يوميات كاثرين كليفتون الأخرى... قصة قصيرة لإستبرق أحمد

السبت 31 يوليو 202103:02 م

مجاز الحلم، مجاز النائم في هوى المنحدر


ساحة للمركبات بمظلات قوية، شوارع نظيفة،لا مناكفات ولا انتظارات، خلفي السوق المركزي الذي ترتفع أسعاره،غفت فجأة نصف لوحته النيونية في العطب؛ فأضحت "سوق مُر"، هبطت الرؤوس فوراً، ضغطت زرّ الإبلاغ الموجود في منتصف القفص الصدري، لا مجال للخلل وسرعة الإصلاح مطلوبة، والخير له درجاته.

**

أكياسي ثقيلة، أحملها متوجّعة، لمحت صديقتي السريعة خطوتها، يلتف حجابها معوجاً ناحية اليمين، مخفية جزءاً كبيراً من خدّها الأيمن، ربما لم تصلح خدها. كدتُ أناديها،تذكرتُ أسبوع تخفيضات الصوت، فلا أحاديث طويلة أو عالية النبرة أو هتافات. ندمتُ لعدم شرائي استثناء المرّة الواحدة، ظننت أنّه في الوحدة من يحتاج للصوت الصارخ بهجة.

**

أراقب طائرتين "درون" تستعرضان مهاراتهما والحرّ مريع.

تقتربان من السوق، تلفان في السماء، لابد أنهما تصوران العطب، تهبطان عمودياً، تلمعان بشدة أمامي، ترتفعان بانسيابية.

لطالما أردت اقتناء واحدة، صغيرة، تضيء فوق رأسي في الليل فتعطي أهمية لحضوري، شعرت بتنميل بسيط عند مرفقي. تجاهلته.

الضجر يجعلني أتكاسل. ماعدت أدخل مواقع التواصل، ولا أستمع لنشرة الأخبار، وقلّ اهتمامي بصحتي.

**

أنزلت الأكياس عند محل عصير بيان "جلطة قلب" الشهير. أقرأ القائمة الماكرة، أبتسم لخياراته في عصائر تحمل اسم" "كدمة عين" للونه الأزرق، "بذح اللسان" المخلوط بالفلفل الحارق،أمّا المفضل فهو "شلل" عصير صقيعي البرودة، اشتريته ليخمد الحرارة الساحقة ويأخذني بعيداً عن تنميل ذراعي اليسرى المتزايد.

أضحك ما إن أشرب العصير المدغدغ، ينظر إليّ البائع ويخبرني بحزم:

- عليك الالتزام بالابتسام دون الضحك.

- آآآآ

-لابأس، التحديثات الجديدة لأسبوع تخفيضات الصوت، مربكة لنا جميعاً.

أهزّ رأسي ولساني متجمد، أعيد أسفي بابتسامة.

أتساءل ممتنة لمذاقه، عن مدى خسارتنا لو منعت وجوده الأقلية المنزعجة، لرفضها التناقض السافر بين استهانة المحلّ بالأضرار وسياسة التصحيح للبلد.

كدت أضحك مجدداً لسذاجة الوسيلة. جلست بجانب "مارلين مونرو"، رائحتها زكيّة، قرّبتْ رأسها وسألتني بخفوت إن كان بيتي في قطاع 6

ارتجف جفني، ارتسمت جملة صغيرة أمام عيني بوجود مخالفة. أكاد أشتم البائع. فأقرأ أنّ السبب تخلفي عن موعد العلاج.

ألعن نفسي هامسة.

**

أتجهُ نحو المركبة 71 العمومية،ولساني مخدّر تماما،أصعد، أجد الغالبية يبتسم ويضيّق عيونه، مجاراة لموضة العيون الصغيرة، المسحوبة، ميزة جمالية لايستطيع الجميع تحمل تكاليفها، فيدعيها بشكل يثير الاستهزاء.

كدت أضحك مجدداً لسذاجة الوسيلة. جلست بجانب "مارلين مونرو"، رائحتها زكيّة، قرّبتْ رأسها وسألتني بخفوت إن كان بيتي في قطاع 6. هززت رأسي بأنه كذلك. كدت أخبرها إنّ جميع الممثلات المتقاعدات يعشن هناك. بدت مرتاحة. وصلنا. حملت علبتها الصغيرة وأمسكتُ بأكياسي ونزلنا.

**

دخلت منزلي.

راجعت معدّل مخالفاتي في اللوح المخصص لها. لم أجدها مرتفعة. ما يعني إمكانية تحديد موعد قريب للمعالج.

نظرت لوجهي، تذكرت صاحبي الذي أصرّ أن أكون نسخة الممثلة كريستين سكوت توماس، حصرياً في دور كاثرين كليفتون، عشقاً لفيلم "المريض الانجليزي"،وصل صندوق الملابس وإكسسوارات الشخصية قبلي، ثم جئت.

أخبرني بمحبته للعيون الناعسة، للخصر الأهيف، وللوجه المتألم.

يومياً يناديني بكاثرين، ويأمرني بالجلوس في الظلام. بقربي شمعة كبيرة، أكاتبه أو أحفظ وأتلو رسائل حبّ.

متقمصاً شخصيات أبطال الأفلام الرومانسية، يأتي هوسه ببعض المشاهد التي تجعله قادراً على الحياة.

كنّا سعيدين.

**

أشهر مضت. رأيت ذبذبات ملله. عاينت شبعه من لعبة الرسائل.

أبلغني أخيراً بانتهاء مهمتي، وأنه استطاع إقامة معرضين فنيين من خيالاتي، ليخيّرني بين الحرية أو العودة للشركة التي صنعتني، فاخترت الحلّ الأول وأهداني المنزل.

تنميل ذراعي لايفلتني لإفراطي بالكتابة مؤخراً، موقع "العشاق" بات نهماً لعملي.

أرسل إشارة للمعالج بالموعد الجديد.

**

أفكر بمارلين مونرو، ما الذي أدته من أفلامها؟

قطاع 6 ليس ضخماً ولا ضئيلاً.

في القرب مني صديقات كُثُر: ليلى فوزي، نبيلة السيد،هيا عبدالسلام، سعاد عبدالله. جميعنا جاهزات لأي مهمة جديدة تطلبها منا الشركة.

أتساءل هل ستقيم مارلين مونرو بقربنا ونصبح صديقات؟
بظهورها... سيهتفن صديقاتي: أخيراً شقراء جديدة!

في آخر لقاء أعدنا سرد تجاربنا، شعرنا بتكرار حواراتنا حول وظائفنا المرسومة من أصحابنا، وصولاً لنضوب شغفهم، أجّلنا لقاءنا القادم شهرين. الوقت سيال، وفير لدينا.

أتساءل هل ستقيم مارلين مونرو بقربنا ونصبح صديقات؟

بظهورها... سيهتفن: أخيراً شقراء جديدة.

**

اتصلتُ بهن جميعاً اليوم ولم ترد واحدة. قررت زيارة نبيلة السيد ربما سأبتسم لديها قليلا،بدلا من تذمراتنا حول الأعطال المتأخر إصلاحها، فانشغال المعالجين ببرمجة النموذج الجديد، الذي أخفق في تحقيق نجاحات باهرة في المسابقات الرياضية العالمية،جعل المسئولين يقيمون إسبوع تخفيضات الصوت مراراً، منعا للمزيد من الشتائم الصاخبة والضحكات الساخرة وحتى الابتسامة الغامضة.

**

أستيقظ على أصوات شاحنة. أفتح نافذتي، أتفاجأ بمارلين مونرو تطرق باب بيت هند صبري الجديد، وتدلف سريعاً. فكرت: منذ فترة ماعادت تخرج. قيل هجرها صاحبها. قيل مات كلبها. ولم أرها إلاّ نسخة قاتمة من هند المعروفة بابتسامتها العذبة، بينما تمزح صديقاتي بأن مهمتها ربما كانت فيلم "أسماء".

بعد دقائق وقف اثنان أمام بابها. فتحت لهما مونرو الباب، تتكأ على كتفها هند شاحبةً. سارت أمامهما إلى الشاحنة، فتحت الباب الخلفي، ولجته.

لحظات وسمعت طرقات على بابي. ارتعشت.

طرقة، طرقتان، وفتحته في الثالثة.

ابتسمت مونرو. قالت: تبدين على خير حال.

_لا أعرف.

_ طائرات الدرون رصدتك مصادفة في السوق. هل تابعت الإعلان عن الترتيبات؟

_لا.

سلمتني ورقة التعليمات، رأيتها تفصيلية. لم أحتج الكثير للموافقة. ما قرأته وافقني.

**

ها أنا عائدة وتنميل يدي اختفى بعد زيارتي للمعالجة "مارلين مونرو" التي أُقيمت عيادتها في قطاعنا لسهولة التواصل، وحتمية العودة لشعار "إصلاح الخراب بسرعة " وإن بمبالغ أعلى.

أهبط من الشاحنة. أدخل بيتي. أجد بعض مخالفاتي قد ألغتها مارلين مونرو بكتاب موجّه للمحافظ، لسعادتها برسالة امتنان كتبتها لها، ووصفتها بما تسعى دوماً لاعتراف الآخرين به: "ذكية و دافئة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard