"أنا شريفة ولا أشبه صديقاتي"... الأنا ونسل آل البيت في المغرب

الأحد 1 أغسطس 202105:01 م

هم أشخاص يشبهوننا، يتحدثون نفس لغتنا، ويتقاسمون الوطن والدين والتاريخ معنا؛ غير أن عدداً منهم يفضل وضع نفسه في مرتبة مميزة، رافضاً مقارنته مع أشخاص لا يتحدرون بالضرورة من نسب شريف، نسب النبي محمد.

حريصون في المباهاة بشجرة عائلاتهم، الممتدة لقرون من الزمن في المغرب، يطلقون على أنفسهم لقب "الشرفا"، وعند مناداتهم إياك نسيان لقب "لالة"، إذا كانت مخاطبتك سيدة أو شابة أو حتى طفلة، ولقب "سيدي" أو "مولاي" إذا كان مخاطبك طفلاً أو شاباً أو عجوزاً.

ترى حفيظة أو "لالة حفيظة" نفسها مميزة عن الآخرين/الأخريات؛ سيدة في عقدها السادس، بيضاء السحنة، ممتلئة بعض الشيء، جالسة وسط تجمع النساء، تبارك جارتها في مولودها الجديد، مرتدية جلباباً تقليدياً كما جرت عادة المناسبات في المغرب، جلباباً بسيطاً لكنه أنيق.

ليست سيدة عادية لكي يتم مناداتها باسمها مباشرة.

تجلس حفيظة، فوق صالون تقليدي مغربي، داخل منزل جارتها، بكل ثقة، تفرض على كل شخص يود مناداتها لقب "لالة"، تقول لرصيف22 إنها ليست سيدة عادية لكي يتم مناداتها باسمها مباشرة.

تشرح هذه السيدة سبب إصرارها على ذلك، بنبرة لطيفة ممازحة: "منذ نعومة أظافري، علمتني والدتي عدم الرد أو الإجابة على شخص لا ينادوني بـ ‘لالة حفيظة’. تعودت على هذا الوضع".

تردف حفيظة مسترسلة: "أخبرتني والدتي المرحومة، وأتمنى من الله أن يتغمدها برحمته، أنني لا أشبه صديقاتي، لأنني ‘شريفة’، أنحدر من سلالة النبي عليه الصلاة والسلام، وبالتالي احتراماً لهذا النسب على الجميع أن يناديني بلقب ‘لالة’".

ويذكر باحثون مغاربة أن أول عربي من ذرية الإمام علي بن أبي طالب قدم المغرب، هو المولى إدريس بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء، بنت محمد الرسول، وبالتالي فكل من ينحدر من هذه السلالة "الأدارسة"، يعتبر شريفاً في المغرب، ويحظى باستثناءات وسط الأفراد.

"أخبرتني والدتي المرحومة، وأتمنى من الله أن يتغمدها برحمته، أنني لا أشبه صديقاتي، لأنني "شريفة"، أنحدر من سلالة النبي عليه الصلاة والسلام، وبالتالي احتراماً لهذا النسب على الجميع أن يناديني بلالة"

والشرفاء في المغرب يتحدَّرون من سلالة الأدارسة، وهو الاسم الجامع لكافة ذرية المولى إدريس بن عبد الله الكامل الحسني العلوي.

حفيظة كغيرها من "الشرفاء"، هي الأخرى تنحدر من إدريس الثاني، وهو نجل إدريس الأول.

الشريف يتزوج شريفة

حفيظة معروفة جداً في الحي الذي تسكن فيه بمدينة طنجة شمال المغرب، بسبب نسب أبيها الشريف، فالجميع يقدّرها، ويتقرّب منها.

غير أن نسبها الشريف لم يشفع لها التميز في دراستها؛ فشلت في التحصيل الدراسي، غادرت قاعات الدرس وهي في السن العاشرة، بعد ذلك بسنوات قليلة، وجدت نفسها ربة بيت، متزوجة من أحد أقاربها، سيدي عبد الخالق.

تتحسر حفيظة على خفوت تقاليد الزواج الخاصة بـ"الأشراف"، تقول متذكرة: "قبل أزيد من خمسين سنة، كان الشرفاء يتزوجون فيما بينهم، أتذكر أنه في عائلتي، كان هناك بمثابة قانون يطبق على جميع أبناء العائلة، مفاده أن الشريف يتزوج بالشريفة، لكيلا تختلط الأنساب، لكن هذا الأمر تغير الآن، فبناتي تزوجن برجال لا يتحدرون من النسب الشريف".

عاشت حفيظة حياة بسيطة، غير مستقرة، عنوانها الرئيسي متاعب وأمراض وحظ سيئ، ولكن إحساسها بالتميز لم يغادرها قط، تقول: "نحن الشرفاء يبتلينا الله كثيراً، لكي يمتحن صبرنا، لكن رحمة الله وسعت كل شيء".

رفضت حفيظة بشدة الدخول في تفاصيل حياتها، فلا شيء بالنسبة لها يستدعي الفخر؛ كأن تاريخ أجدادها الشرفاء بلسمها للحاضر المتعب والمخيب.

ترفض كذلك الحديث عن المستقبل، فهي تراه مبهماً، غير واضح، تفضل الحديث فقط عن ماضي أجدادها ونسبها الشريف.

تستاء حفيظة من الجيل الحالي، ترى فيه جيلاً لا يهتم بالتاريخ، توضح: "الحياة تغيرت كثيراً، لدرجة أن لقب الشريف لم يعد براقاً كما كان سابقاً وحدهم معارفي الذين ينتمون إلى نفس جيلي، يقدرونني، ويوقرونني، غير ذلك لا يسأل عن نسبي"، تنهي حفيظة حديثها بهذه الكلمات الشاكية.

مناقب الشريف

"إياك أن تغضب الشريف"، تقول نعيمة، سيدة في الخمسينيات من عمرها، وتعتقد أن "دعاء الشريف لا يرد، لا سيما إذا كان مظلوماً".

مضت مسترسلة، وكأننا فتحنا معها نقاشاً تحبه: "الشرفاء قريبون من الله، أغلبهم روحانيون، وذلك بفضل بركة أجدادهم، وحتى العاصي منهم سيأتي يوماً ويعود إلى الطريق الصحيح، لأنه ينحدر من شجرة نقية".

تكشف نعيمة، أو الشريفة "لالة نعيمة"، أنها لا تعير انتباهاً للقب "لالة"، لا يشكل فرقاً بالنسبة لها؛ لكنها لا ترى أي عيب في أن نخاطب الشريف بلقب "لالة" و"سيدي"، فهذه الألقاب متواترة من جيل إلى جيل.

وفي المقابل، ترى نعيمة أنها مميزة عن الآخرين، تقول: "لي معرفك جهلك (الذي لا يعرفك يجهلك)، حينما يعلم أي شخص أنني ‘شريفة’ يبدي احتراماً لي، لكن البعض الآخر لا يكترث لذلك".

تتفق نعيمة مع حفيظة، بكون المجتمع تغير، وأن عدداً كبيراً من المغاربة لا يكترثون إلى مثل هذه الألقاب، من بينهم أبناؤها، تستدرك: "الجيل الجديد لا يستسيغ الألقاب السالفة الذكر، يعتبرونها قديمة، وتكرس التفرقة بين الأفراد، بخلاف الحال في الأزمنة الماضية".

"هذا الزمن زمن المال والعلم أيضاً، وتحصيل المناصب".

تستطرد بسرعة: "هذا الزمن زمن المال والعلم أيضاً، وتحصيل المناصب؛ فلقب الشريف يعطي قيمة معنوية فقط".

تضيف: "لم أستفد من هذا اللقب نهائياً، سواء أمام القانون أو الإدارة أو أي مرفق أقصده، ومع ذلك أرفض بشدة حذف لقبي من بطاقتي التعريفية، فهذا نسبي لا أحد له الحق في إزالته".

تماماً مثل فاطمة الزهراء بوغنبور، ناشطة حقوقية، تدافع هي الأخرى بشدة عن اللقب، تقول لرصيف22: "معرفة النسب لازمة من لوازم الشرع، لأن هناك أمور شرعية وأحكام مترتبة على النسب، لذلك وجب على كل مسلم ألا يتعمد الجهل بنسبه، سواءً كان من الأشراف أو من غيرهم".

"أحمل اسم لالة فاطمة منذ ولادتي، ولم يميزني هذا الاسم قط في شيء"، تستدرك: "لا أعرف عن أي تمييز يتكلمون؟".

حذف الألقاب

من المرتقب أن يشرع مجلس النواب المغربي، بدراسة مشروع قانون جديد يحمل رقم 36.21، ستحدث بموجبه منظومة رقمية وطنية، وسجل وطني للحالة المدنية بالمغرب، ومن بين ما جاء به القانون اعتماد اللغة الأمازيغية في تحرير وثائق الحالة المدنية، وضرورة عدم إرفاق الاسم الشخصي بأي كنية أو صفة مثل "مولاي" أو "سيدي" أو "لالة".

ويرى بعض الحقوقيين المغاربة أن الأسماء التشريفية هي أسماء تمييزية، من بينهم، يوسف موخشان، يشدد على أن "إلغاء هذه التوصيفات من التسمية في سجلات الحالة المدنية يعد تكريساً للمساواة".

وتساءل: "ما الهدف من هذه الألقاب التشريفية، أليس هو التذكير بالانتماء الطبقي لحامل اللقب؟".

غير أن بوغنبور، تنفي أن تكون الألقاب التشريفية "تكبراً على الآخرين، فهي من رموز المجتمع والأنساب"، وفقاً لتعبيرها.

وأضافت: "إذا كنا نريد تغيير أو إزالة الألقاب فلا يمكن إزالة ما هو أصح وأهم" تضيف مسترسلة، " لماذا لا يحذفون الحصانة الذي يتمتع بها بعض المسؤولين؟، كذلك إزالة التقاعد الذي يتمتع به البرلمانيون، تعديل الرواتب أو بالأصح نقص من بعض الرواتب التي يتمتع بها بعض المسؤولين لأنها خيالية".

الأشراف يعانون

يرى "سيدي" عبد السلام، أن موضوع الألقاب تحصيل حاصل؛ يقول: "في النهاية المرء يحاسب على أعماله أمام الله".

ويشير كذلك، إلى أنه لا مشكل له إذا تم حذف لقب "سيدي" من بطاقته التعريفية.

هذا الرجل "الشريف"، يبلغ الخامسة والسبعين من عمره، يقدره الكبير والصغير في أحد الأزقة الصغيرة في مدينة تطوان شمال المغرب.

يحرص على أداء صلاته في وقتها داخل المسجد القريب من الحي، جل أوقاته يقضيها بسطح منزله، وسبحة في يديه، يطعم أحياناً الحمام المتواجد بكثرة فوق السطح، وأحياناً كثيرة يمضي وقته في صنع سبحة.

لا يعرف ما معنى الصوفية، فهذه العبارة جديدة على قاموسه؛ لكن يبدو أنه صوفي بالفطرة، فبحسب ما يحكي، أنه يفضل ذكر الله كثيراً، كما أنه اعتزل الجلوس بالمقاهي لأزيد من ثلاثين سنة، واعتاد أن يخاطبه الكبير والصغير من معارفه بـ "الشريف" أو" سيدي" عبد السلام.

فشلت في الدراسة، عانت من الأمراض، حاضرها مخيب، مستقبلها غامض، ولكنها لا ترى كل تلك الإحباطات سوى "امتحان" من الله للشرفاء آل البيت

ولكنه لم يستفد شيئاً من اللقب، خدم في العسكرية طيلة حياته كجندي بسيط، وهو فخور بذلك، ولم يخف حزنه من تقاعده الهزيل جداً، لا يتجاوز 50 دولاراً.

يعيش على البركة، بحسب تعبيره، ويضيف: "النسب الشريف لم ينفعني لا في الحياة الدنيا، ولا أعتقد أنه سينفعني في الآخرة".

ويفسر وجهة نظره بالقول:" عشت طيلة حياتي رجلا بسيطاً، أعمل بكد، وأتقاضى راتبي الهزيل، الذي به ربيت أبنائي الخمسة، لم أخن زوجتي يوماً، ولا يسبق أن طلبت من أي شخص أن يخاطبني بلقب ما، ولا أتذكر أنني طرقت باباً من أبواب المسؤولين قصد المساعدة"، يصمت ليسترجع أنفاسه بسرعة، مضيفاً: "في الآخرة أيضاً، نتحاسب عن أعمالنا فقط، والنسب لن يشفع لنا".

ويبدو أن حفيد عبد السلام إلياس لا يختلف عنه كثيراً؛ فشاب العشرينيات، والذي يدرس بإحدى جامعات مدينة تطوان، أشار إلى أنه لا يرفض مخاطبته بلقب "سيدي"، وفي نفس الوقت لا ينزعج إذا لم يتم ذلك، الأمر سيان بالنسبة له.

وشدد إلياس على أننا "لا نعيش في المدينة الفضيلة، فأشراف هذا الزمن يقاسون بأرصدتهم وحساباتهم البنكية، أعرف أشخاصاً أغنياء لا يتحدرون من نسب الرسول، لكن يتم مناداتهم بسيدي ومولاي فقط لأنهم أغنياء".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard