"مسرح النظافة"... عندما يمنحنا "هوس" التنظيف شعوراً بالأمان الزائف

الثلاثاء 27 يوليو 202105:35 م

ينتشر فيروس كورونا عن طريق الرذاذ التنفسي بشكل خاص، أي عندما يسعل أو يعطس أو حتى يتحدث المصاب بالفيروس، من دون اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة، كوضع القناع لتغطية الفم والأنف، كما تبيّن أن الفيروس يمكن أن يبقى في الهواء لعدة دقائق بعد مغادرة الشخص المصاب للغرفة.

ولعلّ الطريقة الأكثر فعالية لتقليل مخاطر انتقال كوفيد-19 في الأماكن المغلقة هي فتح أكبر عدد ممكن من النوافذ والأبواب وارتداء الكمامة، غير أن بعض الأفراد يعمدون إلى مواجهة هذا الفيروس عبر التنظيف المفرط والمبالغ به، والذي لا يقلل المخاطر، وهي تدابير تدخل في سياق ما يُعرف بـ"مسرح النظافة".

الأمان الزائف

تمّت صياغة مصطلح "مسرح النظافة" لأول مرة، من قبل الكاتب ديريك تومبسون في مقاله الذي نشر في يوليو 2020، حيث عرّف مسرح النظافة على أنه "بروتوكولات سلامة كوفيد التي تجعلنا نشعر بالأمان، ولكن لا تفعل الكثير لتقليل المخاطر، حتى مع السماح بمواصلة الأنشطة الأكثر خطورة".

في مقالها الذي نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، أوضحت سيرين كايل، أن مسرح النظافة هو عبارة عن أقنعة وجه بلاستيكية، لا تحمي مرتديها من استنشاق الهواء الملوث أو تلويث الأشخاص من حولهم، وعبارة عن أدوات مائدة تستخدم مرة واحدة، ودروع بين الطاولات ولوائح طعام تستخدم بدورها مرة واحدة في المطاعم، بالإضافة إلى وجود موظفين/ات يقومون بتنظيف نقاط اللمس المشتركة في الحانات، في الوقت الذي تقوم فيه مجموعات لا تضع الكمامات بترديد أغاني كرة القدم بصوت عال.

تمّت صياغة مصطلح "مسرح النظافة" لأول مرة، من قبل الكاتب ديريك تومبسون في مقاله الذي نشر في يوليو 2020، حيث عرّف مسرح النظافة على أنه "بروتوكولات سلامة كوفيد التي تجعلنا نشعر بالأمان، ولكن لا تفعل الكثير لتقليل المخاطر، حتى مع السماح بمواصلة الأنشطة الأكثر خطورة"

وأضافت كايل أن مسرح النظافة يتمثل أيضاً في وجود موظفين/ات يرتدون بدلات واقية من المواد الخطرة، ويقومون برش شوارع بأكملها بالمطهرات، وصالات رياضة تطلب من الناس مسح كل قطعة من المعدّات التي يلمسونها، ولكنها في المقابل لا ترغمهم على ارتداء الكمامات.

من هنا، تبدو جميع هذه التصرفات "حسنة النية"، ولكنها في الغالب غير فعالة، بخاصة وأنها تجعلنا نشعر بالأمان ولكن لا تحمينا من التهديد الذي يشكله فيروس كورونا.

في حديثه مع موقع رصيف22، اعتبر الأخصائي في علم النفس والباحث الاجتماعي محمد الطناوي، أن تسمية الإجراءات الاحترازية بـ"مسرح النظافة" يحمل معنى سلبياً: "هو دعوى غير مباشرة للتراخي، لأن إسباغ المسرحة على طرق الوقاية بدعوى أنها غير كافية للحماية يحرّض على إهمالها".

وأشار الطناوي إلى أنه ومع طول أمد الأزمة، كان لا بدّ من استمرار الأنشطة الحياتية مع اتخاذ إجراءات احترازية، ربما تكون غير كافية لكنها الوحيدة المتاحة مع بقاء الوباء لفترة طويلة.

واعتبر محمد أن هذه التدابير تهدف إلى مساعدة الناس على استئناف حياتهم والحدّ من انتشار الفيروس، لكن ليس هناك إمكانية لحمايتهم من الإصابة مهما بلغ إحكام الإجراءات المتبعة: "أعتقد أن هذا النهج يحسّن من الحالة النفسية للأفراد ويبعد شبح الاكتئاب الناجم عن العزلة، ومن ثم يصبح الفرد قادراً على مقاومة المرض، إذا أصيب بالفيروس".

عواقب وخيمة

من الملاحظ في الآونة الأخيرة، أن العديد من الدول من حول العالم تتجه أكثر فأكثر نحو إزالة معظم القيود الخاصة في مواجهة كورونا، مع الترويج لشعار المسؤولية الشخصية من قبل الحكومة، فتصبح بالتالي مسألة ارتداء الأقنعة طوعية، كما أنه سيتم إلغاء التباعد الاجتماعي، وستصبح الشركات والمؤسسات غير ملزمة بزيادة التهوية في مبانيها.

ووسط تخفيف الإجراءات المتبعة ضد هذه الجائحة، من الملاحظ أن الإصابات تتزايد بشكل كبير، وبالتالي من الآن فصاعداً، ستكون للقرارات الفردية التي نتخذها بشأن كيفية البقاء آمنين في الأماكن العامة عواقب وخيمة في العالم الحقيقي.

ومع دخولنا الموجة الثالثة من جائحة كورونا، فإننا نسارع نحو مرحلة جديدة خطيرة يمكن أن يتسبب فيها "مسرح النظافة" بأضرار أكبر مما أحدثه الفيروس نفسه.

في الحقيقة، يعتمد مسرح النظافة على مفهوم أنشأه الخبير الأمني بروس شناير، في كتابه الصادر في العام 2003 بعنوان Beyond Fear.

وقد صاغ شناير مصطلح "المسرح الأمني" لوصف إجراءات السلامة المطبقة في المطارات بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية، مثل حظر مقصّات الأظافر وولاعات السجائر، غير أن هذه الإجراءات كانت غير مجدية: تمثيلية معقدة لطمأنة الركاب المتوترين بدلاً من أي شيء قائم على الواقع، كما أنها أتت بتكلفة باهظة على دافعي الضرائب، إذ أنفقت الولايات المتحدة الأميركية أكثر من 100 مليار دولار على أمن الطيران منذ 11 سبتمبر.

وقد وافق بروس على فكرة أن كوفيد-19 بشّر بعصر "مسرح النظافة"، وفق ما شرح: "على غرار المسرح الأمني، يأتي مسرح النظافة من التحليل السيء للمخاطر، في الحقيقة من الجهل"، معتبراً أنه في بداية الوباء كان هذا الأمر مفهوماً: "لا أحد يعرف شيئاً، لقد كنّا مرتبكين جميعاً بشأن الأمر الصحيح الذي يجب القيام به".

واللافت أنه في فبراير ومارس 2020، كان العديد من الخبراء يعتقدون أن كوفيد-19 ينتقل بشكل أساسي من خلال الرذاذ واللمس المباشر، مثل المصافحة أو السعال من قبل شخص مصاب، أو لمس شيء سبق وأن لمسه هذا الأخير، وقال الأكاديميون حينها إنه لا يجب على الأفراد إزعاج أنفسهم بارتداء الأقنعة، نظراً لكون الفيروس لم ينتقل عبر الهواء، لذا فإن الأقنعة ستكون بلا جدوى.

وعليه، كانت جميع رسائل الصحة العامة تركز على تقليل الاتصال المباشر والتشديد على نظافة اليدين، من دون الاهتمام بمسألة وضع الأقنعة في ظل تجاهل مخاطر انتقال عدوى كورونا في الجو.

في هذا الصدد، قالت الدكتورة كريستين بيترز، مستشارة في علم الأحياء الدقيقة وعالمة الفيروسات، إن نظافة اليدين باتت "الشغل الشاغل للجمهور... على حساب الرسالة المهمة الأخرى: التفكير في الهواء".

هذا ولم تقرّ منظمة الصحة العالمية بخطر الانتقال الجوي حتى يوليو 2020، كما قامت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) بتحديث إرشاداتها لتشمل الانتقال المحمول جواً فقط في أكتوبر 2020.

إعادة الحسابات

بالرغم من أن احتمال الإصابة بكوفيد-19 من سطح ملوث أقل من واحد على 10 آلاف، فإننا ما زلنا كأفراد مهووسين بانتقال الفيروس عن طريق اللمس، فكيف نفسر استمرار سوء التفاهم هذا والإقدام على التنظيف الذي يدخل في خانة "الهوس"؟

via GIPHY

بحسب عالم الأحياء الدكتور إيمانويل غولدمان، فإن شكسبير تحدث عن ذلك بشكل جيد: "ما يتم القيام به لا يمكن التراجع عنه"، شارحاً أنه منذ بداية الوباء كان هناك تركيز على انتقال العدوى عبر الأسطح الملوثة، وهو أمر بقي عالقاً في أذهان الناس.

واللافت أن غولدمان تحدى مفهوم "مسرح النظافة" طوال الفترة المنصرمة.

في يوليو 2020، كتب تعليقاً حاداً في مجلة Lancet للأمراض المعدية، يطرح فيه تساؤلات حول الحكمة التي تفيد بأن كوفيد-19 يمكن أن ينتقل عن طريق الأسطح الملوثة: "عندما بدأ الوباء، كانت حماتي التي تعيش معنا تقول إننا بحاجة إلى غسل البقالة وتطهير البريد. بصفتي عالماً، بدا لي الأمر مبالغاً فيه. لذلك قررت أن أنظر إلى الأبحاث، وعندما فعلت ذلك، شعرت بالفزع لرؤية أن أساس تلك الدراسات كان ضعيفاً للغاية".

ومنذ ذلك الحين، قام غولدمان بحملة من أجل إنهاء مبدأ "مسرح النظافة"، ونشر العديد من المقالات في المجلات الطبية وقام بمراجعة حول انتقال العدوى، معتبراً أن "المعركة مستمرة"، وأن منظمة الصحة العالمية تواصل المبالغة في التأكيد على خطر انتقال كوفيد-19 من الأسطح الملوثة.

يمكن أن يكون "مسرح النظافة" خطيراً، لأنه يمنع الأشخاص من اتخاذ قرارات صائبة حول مستويات المخاطر التي هم على استعداد لقبولها في حياتهم

والواقع، إن تطبيق مفهوم "مسرح النظافة" يمكن أن يمنح الأفراد شعوراً زائفاً بالأمان، وفق تأكيد الدكتور إلير هيوز، قائد حملة "الهواء النقي": "أدير نظري عندما أرى الناس يتجولون بالأقنعة الشفافة. هذا عار"، مشيراً إلى أن فيروس كورونا تفشى في المطاعم، حيث استخدم العمال أقنعة بلاستيكية فقط بدلاً من أقنعة الوجه.

وبالتالي، يمكن أن يكون "مسرح النظافة" خطيراً، لأنه يمنع الأشخاص من اتخاذ قرارات صائبة حول مستويات المخاطر التي هم على استعداد لقبولها في حياتهم، بحسب تأكيد كريستين بيترز: "يجب أن تكون مشاعركم/نّ بالأمان قائمة على أساس علمي... يمكن للناس إصدار أحكامهم الخاصة حول المخاطر التي هم على استعداد لتحملها، ولكن المفتاح هو أن يفهموا كيفية انتشار كوفيد".

هذا وأعربت كريستين عن خشيتها من أن يتسبب "مسرح النظافة" في تجنّب الناس اتخاذ التدابير التي من شأنها في الواقع أن تقلل من المخاطر، مثل فتح النوافذ أو الاستثمار في أجهزة تنقية الهواء عالية الكفاءة.

في جوهرها، ربما تكون تدابير "مسرح النظافة" استجابة حتمية لأسوأ أزمة صحية عامة منذ قرن، وعندما تخرج الأمور عن السيطرة، من الملاحظ ان الناس يستجيبون بالطريقة الوحيدة التي يعرفونها: محاولة فرض النظام على الفوضى العارمة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard