كأس الليمون المُخاتِل والألغاز البوليسية

الأربعاء 17 فبراير 202101:23 م

أذكر مشهد لهفتي كاملاً بانتظار عودة والدي من عمله، يبتسم فيظهر بروزٌ جميلٌ لـ"ناب علوي" مضفياً جاذبيةً خاصةً، تتلوها -أحياناً- ضحكةٌ مجلجلةٌ وحاضنة، ممسكاً كيس الجرائد، تتعلَّق أنظارُنا بما يقبض عليه، تبدو عروة كُمِّ دشداشته منغلقة "ببَزمةٍ" (دبوس) ذهبية -موضة الثمانينيات.

هذا الرجلُ المحبُّ، المنظم، النَّهم للكتب الشِّعرية والروايات، لا يرضى لأبنائه إلّا بزوادةٍ تفتح مغارةَ الخيال. أَخرج الحاوي في ذلك اليوم أولَ كتابٍ مُلغز قرأته. اخترقتْ رصاصةُ غلاف هذا الكتاب اهتمامي، مُطيحة بالتوقع والبلادة بطلقةٍ واحدةٍ.

عزَّزت أكثر فعل القراءة والتَّنوع، هكذا أصابت هدفَها، إذ مسَّتني الكتابةُ الممتعةُ والغامضةُ بحمّى العثور على المزيد، وتنامى الفضول للأحجيات، والتَّوق للاطَّلاع على نتاجاتٍ فريدةٍ أبرزها -آنذاك- إبداعُ هذه الكاتبة حادّةِ الذَّكاء، التي تُمثل حقبةً في القصِّ البوليسي، امرأة ريفية الموطن، ترفض رفَّ النِّساء الهانئاتِ بالقليل، المُنعزلاتِ عن عوالم البحث والتنقيب في فضاء الكتابة والكشف، فكانت تغرفُ من الأفكارِ و الطرافةِ و المعرفةِ، تقبضُ على الجَسارة،وتُلوِّن نصَّها بالتميّز، تغزل من التقاطاتِها في مدن وقرى حاضرة في بلدها، أو تحيك أماكنَ وهميةً لجرائمَ مُحكمةٍ، وتنسج أزمنةً ترتبط -أحياناً- بالحضاراتِ الشَّرقية التي تعشقُها.

ترفض "أغاثا كريستي" رفَّ النِّساء الهانئاتِ بالقليل، المُنعزلاتِ عن عوالم البحث والتنقيب في فضاء الكتابة والكشف، وهي التي كانت تُلوِّن نصَّها بالتميّز، وتغزل من التقاطاتِها في مدن وقرى حاضرة في بلدها، و تحيك أماكنَ وهميةً لجرائمَ مُحكمةٍ

عام 1926 والثمانينيات

كانت الروايةُ الأولى "مقتل السيد أكرويد"، هِبَةَ وأُعطيةَ تلك الظهيرة البعيدة؛ كبسولة السفر داخل مناوراتِ الحبكات الشيِّقة، تعثرت من خلالها بمرأى جثة الرجل الأرمل على كرسيِّ الأحداث، مطعوناً بنصلٍ حادّ عند ياقتِهِ. في رواية مُتقنة الأسرار، قدَّمت "أغاثا كريستي" خديعَتَها الكُبرى عند نشرها عام 1926، وأثارت غيظَ الغاضبين عليها وشهيَّتَهُم حين أربكتهم بارتكاب الراوي للجريمة؛ سبقاً هشَّم زجاج السائد والسابق.

أما في الثمانينيات، فقد ذابت الزوابعُ الصّغيرة التي أحاطت بالنص وخالقتِه، لأطلَّ من كوّة الترقب، قارئةً صغيرةً في طور التكوّن، أشاهدُ اللاعبَ الأذكى يقترب، الرجلَ الضئيلَ يتنحنح، التحري القطّ بشواربِهِ العجيبةِ والمقدسة، المُعتني بها جداً، كأنهما قرْنا استشعارٍ، تلتمع نظرتُهُ الخبيثةُ مرحباً بي وناطقاً باسمه: "هيركول بوارو"، مدحرجاً كرة المحبة تجاهي، لأتلقفها مُغرمة به أكثر من الآنسة ماربل الشهيرة، وغيرها من شخصياتٍ أخرى تفكُّ الألغاز في الروايات، وتأسرنا بالقصص البارعة وعبقرية النهج البوليسي لأغاثا كريستي، ولا تبعد المحقق البلجيكي عن ذهني. رواية عرفتُ منذ سنواتٍ قليلةٍ أن العنوان الأصليَّ هو "مقتل السيد روجر أكرويد"، وأن النص الذي قرأتُه ربما لم يكن كاملاً.

القارئة الكاتبة

أسَّست كريستي ألاعيبَ جديدةً، مبتكرةً، لافتةً، أعطت أبعاداً مختلفةً لقصص الجرائم. مرتشفة عصير الليمون كلما تعقدت المسارات (كما يقال) الذي ربما أخذته من حافة "البانيو"، مكان كتابتها الأثير، لتُهدئ مزاجَها الكتابيَّ، وتُعاود التدوين؛ كوب عصير يظهر متنقلاً أحياناً في أعمالِها وفق مبرّرات أخرى دون أن يروي العطش.

أسَّست "أغاثا كريستي" ألاعيبَ جديدةً، مبتكرةً، لافتةً، أعطت أبعاداً مختلفةً لقصص الجرائم، مرتشفةً  كوب عصير ليمون كلما تعقدت معها المسارات...  لتُهدئ مزاجَها الكتابيَّ وتُعاود التدوين من جديد

هكذا أحكمت أغاثا كريستي سيطرتَها على قارئةٍ صغيرةٍ ورافقت مراهقتها (ربما امتنَّ أهلي لهذا الشغف) بدلاً من الروايات الرومانسية. فبتُّ أجمع رواياتها الـ66، ومجاميعها الـ14، وحظيت بـ70- 80 رواية، تبيَّن تخفي بعضُها بعناوين أخرى.

مضيت أنصت لاحقاً لخفق أجنحة يمام الكتابة بداخلي وأطاوعها ببهجةٍ، لتفاجئني ملاحظة أحدهم، ذات فعالية، حول أسلوبي وشبكة التلميحات في النص، مُرجحاً أنها ربما أتت من الحبكات البوليسية، هكذا تذكرت الغلالة التي أحرص عليها في كتابتي، بأن أضلل المُتلقي، أحرمُهُ المسار المباشر، أضع له فتات أحداث ربما تجعله يرتبك، أو تصدمه مفارقة وتخلخل تخميناته، مشتتةً انتباهه ولو قليلاً دون إزاحة الحدث الرئيسي، تقنيات أميل إليها في المراوغة التي أحبُّها، والتي ربما زرعتها أغاثا كريستي وغيرها من كتب الألغاز الماكرة، التي جعلتني أغرم بالتحايل على القارئ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard