معجزة الاسم ولماذا تعلم آدم "الأسماء كلّها"؟

الثلاثاء 31 أغسطس 202110:20 ص

في القصة أن غزاة دخلوا عاصمة عربية وأسقطوا طاغيتها، وبدأت الاحتفالات المشتركة بين السكّان الفرحين بخلاصهم من طاغية مؤبد والجنود الثملين بانتصارهم. في ليلة كهذه، ثمة ما يزيد عن ألف من المواليد الجدد في المدينة، وبدأ الآباء الفرحون باستعطاف الجنود لاختيار أسماء لمواليدهم الجدد، ولم يتوان الجنود بالتأكيد تحت وطأة الكحول المتدفق والمزاج العارم.

فانتشرت أسماء أجنبية في المدينة لا أحد يعلم عنها شيئاً، إذ إنها بلغة الجنود الغريبة، ولم يرض أن يعترف أحد بأنه لا يعلم شيئاً عن اسم ابنه، وصاروا يخترعون المعاني لدفع الجهل عنهم: أسميته "جدزشيت"، وهو محارب قديم. يقول أب فخور، ويضيف آخر: ابني اسمه "آرتفارت"، وهذا فنان أجنبي عظيم.

وهكذا كبر الأبناء وهم يحملون أسماء يظنون أنها لأبطال بينما هي مزاح ثملين لا أكثر، وبدأنا بالدفاع عن معان لا نعرف عنها شيئاً وبالقتال تحت رايات أبطال وأنبياء ليسوا أكثر من "خراء الله" "وضراط الفن".

الأسماء تأتينا مجاناً، تمنح لنا مصادفة وباختيارات عشوائية على هدي رقم الكأس الذي احتساه الأب، أو كمية النقود التي في جيبه، أو ربما ربحه أو خسارته في مباراة الورق، في تلك الأمسية التي اخترنا أن نولد فيها.

مصادفة، بدون بطولة ما ولا أسطورة معيّنة، تأتي أسماؤنا قبل أن تأتي صفاتنا، وقبل أن نمتلك وجوهاً متمايزة، في عملية عكسية للخلق كما تذكره الأساطير.

الاسم، الهوية الأولى

كل اسم يحمل أسطورته، قد تكون دينية أو حربية أو تاريخية... لكن إطلاق الأسماء على الأطفال يأتي مشبعاً بأمنية أن يحمل الاسم "جينات" خاصة به، بالعودة إلى القديسين على سبيل المثال أو الأنبياء، أو المفكرين والرياضيين.

يعتبر الاسم أول دلالة للوجود على قيد الحياة، بدون اسم أنت لا أحد، غير موجود، أو ربما تكون موجوداً يحتاج إلى شرح، فجملة "حي على الصلاة، حي على الفلاح" كنداء للصلاة موجودة، لكن إطلاق اسم "الحيعلة" عليها جعلها تكتسب نفساً حياً، لذا علم الله آدم الأسماء، أي أعطاه الربط بين الاسم والوصف، بين الصوت الملفوظ والوجه المعيّن له، فمرّ عليه أبناؤه واحداً واحداً، ثم الحيوانات، فقال له: هذا هو الحمار وهذا هو الجمل، لكن هل علّمه أيضاً "المفاهيم" والمعاني؟ كيف عرف آدم أن ما فعله قابيل بهابيل هو قتل وجريمة؟

قبل هذه الحادثة لم تكن الأشياء بأسماء، كانت موجودات فحسب في الحيز الذي لا يعرفه آدم، وتالياً البشر، كانت الوجوه طافية، مثلها مثل أسمائها، حتى أن الموجودات الأخرى الأقل شأناً من المخلوقات كانت بلا أسماء: "روى ابن أبي حاتم وابن جرير، من حديث عاصم بن كليب، عن سعيد بن معبد، عن ابن عباس: (وعلم آدم الأسماء كلّها). قال: علمه الصحفة والقدر، قال نعم، حتى الفسوة والفسية".

الأسماء تأتينا مجاناً، تمنح لنا مصادفة وباختيارات عشوائية على هدي رقم الكأس الذي احتساه الأب، أو كمية النقود التي في جيبه، أو ربما ربحه أو خسارته في مباراة الورق، في تلك الأمسية التي اخترنا أن نولد فيها. مصادفة، بدون بطولة ما ولا أسطورة معيّنة

في بعض الثقافات الأفريقية والهندية، يتغير الاسم بتغير العمر، أي الاسم ليس معطى نهائياً، كأداة للتعريف بالشخص أو الفرد، بل اسم/صفة، يتم اكتسابه اكتساباً بمرور الوقت والتجربة والخبرة. في رواية ذكرها عدد من الرواة وعنهم بعض المستشرقين، أن محمداً ولد تحت اسم "قثم" وتبدّل الاسم عندما امتلك السلطة والسطوة، وعدّد النبي بنفسه أسماء له، ترتبط بمنجزاته من إحقاق الرسالة.

روى ابن عدي أن رسول الله قال: "إن لي عند ربي عشرة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي، وأنا الحاشر الذي يحشر الخلائق معي على قدمي، وأنا رسول الرحمة، ورسول التوبة، ورسول الملاحم، وأنا المقفي قفيت النبيين، وأنا قثم". أخرجه ابن عدي في "الكامل"، وبعض الروايات تسقط الاسم "قثم" لعلّة ما لا يذكرها أحد، رغم أن المعنى في الاسم المدح لا الذم، فقثم يعني الكثير العطاء.

فالماحي والحاشر والعاقب، هي مراحل كصفات تلحق بالنبي لمنجزات أتمّها وحقق بها مهمته، هي ليست بهذا المعنى أسماء لأنها اكتسبت اكتساباً، ولم "تطلق" عند الولادة، كالحمار والخنزير والفسوة على سبيل المثال.

 الاسم الذي يمتلكه الفرد يصنع الوحدة الأولى للتعريف عن "الأنا"، فتتم به الإجابة والتعريف مع الربط بالصفات الجسدية والتي هي غالباً "الوجه"، فالعلامات المميزة في الجسد لا تهمّ طالما أن الوجه معرّف باسمه، قد تقطع يدا الشخص وقدماه، لكن طالما لم يفقد وجهه فهو ما زال حياً ومعرّفاً.

ويضمن الاسم أيضاً التماسك النرجسي للفرد وأناه، ويطرد الآخرين الذين صنعوه، (الوالدان، الممرضات والطبيب الذي قام بعملية التخصيب أيضاً) من التواجد في الحيّز المعرّف للأنا، حيث يصبح الاسم هو "الإطار" الهويّاتي المعرّف للذات، بدونه لا ذات متمايزة، مثل أرنب ضائع في البرية، لكنه لا يعرف أنه أرنب، ولا يعرف أعداءه ولا أصدقاءه، لا يعرف ما الذي يجب عليه أن يأكل وما الذي يجب عليه أن يطعمه نفسه، لا يعرف متى يكونن مفترساً ومتى يكون فريسة، إذ لا هوية/ اسم تضعه في مرتبة ما من السلّم الغذائي.

رغم استحالة تحقيق ذلك عملياً إلا أن فقدان المخلوق لتعريفه لذاته عبر اسمه وجنسه، يدخل في غموض فكرة الحياة والموت بالنسبة له، البقاء والفناء، الدفاع والهجوم، (نستطيع تخيّل أرنب لا يعرف أنه أرنب ويبدأ بمهاجمة ذئب على سبيل المثال ليأكله، وبنفس الوقت يخاف من حفيف الأعشاب ويهرب من زهرة).

الاسم والمعنى

في العقائد الباطنية والعرفانية يكون الاسم ظاهراً فحسب، بينما يتخفى "معنى" الاسم في ثناياه، الاسم منطوق فقط لا يرتبط بماهية الشخص، نوع من الأرقام المجرّدة للدلالة على الترتيب فحسب، هذا محمّد الأول وهذا علي الخامس وهذا جريجوري السابع عشر، لا يعني الاسم أكثر من "صوتيات" وضعت لتسهيل التمايز بين الموجودات، بينما الأهم، الذي يخلق الوجود الحقيقي هو "المعنى" خلف الاسم.

فالماحي والحاشر والعاقب، هي مراحل كصفات لحقت بالنبي لمنجزات أتمّها وحقق بها مهمته، هي ليست بهذا المعنى أسماء لأنها اكتسبت اكتساباً، ولم "تطلق" عند الولادة، كالحمار والخنزير والفسوة على سبيل المثال

قد تحمل اسم أعظم الرسل لكن ستبقى شريراً كافراً، وقد تحمل اسم الشيطان لكن "معناك" مقدّس، فصحيح أن الاسم مهم في العقائد الباطنية، لكنه يأتي في الدرجة الثانية بعد المعنى، والذي للمصادفة يأتي ثانياً في الترتيب "الظاهر"، اسم، معنى، باب، كأن المعنى يتيح ترتيباً مغايراً للحقيقي، وينسجم مع فكرة "التخفّي" خلف الاسم الظاهر.

ليس الاسم هنا مهماً إلا بقدر ما يشير إلى "جوهر" ما، والجوهر الأساسي هو معنى هذا الاسم وترتيبه في سلّم الموجودات، هنا لا يتعلّم آدم الأسماء، بل يتعلّم "المعاني" ويفرّق بين معنى جيد آخر سيء.

حكاية الرجل ذي الوجهين

ازدواجية الوجه تستلزم ازدواجية الاسم، هذا ما تفرضه اللغة في نسختها الأولى، التي لا تستعير أسماء من مهارات أو خبرات. في قصة صدر منها نسختان نشرت أول مرة في عام 1895 للشاعر والكاتب الإنكليزي تشارلز لوتين هيلدريث، ادعى أنه اكتشف العديد من الحالات الطبية الغربية في أرشيف جمعيات علمية، ومن هذه الحالات حالة فتى اسمه إدوارد موردريك، ولد بوجهين، وهي حالة طبية معروف تدعى "Diprosopy"، أو الازدواج القحفي الوجهي، وهو أن يولد شخص بوجه آخر في مؤخرة رأسه.


نحت شمعي لإدوارد موردريك

قيل إن إدوارد كان وسيماً للغاية وذا مواهب في الموسيقا وينتمي لعائلة أرستقراطية إنكليزية، إلا أن الوجه الثاني كان قبيحاً وشريراً، وبالرغم من أنه لا يحتاج للأكل والشرب ويبقى صامتاً على الدوام، إلا أنه كان يهمس بأفكار شيطانية بالليل، مما جعل إدوارد يرجو الأطباء أن يزيلوه عن مؤخرة رأسه، ولما تعذّر الأمر، قام بإطلاق رصاصة بين عيني وجهه الآخر، ومات.

ويذكر الطب بعض الحالات المشابهة، وإن اختلفت في نهايتها التراجيدية عن قصة إدوارد.

المعضلة التي تواجه إدوارد تختلف عن معضلة دكتور جيكل، في قصة روبرت لويس ستيفنسون، المكتوبة قبل قصة إدوارد بعشر سنوات كاملة، بأن وجهي الشخصيتين يمتلكان اسمين مختلفين، ووجهاً واحداً، تتغير طباعهما ويتغير الوجه فقط قليلاً بتأثير القسوة الدفينة والشر الكبير لدى مستر هايد، بينما يبقى الوجه فعلياً، أما إدوارد فيملك وجهين واسماً واحداً، أي يملك تعريفين في ذات واحدة، فبينما يشكل الاسم "الحضور" حتى في الغياب للشخص المسمّى، من خلال الربط بين الاثنين في ذاكرة الجمهور والمعارف.

لا يملك إدوارد هذا الإطار، خصوصاً أنهما متعارضان على الدوام، الأول طيب والآخر شرير، الأول جميل والثاني قبيح، الأول يريد العيش بسلام والثاني يحب الألاعيب الخبيثة، وهما لا يصنعان "تغييباً" للآخر بحضور أحدهما، كما يفعل جيكل وهايد، بل يحضران معاً ويحاولان أن يصبغا الحضور بصبغتهما ويتصارعان  لأجل ذلك.

الأمر يشبه كون يسوع المسيح تخلّى عن وجهه بعد أن اكتشف أنه ابن الله، أزاح وجهه خارج نفسه ووضعه في الآخر، يهوذا أو قيصر، تخلّى عن وجهه الآخر طواعية أو فصله عنه بأن أعطاه اسماً مغايراً ووجوداً معرّفاً، أما النبي محمد فعاش بالوجهين معاً، كإدوارد موردريك، رسول يدعو إلى التسامح والأخوة والعدالة، وطاغية يأمر بقتل من عصاه، وجه باسم مع نسائه وأصدقائه ووجه آخر بذات الاسم في شؤون الحكم والطغيان.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard