المكارثية في الجامعات المصرية... الجرذان الوشاة يثقبون السفينة

السبت 31 يوليو 202102:14 م

   في مصر مهنٌ يخجل أصحابها من الإعلان عنها؛ مهن رسمية، وبعضها مهامّ يؤديها أوغاد تطوعاً، أو سلّماً إلى الترقّي الوظيفي. يتشدد المجتمع مع القوادة، والقواد يورث أبناءه عارَه. تلاحقهم لعنته حيّاً وميتاً.

في نهاية القرن العشرين طمح موظف إلى تولي وزارة الإعلام، فحاربه وزير قواد. حوكم الطامح المشتاق، ونال لقب "قواد" بحكم قضائي. المجتمع نفسه قد يتسامح مع المضطرة لبيع جسدها، ويلتمس الأسباب، ولكنه ينبذ الذي يتولى تشغيلها، ويكفيه وسم "المعرص".

احتقار المجتمع للقوادين يشمل الوشاة، بدرجاتهم وطبقاتهم، من خونة عرابي إلى صغار يحاربون زملاءهم بوشاية لن يتثبت منها محقق، ولن يقضي فيها قاض. وفي دولة الرعب توقّع أنك "إرهابي".

في أيام تشبه نهاراتُها لياليها قرأت نثارات من أخبار مروعة عن تكليف وزاريّ لرؤساء الجامعات بأدوار مكارثية. ولم أصدق ما اعتبرته سخافات أستبعد أن يتدنى إليها مستوى الأداء العمومي الرسمي، فما أسهل ترويج شائعات وشائعات مضادة في معارك تفتقد الشرف المهني.

بحثتُ فوجدت الخبر مذاعاً في التلفزيون، وفي بوابات إلكترونية للصحف الحكومية، منسوباً إلى اجتماع المجلس الأعلى للجامعات برئاسة وزير التعليم العالي والبحث العلمي، يوم 26 يوليو 2021 بمقر جامعة الأزهر، بحضور وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، وأمين المجلس الأعلى للجامعات، وأعضاء المجلس. هذا لا يكفيني مهنياً؛ لا بدّ من دليل ورقي لا أشكّ فيه، ويستحيل محوه أو تعديل صيغته.

راجعت الصحف، ومنها "الشروق" التي نشرت صفحتها الأولى في 27 يوليو، تقريراً عن الاجتماع، وما انتهى إليه من "تكليف رؤساء الجامعات بتجهيز قوائم بالمنتمين إلى الكيانات الإرهابية استعداداً لفصلهم".

الهزيمة ثمن فادح للإفاقة من كابوس "دولة المخابرات". فهل يتكرر خطأ ما قبل يونيو 1967، بإنضاج جيل من الوشاة المحترفين؟

هذا الفصل بغير الطريق التأديبي "بهدف تخلّص الجامعات ممن ينتمون للجماعات الإرهابية"، فهل يحمل الإرهابي بطاقة عضوية في تنظيمه؟ في الأجواء المكارثية لا يملك هؤلاء المسؤولون أن ينفوا عن أنفسهم تهمة الانتماء إلى جماعة إرهابية.

تقادم الزمن بصورة نمطية ساذجة تختصر الإرهابي في لحية غير مشذبة يعلوها وجه عابس. وكان كفار قريش في المسلسلات والأفلام المصرية القديمة تميزهم حواجب كثة مرفوعة، وأصوات جشاء، ولا يكفّون عن تناول الخمور، والتهام الخراف المشوية.

في الأزمنة البوليسية الوسطية، لا تكون السلطة السياسية والأمنية شرسة، مكشوفة الوجه. والآن يتم تكليف وشاة رسميين بمهام مكارثية، وسوف يوكل رؤساءُ الجامعات تنفيذ ما أمروا به إلى وشاة من الموظفين المشتاقين إلى الترقي، فيشرفون على وشاة أدنى درجة، ويصبح المجتمع قطعاناً من الوشاة، والوشاة بالوشاة. فإلى من يلجأ المتهم ظلماً بالانتماء إلى جماعة إرهابية؟ وسط الهوس باختلاق أعداء لن يسمعه أحد، ولن ينصفه منصف.

الدكتور حازم حسني الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية اعتُقل 17 شهراً بتهمة مساعدة جماعة إرهابية في تنفيذ أهدافها. اتهام مضحك لرجل لا يكف الإخوان عن انتقاده. في مقابل التكفير الديني، يرفع الأمن راية التكفير الوطني.

ومن الصحفيين اعتقل خالد داود 19 شهراً، ولم يشفع له عمله في مؤسسة "الأهرام" ولا رئاسته لحزب الدستور. ولا يزال رافضون لمشروع الإخوان في السجون. يوم الخميس 29 يوليو عرض البعض منهم على المحكمة، محالين من النيابة بتهمة تليق بمرحلة لم يعد فيها الأداء البوليسي وسطياً.

المحامي زياد العليمي العضو السابق بالبرلمان متهم بنشر أنباء كاذبة منها مقال عن مشروع قناة السويس الجديدة، رأته النيابة إيحاء للرأي العام العالمي بفشل المشروع. أما الصحفي هشام فؤاد فاتهمته النيابة بوصف 30 يونيو 2013، في لقاء تلفزيوني، بأنه انقلاب عسكري، بما يوحي بافتقار الحكم إلى الشرعية، "وتكدير الأمن العام، وإلقاء الرعب بين الناس".

زياد العليمي وهشام فؤاد لم يتهمهما مواطن بالتسبب في تكديره وإرعابه. الرعب الحقيقي في إرساء القواعد القانونية للرعب. البرلمان سوف يقر القانون رقم 8 لسنة 2015، ليجيز فصل الموظف بغير الطريق التأديبي إذا اتهم بالانتماء إلى كيان إرهابي.

كان المخبر الواشي يخجل ويتخفى. وفي الزمن الرديء يباهي الواشون بأنفسهم، ويجادلون بأنهم جنود في معركة

عند الاختبار، لم تصمد دولة الرعب في عراق صدام حسين. وكادت مصر تسقط في المصير ذاته، لولا أن أنقذتها هزيمة مريرة عام 1967، فاعتذر جمال عبد الناصر في مجلس الأمة عن أداء "دولة المخابرات التي تغلغلت وانحرفت... أعتبر أن هذه الدولة سقطت". الهزيمة ثمن فادح للإفاقة من كابوس "دولة المخابرات". فهل يتكرر خطأ ما قبل يونيو 1967، بإنضاج جيل من الوشاة المحترفين؟

مدير المدرسة، في الفيلم الأمريكي "عطر امرأة"، يأمر الطالب الفقير "شارلي"، المساعد لقائد عسكري متقاعد فقد بصره في الحرب، بالوشاية بزملاء ارتكبوا خطأً. ويرفض الطالب، ويحال إلى لجنة تأديبية تحاكمه في مدرج يليق بمدرسة تستقطب أبناء رجال النفوذ والأثرياء.

يستأسد المدير فيتّهم الطالب الصامت بالاحتيال والكذب، ويلوّح بحرمانه من الاستمرار في الدراسة، فينهض مرافقه المتقاعد الأعمي البصير، واصفاً اللجنة التأديبية بأنها "ليست سوى مهزلة"، ويتهم مدير المدرسة ببناء "سفينة ليس فيها سوى الجرذان الوشاة، سفينة للخونة، وإذا كنت تعتقد أنك تعد هؤلاء الوضيعين أن يصبحوا رجالا فعليك أن تفكر مليًا، لأنك تغتال ضمير كل من تزعم هذه المدرسة أنها تبنيه".

 ويواصل آل باتشينو أداء المشهد باقتدار، فيشيد بأخلاق الطالب الذي يحافظ على نقائه الإنساني، ولم تلوثه الاحتيالات والإغراءات، فيقول: "أنا هنا لأخبركم أن ضمير هذا الفتى حيّ، وهناك شخص عرض عليه أن يبيع ضميره، غير أن شارلي رفض العرض".

ويضيف أنه رأى في الحرب أمثال هؤلاء الفتيان، وقد بترت أعضاؤهم "لكن لا شيء يضاهي رؤية روح مبتورة، لا يمكن تعويضها كما تفعل الأطراف الصناعية"، وإن النظام في هذه المدرسة يجعل الطلبة مسوخاً، ويقتل ضمائرهم، وإن شارلي "لن يبيع ضميره لكي يشتري مستقبله". فإلى أي مدى يمكن لرؤساء الجامعات المصرية، وللوشاة الموظفين وللوشاة الصغار الميدانيين، أن يجمعوا بين رضا الله والشيطان؟

في السبعينيات كان ممدوح سالم وزيراً للداخلية، وترقى إلى رئاسة الوزراء. ولم يتردد أحمد بهاء الدين في إبداء غضبه إليه من افتراءات صحفيين وشاة، لا يعنيهم إلا "كشف الإنتاج"، ووفرة الحصاد. وأخبره الوزير بأن هذا الصنف من المخبرين هو المتاح: "دلني على شخص محترم يقبل هذا العمل، ولن أتردد في الاستعانة به".

كان المخبر الواشي يخجل ويتخفى. وفي الزمن الرديء يباهي الواشون بأنفسهم، ويجادلون بأنهم جنود في معركة، غافلين عن ضرورة التماس الغايات بوسائل شريفة. فيا عزيزي القارئ: توقّع أنك "إرهابي" في دولة الرعب. وفي اللحظة الأخيرة، انتبهت إلى خطأ في ترتيب حروف "دولة الرعب"، فكتبتها "دولة العرب". لا فرق!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard