بين توثيق الخوارج وتجاهل بعض أئمة آل البيت... تأثير السياسة في اختيار البخاري لرواة صحيحه

الأربعاء 13 يناير 202112:08 م

كان الاتجاه التقليدي عند المحدثين الأوائل يقف في صف رفض الرواية عن المبتدع. هذا الاتجاه يتضح في القول المشهور لمحمد بن سيرين "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السنّة فيؤخذ حديثهم، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم".

قول ابن سيرين كان في حقيقته يتوافق ويتماشى مع ازدياد وتصاعد الفتن السياسية التي انتشرت في الدولة الإسلامية بدايةً من النصف الثاني من عهد الخليفة عثمان بن عفان، إذ كان أصحاب كل مذهب يعملون على اختلاق الحديث ونسبته إلى الرسول، في محاولة منهم لصبغ مذهبهم بالصبغة الشرعية، ولتأصيل مبادئه وأصوله من خلال ربطها بالرسول نفسه.

مع ذلك، إذا رجعنا إلى كتاب "الجامع المُسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله وسننه وأيامه"، والمشهور باسم صحيح البخاري، للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري (ت. 256هـ/ 870م)، وهو أهم المصنفات الحديثية عند أهل السنّة والجماعة على الإطلاق، لوجدنا أن صاحبه تغافل عن تلك القاعدة، إذ خرّج لعدد كبير من الرواة المتهمين بـ"النصب"، أي كراهية علي بن أبي طالب وأبنائه، تارةً، وبالتشيع تارةً أخرى، في الوقت الذي تغافل فيه عن التخريج لمجموعة من كبار أئمة آل البيت، وهي الظاهرة التي لا يمكن تفسيرها إلا بالرجوع إلى الظروف والسياقات السياسية والمذهبية في زمن البخاري.

هل روى البخاري عن خوارج ونواصب معادين لآل البيت؟

من بين الرواة المتهمين بالبدعة في صحيح البخاري، يوجد العديد من الخوارج والنواصب، ممَّن اشتهروا بقتال علي بن أبي طالب أو بكُره آل البيت النبوي.

من أشهر هؤلاء الرواة، كل من حريز بن عثمان، الذي اتُّهم بالنصب، أي مناصبة آل البيت العداء، وقد خرج له البخاري حديثاً واحداً، وعكرمة مولى عبد الله بن العباس، وقد اتُّهم بأنه من الخوارج، وخرج له البخاري 76 حديثاً، وعمران بن حطان، الذي اتُّهم بأنه من الخوارج أيضاً، وخرج له البخاري حديثين.

المصادر التاريخية تحدثت كثيراً عن عداء هؤلاء الرواة الثلاثة لآل البيت. فعلى سبيل المثال، يذكر شمس الدين الذهبي (ت. 728هـ) في كتابه "سير أعلام النبلاء" أن عمران بن حطان كان من رؤوس الخوارج في زمانه، وأنه كان يعلن أمام الجميع تقديره وإعجابه بعبد الرحمن بن ملجم المرادي، قاتل علي بن أبي طالب، ومما شاع من شعره مدحه لابن ملجم بقوله:

يا ضربة من تقي ما أراد بها/ إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكره حيناً فأحسبه/ أوفى البرية عند الله ميزانا

أكرم بقوم بطون الطير قبرهم/ لم يخلطوا دينهم بغيا وعدوانا

في السياق نفسه، كان حريز بن عثمان من كبار الشاميين الذين يبغضون علياً، وكان يقول عنه: "لا أحبه لأنه قتل من قومي يوم صفين جماعة"، وقد قيل بأن حريزاً اعتاد على شتم علي ولعنه عقب كل صلاة.

أما عكرمة، مولى عبد الله بن العباس، فكان قد اتبع زعيم الخوارج نجدة الحروري، ومكث معه لمدة ستة أشهر، وبعدها ارتحل إلى إفريقية داعياً للمذهب الخارجي، وفي ذلك يقول الإمام أحمد بن حنبل: "إنما أخذ أهل إفريقية رأي الصفرية (أحد مذاهب الخوارج) من عكرمة لما قدم عليهم...". ومما قيل أيضاً، إنه كان خارجياً على المذهب الإباضي، وذلك بحسب ما يذكر الحافظ جمال الدين المزي (ت. 742هـ) في كتابه "تهذيب الكمال في أسماء الرجال".

ومن أشهر الروايات التي توضح أفكار عكرمة المعادية لآل البيت، قوله، الذي يكاد يكون منفرداً به، إن الآية رقم 33 من سورة الأحزاب، والتي جاء فيها {ِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، نزلت في أزواج الرسول دون فاطمة وعلي والحسن والحسين، وهو الأمر الذي عدّه الشيعة دليلاً دامغاً على كراهته لآل البيت، خصوصاً وأنه كان يمشي في الأسواق ويقول عن تلك الآية: "من شاء بَاهَلتُه، أنها نزلت في نساء النبي خاصة"، بحسب ما يذكر شهاب الدين الآلوسي (ت. 1270هـ) في تفسيره "روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني".

لماذا امتنع البخاري عن الرواية عن الإمام جعفر الصادق؟

أثارت عدم وجود أحاديث مروية عن الإمام جعفر الصادق جدلاً شديداً حول كتاب الجامع الصحيح، وذلك لأن كثيرين من الباحثين عابوا على البخاري عدم تخريجه للأحاديث المروية عن طريق الإمام جعفر بن محمد الصادق (ت. 148هـ)، وهو الإمام الفقيه الذي أشاد بعلمه وبوثاقته القاصي والداني.

كثيرون من علماء الشيعة الإمامية الاثناعشرية على وجه الخصوص اعتبروا أن تغافل البخاري عن التخريج للصادق من سقطاته التي لا تغتفر، والتي تقدح في موثوقية كتابه بالجملة، إذ استنكروا تخريجه لأحاديث مروية عن عدد كبير من الخوارج والنواصب، في الوقت الذي يتوقف فيه عن إيراد أحاديث سليل الدوحة النبوية المطهرة.

يثار السؤال عن السبب في اختلاف تعامل البخاري مع الخط الإمامي الشيعي، بحيث لا يرى إشكالاً في التخريج للأئمة الخمسة المتقدمين منهم، في حين يمتنع عن التخريج لمَن بعدهم

من علماء الشيعة الذين أظهروا استنكارهم لموقف البخاري، محمد صادق النجمي في كتابه "أضواء على الصحيحين"، عندما أكد على أن إسقاط البخاري للصادق من قائمة مشايخه ورواته كان عملاً مقصوداً، ولم يقع بشكل عشوائي أو عفوي، ذلك أن صاحب الجامع الصحيح سافر إلى موطن الصادق في المدينة المنورة، ومكث بها قرابة الست سنوات، هذا بالإضافة إلى أنه روى الأحاديث عن بعض تلاميذ الصادق المعروفين، من أمثال عبد الوهاب الثقفي، وحاتم بن إسماعيل، ووهب بن منبه، فكيف تتفق كل تلك الملابسات مع إعراضه عن قبول رواية الصادق، والتخريج لها في صحيحه؟ خصوصاً، وأن البخاري قد أخذ ببعض روايات الصادق في الأدب المفرد وفي التاريخ الصغير، كما ترجم له في كتابه التاريخ الكبير.

بالنسبة للرأي السنّي الذي يدافع عن البخاري، فقد عمل على تقديم بعض الأجوبة التي تبرر عدول البخاري عن التخريج للصادق، ومن تلك الأجوبة ما قدمه الدكتور أحمد صنوبر في بحثه المهم "أسباب عدول الإمام البخاري عن التخريج للإمام جعفر الصادق في صحيحه".

قال إن البخاري لمّا كان يهتم بالمقام الأول بعلو الإسناد، فإنه تغافل عن التخريج لبعض الثقات الذين لم يربطه بهم إسناد عالٍ، فكان عزوفه عن التخريج للصادق مشابهاً ومماثلاً لعزوفه عن التخريج لبعض من الأئمة والأعلام، ومنهم الإمام الشافعي على سبيل المثال، أو أن أحاديث الصادق لم تصل إلى البخاري، وذلك بسبب الحصار الخانق الذي فُرض على الأول بتحريض من الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور.

وهنالك، يضيف، سبب ثالث يتمثل في أن البخاري كان قد عزف عن التخريج لجعفر الصادق بسبب رأي شيخه يحيى بن سعيد القطان، والذي كان لا يوثق جعفر الصادق، ومما يقوي من هذا الرأي ما أورده ابن تيمية (ت. 728هـ) في كتابه "منهاج السنّة النبوية في الرد على الشيعة القدرية"، في قوله "استراب البخاري في بعض حديثه (أي جعفر الصادق) لما بلغه عن يحيى بن سعيد القطان فيه كلام فلم يخرج له".

وفي السياق نفسه، يرفض الرأي السنّي القول إن تغافل البخاري عن التخريج للصادق كان بسبب عدائه المُضمر لأئمة آل البيت، ذلك أن البخاري قد خرج في صحيحه لمجموعة من أئمة آل البيت الكبار من أمثال علي بن أبي طالب، ومحمد بن الحنفية، والحسين بن علي، وعلي زين العابدين، ومحمد الباقر، كما أن البخاري خرج في صحيحه أيضاً لمجموعة من الشيعة الغلاة، من أمثال عباد بن يعقوب الرواجني، وخالد بن مخلد القطواني، وعُبيد الله بن موسى العبسي الكوفي، وعدي بن ثابت الأنصاري الكوفي، وفطر بن خليفة الكوفي.

كيف نفسر هذا التعارض؟

لمّا عجز علماء أهل السنّة والجماعة عن وضع قاعدة واضحة تفسر الأسباب التي دفعت البخاري للتخريج لمَن خرج لهم في صحيحه من أهل البدعة تحديداً دوناً عن غيرهم، قالوا بعدة أقوال لتفسير هذا الأمر، منها على سبيل المثال أن البخاري أخذ برواية بعض المبتدعين الذين لا يكذبون، مثل الخوارج، واستدل أصحاب هذا الرأي بما نُسب إلى أبي داود من قوله "ليس في أهل الأهواء أصح حديثاً من الخوارج"، وهي المقالة التي ستشيع في الكتابات الحديثية السنّية في ما بعد، وسيستدل بها الكثير من العلماء السنّة في معرض تفسيرهم لسبب قبول البخاري تخريج روايات الخوارج، ورفضه لتخريج روايات الشيعة الروافض.

إذا رجعنا إلى "صحيح البخاري"، لوجدنا أن صاحبه خرّج لعدد كبير من الرواة المتهمين بـ"النصب"، أي كراهية علي بن أبي طالب وأبنائه، في الوقت الذي تغافل فيه عن التخريج لمجموعة من كبار أئمة آل البيت

تغافل أصحاب هذا التوجه عن بعض الروايات التي تذكر أن بعض الخوارج الذين رجعوا إلى الصف السنّي قالوا "انظروا عمَّن تأخذون دينكم، فإنّا كنّا إذا هوينا أمراً صيرناه حديثاً"، وذلك بحسب ما يذكر الحاكم النيسابوري في كتابه "المدخل إلى الإكليل".

ومن هنا، اتفق السواد الأعظم من علماء الحديث على أنه لا يُنظر من الأساس في حال مَن روى عنه البخاري، وذلك تبعاً للقول المشهور "كل مَن روى عنه البخاري فقد جاز القنطرة"، بمعنى أن توثيق البخاري كافٍ لتعديل الراوي والأخذ برواياته.

هنا، يظهر الظرف السياسي-المذهبي كمفسر مهم لاختيارات البخاري لرواة الصحيح، وينبغي الالتفات إلى أهمية اللحظة التاريخية الفارقة التي عاصرها الإمام البخاري إبان فترة تدوينه وتصنيفه لكتابه.

يمكن الادعاء بأن المحدث القادم من مدينة بُخارى، الواقعة في منطقة آسيا الوسطى، عايش لحظة التأسيس التاريخي لمذهب أهل السنّة والجماعة، ومن هنا فقد كان صحيحه، ذائع الصيت والشهرة، في واقع الأمر الكتاب الأكثر تعبيراً عن عقائد أهل السنّة، فضلاً عن كونه لسانهم الناطق وسيفهم المشهور للدفاع عن خصوصياتهم العقائدية والسياسية في معاركهم الفكرية المستمرة ضد مَن اعتبروهم أهلاً للأهواء والبدع والانحراف والزيغ، حتى وصفه الباحث المعاصر همام عبد الرحيم سعيد في كتابه "الفكر المنهجي عند المحدثين" بقوله: "البخاري ليس راوية حديث فحسب، ولا رجل دراية في الأسانيد فقط، ولكنه جمع في ما جمع فهماً لعقائد معاصريه حتى كانت أبواب الكتاب القول الفصل في نصرة أهل السنّة والجماعة، ودحر خصومهم".

من هنا يمكن فهم التناقض الظاهر في منهجية تعامل الإمام البخاري مع كل من الخوارج والنواصب والإمام جعفر الصادق، إذ اختلف تعامله مع كل فريق بحسب تعاطيه مع الخط العام لأهل السنّة والجماعة في زمنه، في القرن الثالث الهجري.

في ما يخص الخوارج، وهم الفصيل الإسلامي الذي انبثقت أفكاره بالأساس عن مفهوم الحاكمية، والذي ظهر للمرة الأولى بشكل متمايز على الساحة الفكرية-السياسية في الإسلام في موقعة صفين (37هـ/ 657م)، ورفع قادته رايات الكفاح المسلح ضد دولة الخلافة، فقد تتابعت ثوراتهم ضد السلطة الأموية، ولكنهم سكنوا واستكانوا بشكل كبير بعد تأسيس الدولة العباسية.

وتحدّث الدكتور أحمد أمين، في كتابه "ضحى الإسلام"، عن حال الخوارج في تلك الفترة، فقال: "جاءت الدولة العباسية والخوارج في أخريات أيامهم، فقد أنهكوا الدولة الأموية وأنهكتهم، ونالوا منها ونالت منهم؛ حتى إذا أعقبهم العباسيون كان الخوارج في حالة تشبه الاحتضار، وحركاتهم التي أتوا بها في العهد العباسي تشبه حركة المذبوح، فلم يتح، من أجل هذا، للمذهب الخارجي فرصة أن يتفلسف".

من هنا يمكن القول إن النشاط الثوري الخارجي هدأ بشكل شبه تام في المشرق الإسلامي، وانتقل إلى المغرب الكبير، حيث تمكّن الخوارج من إقامة وتأسيس بعض الدول في الجناح الغربي من العالم الإسلامي، ومنها على سبيل المثال، دولة بني مدرار الصفرية في سجلماسة في جنوب الأطلس الكبير في الفترة بين عامي 140-366هـ/ 757-976م، والدولة الرستمية الإباضية في تاهرت في الجزائر في الفترة بين عامي 160-297هـ/ 776-909م.

بناء على ذلك، لم يجد البخاري بأساً في التخريج لبعض الخوارج أو النواصب، لكون خطهم السياسي لم يعد يشكل خطراً حقيقياً على السلطة السنّية الحاكمة في بلاد المشرق.

الأمر اختلف بشكل كامل في حالة الشيعة الإمامية، فالبخاري الذي خرج في صحيحه لبعض أئمة آل البيت الأوائل، لم يتغافل عن التخريج للصادق وحده، بل تغافل أيضاً عن التخريج لجميع الأئمة الاثناعشرية الذين تبعوا جعفر الصادق، من أمثال موسى الكاظم وعلي الرضا، بل إنه رفض أن يخرج لأحاديث ثلاثة من الأئمة الذين عاصروه وعاصرهم، وهم محمد الجواد، علي الهادي، والحسن العسكري.

وقد يثار السؤال هنا، عن السبب في اختلاف تعامل البخاري مع الخط الإمامي الشيعي، بحيث لا يرى إشكالاً في التخريج للأئمة الخمسة المتقدمين منهم، في حين يمتنع عن التخريج لمَن بعدهم؟

يمكن أن نعزو ذلك لكون التأسيس الفعلي، لا المُتخيل، للمذهب الشيعي الإمامي، وقع في نهايات عهد الإمام الخامس محمد الباقر وبدايات عهد الإمام السادس جعفر الصادق، حيث ظهر الخط الإمامي كخط شيعي مستقل ومتمايز عن الخط الشيعي التقليدي الزيدي الذي أظهر عن نفسه في ثورة زيد بن علي بن الحسين في الكوفة عام 122هـ/ 740م.

معنى ذلك أن البخاري، وللحفاظ على توجهاته السنّية، اختار أن ينقّي كتابه من أي إشارات مذهبية سياسية خالصة، ولذلك رفض التخريج للصادق ومن بعده من الأئمة، حتى لا يُستغل ذلك في ما بعد بشكل سياسي. أما تخريجه للشيعة الغلاة الذين ذكرنا أسماءهم، فلا يتعارض مع ذلك التوجه، لأن منهجية البخاري كانت تقبل التخريج لـ"أهل البدعة" في الأحاديث التي ليست لها علاقة مباشرة ببدعتهم، وحال الشيعة في ذلك كحال الخوارج الذين أكثر من الرواية عنهم.

ومما تجدر ملاحظته هنا أن أياً من رواة البخاري الذين اتُّهموا بالرفض، لم يثبت انتماؤهم بشكل مذهبي كامل للشيعة الإمامية، وقصارى القول إن هؤلاء الرواة كانوا يعتنقون التشيع مع بعض الغلو العقائدي دون أن يتحول ذلك الهوى الشيعي إلى اعتناق كامل لعقائد الإمامية المتمايزة المعروفة مثل النص الإلهي على الأئمة وعصمة الأئمة والرجعة وغير ذلك من العقائد التي تميّز الشيعة الإمامية الاثناعشرية عن غيرهم من الفرق الشيعية الأخرى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard