحاد الدولي لكرة القدم قد طالب إدارة الفريق بضرورة تسديد ديون عاجلة تقدر بقرابة مليوني دولار، وإلا فإنه سيخصم 20 نقطة من رصيد الفريق، وينزله إلى الدرجة الثانية.

ويستدرك جمال: "دون أي تفكير أخذت المبلغ المخصص للعلاج، وأودعته في حساب النادي وأنا سعيد بذلك".

ويتابع: "من يريد أن يساعد أمه يجب أن لا يذهب إلى الناس ويخبرهم أن والدته مريضة، بل يجب أن يقدم لها المساعدة دون تفكير وإشهار".

"من يريد أن يساعد أمه يجب أن لا يذهب إلى الناس ويخبرهم أن والدته مريضة، يجب أن يساعدها دون تفكير ودون إشهار"

ولم يكتف جمال بتلك الخطوة، بل أقدم على المساهمة بما كسبه طيلة ثلاثة أشهر من عائدات قناته على اليوتيوب ليقدمه للنادي الإفريقي، مؤكداً أنه لا يقدر على رؤية فريقه في تلك الوضعية، ويبقى مكتوف الأيدي.

يرى جمال نفسه أنه كسر المثل الشائع: "أعطني صحتي وخذ ثروتي"، ليقدم صحته وثروته لـ"فريق الشعب"، كما يحب مناصروه أن يطلقوا عليه.

"طبخة عجيبة"

تأسس فريق الشعب كما يسميه مناصروه في 4 تشرين الأول/ أكتوبر 1920، بمنطقة باب الجديد بالمدينة العتيقة للعاصمة التونسية (كيلومتر عن وسط العاصمة)، وبالتحديد في مخزن الصوف الموجود في حي المركاض، لخلافة نادي الملعب الإفريقي (تأسس في 1915 وتم حله في 1918).

وقد عانى الفريق كثيراً قبل الحصول على التأشيرة الرسمية، بسبب ضغوط المستعمر الفرنسي، الذي وضع ثلاثة شروط تعجيزية على إدارة الفريق أبرزها تعيين رئيس فرنسي على رأس الفريق، وتغيير اللونين الأحمر والأبيض باللون الأزرق، وتغيير شعار الفريق (النجمة والهلال)، لكن كل هذه الشروط لم يخضع لها النادي، ونجح في الحصول على تأشيرته بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وقد ترأسه تونسي هو البشير بن مصطفى.

يقول الصحافي محسن بن عمر، عمل في الشؤون الرياضية التونسية، إن هذا النادي طبخة عجيبة في تاريخ تونس، ولا يمكن أن نتجاهل جمهوره الذي يبقى الحلقة الأقوى في تلك السلسلة، فهو الذي يستحق لقب "المحب الحقيقي" الذي يزداد حبه لناديه كلما لحقت به المشاكل.

ويتابع محسن: "ولا يمكن أبداً أن ننسى المحب عمر العبيدي الذي استشهد في سبيل النادي إذ مات غرقاً بعد ملاحقة من الشرطة، والأنصار الذين دخلوا السجون، ولا يمكن أن نتجاهل مواقف الجمهور من بعض القضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، إنه فعلاً ظاهرة تدرس".

ويعد النادي الإفريقي من أعرق النوادي التونسية وأحد أبرز المتنافسين التقليديين على لقب البطولة في الدوري والكأس، ويملك الفريق ثاني أكبر عدد من الكؤوس المرفوعة في تونس، وثاني أكبر عدد من البطولات كذلك، كما يعد أول فريق تونسي يفوز برابطة الأبطال الإفريقية ورباعية القرن التاريخية.

وتتواصل حملات التبرع، إذ تم تدشين حملات لشراء ‏القمصان والأوشحة الرسمية من متاجر النادي، وكذلك شراء عدد هائل من التذاكر الموسمية.

"يستحق أكثر"

وتعترف جماهير ومثلها لاعبو الفرق المنافسة بالشعبية الجارفة للنادي الافريقي وجمهوره القوي الذي قال عنه المدرب الجزائري عبد الحق بن شيخة "إنه شعب وليس مجرد جمهور"، ويدعمه في ذلك المعلق الشهير بقنوات "بين سبورت" عصام الشوالي، الذي قال إن جمهور الإفريقي هو اللاعب رقم 10 الذي يعطي التمريرات، ويمهد للأهداف، كما يقال في عرف كرة القدم.

ويقول أحمد (22 عاماً)، طالب جامعي، لرصيف22 إنه حرم نفسه من المصاريف اليومية التي يقدمها له والده لمدة أسبوعين تقريباً، وجمع ما يقارب 100 دولار ليقدمها كإعانة بسيطة لفريقه، الذي يقول عنه "إنه يستحق أكثر من ذلك".

ويضيف أنه دخل في تحدٍ مع أصدقائه، حول جمع مبلغ مادي يفوق الـ 1000 دولار من أجل "إعانة الفريق للخروج من هذه الأزمة".

أما سامي، شاب في العشرين من عمره يجمع القوارير البلاستيكية، فيقول لرصيف22 إنه لم يقدر على إعانة النادي، لقلة مداخيله من عمله الذي لا يمكن أن يوفر له الكثير من المال، لكنه وجد ضالته في هاتفه الجوال، الذي كان هدية له من خالته، ليبيعه، ويقدم ثمنه لفريقه، ويؤكد أنه ليس نادماً على ما فعله، رغم حاجته إلى هاتف.

ويبقى المحب الكفيف أحمد الأمير من بين الذين حفروا أسماءهم بأحرف من ذهب في تاريخ النادي، إذ ساهم رغم حالته المادية الصعبة بمبلغ مالي "محترم"، وهو ما أجبر لاعبي وهيئة النادي على تكريمه اعترافاً له بهذا الجميل.

وهبّ فنانون ومسؤولون كبار في الدولة إلى نجدة فريقهم، من بينهم رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد الذي تبرع براتب شهر، ويقول الفنان فيصل الرياحي (الذي تبرع أيضاً بمبلغ يفوق 10 آلاف دولار): "جمهور النادي هو رأس مال الفريق، وهو رمز لذلك المحب الوفي، فهو ظاهرة".

صورة حنظلة

نجحت جماهير الأحمر والأبيض في كسب تحدٍ من خلال اقتطاعها 60 ألف تذكرة لمباراة افتراضية دعت لها هيئة الفريق، كما قام يومها عدد من رجال الأعمال بضخ مبالغ مالية هامة لاقتناء لافتات في المباراة الافتراضية، ليبلغ مجمل المداخيل قرابة 500 ألف دولار وهي سابقة في تاريخ الجماهير العربية.

ويقول الصحافي سعيد العكروت إن الانتماء أحياناً الى بعض الفرق الرياضية يفوق الانتماء العرقي للبشر، فوراء كل بطل جمهور عظيم.

وقد توفي الشاب عمر العبيدي (18 عاماً) يوم 31 آذار/ مارس 2018 غرقاً في وادٍ بالقرب من الملعب الأولمبي برادس، بعد أن تابع مباراة لكرة القدم بين النادي الإفريقي وأولمبيك مدنين، شهدت مناوشات بين أنصار الفريقين.

ويرجح معلقون على الحادثة أن العبيدي ألقى بنفسه هرباً من مطاردة أعوان الأمن، كما أثارت اللافتة التي رفعتها جماهير الإفريقي في المدرجات "كرهناكم يا حكام، تحاصرون قطر واسرائيل في سلام" جدلاً كبيراً.

كما برز حصول النادي الإفريقي في المباراة الافتتاحية في الدوري التونسي عام 2015، حين جسدت الجماهير صورة حنظلة رمز الصمود الفلسطيني، على المرتبة الخامسة عالمياً حسب موقع "لا غرينتا" المختص في إبداعات جماهير الأندية عبر العالم، والتي تعبر عن تضامن الفريق التونسي مع القضية الفلسطينية، إضافة إلى أغاني الجماهير، كما سبق أن ارتدى الفريق خلال الحصص الإحمائية قمصاناً تحمل العلم الفلسطيني.

"الأحزاب تعمل وفق مصالح معينة، ويمكن أن يتخلى الناس عنها، أما الجمعية الرياضية فهي كيان مقدس عند أنصارها لا يمكن تغييره"

ويعلق المختص في علم النفس، نعمان بوشريكة، بأن حب الجمعيات الرياضية يختلف عن غيره لأنه "حب غير مشروط".

ويبدأ هذا الحب، بحسب بوشريكة، في المرحلة الثالثة تعاقبياً، إذ يتربى الفرد على الانتماء منذ الصغر، ففي البداية ينتمي الفرد بدرجة أولى إلى عائلته ثم إلى أصدقائه ثم يبحث عن علاقات أخرى منها الجمعيات الرياضية.

ويضيف بوشريكة لرصيف22 أن حب جماهير الإفريقي "لا يعتبر ظاهرة خاصة، إنما هو نوع من التورط، وفعل ثوري في حب الجمعية (النادي)، يريد من خلاله المحب أن يثبت وجوده في المجتمع، ليشعر أنه فرد فاعل في الحياة".

ويشدد بو شريكة على أن حب الجمعيات الرياضية يختلف كل الاختلاف عن الأحزاب السياسية، مثمناً قيمة اللعب الصافية بلا منافع أو مصالح شخصية أو طبقية، وكذلك الديمومة، والثبات على مشاعر الانتماء.

ويختم: "الأحزاب تعمل وفق مصالح معينة، ويمكن أن يتخلى الناس عنها، أما الجمعية الرياضية فهي كيان مقدس عند أنصارها لا يمكن تغييره".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard