كيف تحوّل انفجار بيروت إلى قصة بوليسية للإعلام و"فرجة" للبنانيين

الأربعاء 4 أغسطس 202112:09 م



مجاز النترات


لم يكن انفجار المرفأ غريباً. عندما حدث ظن الناس الذين فوجئوا به أنه زلزال. لم يكن ينقصنا إلا الزلازل. بالطبع كنا نستحق زلزالاً. بدا هذا طبيعياً وأكثر.

حين تبينا أنه ليس زلزالاً لم نتفاجأ. لم يكن ذلك غريباً عن طبيعة الأحداث. أن يكون هناك ألاف الأطنان من النترات وأين؟ في عنبر حوى إلى جانب النترات مواد ملتهبة. لم يكن هذا أعجوبة في بلد قابل كل لحظة لحادث مثله. هناك بالطبع انفجار في كل مكان. الانفجارات حاصلة، وما لا تعرفه هو لأي درجة وصل الانفجار ومتى يحين وقته.

ثمة حالة من العفونة، من التكلّس، من الاستلشاق، من التحلّل، من التخلي، في الإدارة، فيما نسميه، زوراً، مؤسسات. فيما نطلق عليه، مواربة، أحزاباً ومراجع وزعامات. أي كل ما نتفق على تسميته سلطة ومجتمعاً وجماعات. ما نسميه في حين آخر "نظاماً".

الواضح أن هذا المسمى كذلك ليس إلا أعرافاً وموروثات وتقاليد، أي علاقات أوتوماتية، تستمرّ بالفعل على نحو يومي وتتواصل بحكم العادة والتنازع، الآلي. بالطبع هناك مسميات كثيرة فوق الطاقة، وأحياناً تبدو هذه جزءاً من اللعبة ومظهراً عضوياً لها. الواقع يخجل من تسمية نفسه. إنه، وهو محض احتيال، يحتال أيضاً على المسميات. بل يبدو هذا الازدواج وذلك التحايل هما، إلى حد بعيد، ما نسميه سياسة، وما يتراءى لنا أنه الصخب هو ضجيج أعلى من الواقع الذي يضمر دائماً الانفجار. الانفجار الذي يستمر في السرّ إلى أن لا يعود أمامه إلا أن يدوي.

الواقع يخجل من تسمية نفسه. إنه، وهو محض احتيال، يحتال أيضاً على المسميات. بل يبدو هذا الازدواج وذلك التحايل هما، إلى حد بعيد، ما نسميه سياسة... مجاز النترات في رصيف22

عند ذلك وفي وقت واحد، تقع الكارثة التي تتهيّأ من عقود. ولم تتأخر إلا بفعل الزمن، والوقت الذي تحتاجه لتصل إلى ساعة الصفر. لبنان بلد من أقطار عربية قليلة مرت بعد الاستعمار بوضع انتقالي، كانت عبره تحاول أن نستعير سلطة وسياسة وبنى لهما. كان هذا أسهل حين لم يكن هناك ما يكفي من الصراع وما يحتاجه هذا من قوى ومن ميادين. غير أن الإدارة التي كانت تركب المجتمع وتشكل قشرة سطحية له، ما لبثت أن توزعتها الصراعات وغدت مع الوقت تقليداً لنفسها.

لقد دخلت العلاقات القبلية تحت مسميات شتى في نزاع لم يكن أمامه سوى الحرب الأهلية، معلنة أو مضمرة. لا يمكننا أن نفهم هشاشة هذه المجتمعات ونعراتها المستديمة وبناها السطحية، وتقليدها للسلطة ومبانيها، إلا بالعودة لهذا الإرث القبلي الذي يجعل السياسة والسلطة تقليداً مثابراً، ويجعل من السياسة قشرة وراءها وأمامها الحرب الأهلية.

في وضع كهذا نفهم أن الانفجار ينتظر في كل ناحية. إنه مؤدى الأشياء أياً كان مكانها. في وسعنا القول إن ثمة انفجاراً مرصوداً تنام عليه الإدارة بمشتقاتها جميعاً، وينام عليه المجتمع والأجهزة والدوائر، ولا يؤهلنا أن نسمع الانفجار، إذ نعلم أننا نعيش تقريباً على انفجار، وإن ما حدث في 4 آب، لم يكن سوى دويه، صوته فحسب، بينما هو يتردد في الأزمات المحيطة، في المعاش والصحة والغذاء والمواصلات والوقود. لقد سمعنا الانفجار في 4 آب، بينما يستمر الانفجار مسموعاً وغير مسموع في كل المرافق والمواضع.

بدا لأول وهلة أن المجتمع مذهول أمام هذا العدد. لكن مجتمعاً خرج من حرب أهلية كلفته أكثر من مئة ألف قتيل، ولم يمر الزمن على خسارة ألف وخمسمئة في حرب تموز، ولا نعرف بدقة عدد القتلى في حرب سوريا، ماذا يعني له وفاة مائتي شخص؟... مجاز النترات في رصيف22

بعد الانفجار، أُحصي القتلى والمصابون يوماً بيوم. بدا لأول وهلة أن المجتمع مذهول أمام هذا العدد. لكن مجتمعاً خرج من حرب أهلية كلفته أكثر من مئة ألف قتيل، ولم يمر الزمن على خسارة ألف وخمسمئة في حرب تموز، ولا نعرف بدقة عدد القتلى في حرب سوريا، ماذا يعني له وفاة مائتي شخص؟

واضح لذلك أن لبنان منذ كانت الحرب الأهلية وهو يواجه أحداثاً دموية، وانفجار آب واحد منها وليس أضراها. من هنا نفهم كيف صار الانفجار الذي روّع العالم حدثاً في سياق المأساة اللبنانية، ولا يزال الضحايا والخاسرون يتذمرون من أن عاماً بكامله مرّ ولا يزال الانفجار وروايته غير متفق عليهما. بالطبع الانفجار كما نعرف اليوم حدث مذهل ومليء بالغوامض، بل إنه في الغالب عريضة اتهام للنظام اللبناني بكل مكوناته. ربما نفهم من ذلك كيف تحوّل الانفجار إلى قصة بوليسية، بل واحدة من روايات الوضع اللبناني. كما نفهم كيف تحول الانفجار والمرفأ بعده إلى فرجة لكثير من اللبنانيين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard