العمى بوصلة للخراب في رواية "تاريخ العيون المطفأة" لنبيل سليمان

الخميس 12 أغسطس 202110:14 ص

في روايتيه "العمى" و"البصيرة"، أسس جوسيه ساراماغو مرتكزاً فنياً، اتكأ عليه العديد من الأدباء كثيمة يتسع مداها لتأويل متعدد الفكر والغايات، هذا التأويل الذي أخذنا إليه  نبيل سليمان في روايته "تاريخ العيون المطفأة" الصادرة عن دار مسكلياني وميم للنشر لعام 2019، حيث يطغى على شخوصه العمى الجزئي أو التام، في سردية حكائية تذكرنا بأسلوب ألف ليلة وليلة التي يفتتح بها القول:

"كان لا ماكان وغير الله ماكان"، كبوابة ينتقل فيها من الماضي للحاضر بخط كرونولوجي، يكون الزمن السردي فيها سلماً للزمن الحقيقي الذي يروي عنه، مبالغاً في إيهام القارئ بأنه يروي حكاية عن مدن ثلاث (كمبا – بر شمس - قمورين) كجغرافية افتراضية نستطيع مقاربتها مع أي من البلدان العربية المتجاورة، البلدان المتشابهة والتي تعادي بعضها بخلافاتها الهامشية فيها.

في روايتيه "العمى" و"البصيرة"، أسس جوسيه ساراماغو مرتكزاً فنياً، اتكأ عليه العديد من الأدباء كثيمة يتسع مداها لتأويل متعدد الفكر والغايات، هذا التأويل أخذنا إليه  نبيل سليمان في روايته "تاريخ العيون المطفأة" الصادرة عن دار مسكلياني

يتنقل فيها وعبرها شخوص العمل في تباين جزئي  للحرية وسطوة القمع فيها، حيث أعيادها دوماً عيد النصر، عيد الثورة، عيد الأعياد، كخطاب منفصل عن الواقع، يُردد بشكل ببغائي ليخفي تحته تاريخاً من الهزائم المتتالية.

هي ثمان وأربعون من العيون يطل بها على النص، في مجازية الإيحاء وتناوب الإبصار والتعمية يطلق فيها عنونة جزئية لكل منها، جسدت فصول العمل الثمانية والأربعين، لتحاكي تاريخ ما سمي بـ"النكبة"، نكبة فلسطين في إشارة لا تخفى على لبيب، لتكون من ضمن العتبات النصية في العمل التي تراوحت من صورة الغلاف التي تجسد أطيافاً لثلاثة أظلة لشخصيات مموهة غير واضحة، لتأتي المقطوعة الشعرية:

 "أنا المتعب أبداً

حمال حطب الندم

تسوقني الظلمات الى نورها

عساني أصادف فيه

العماء الرحيم".

 لتزيد الإبهام غموضاً، ما يخلق جاذباً لكشف مرامي العمل وما استغلق من رموزه، لنأتي للعنوان "تاريخ العيون المطفأة"، فله وقع رنان لعنونة ذات تضاد في المعنى التعبير الذي يحتمل معاني متناقضة: العين التي ترى والعين التي لا ترى، وهي تقود إلى البؤس والتشاؤم، فالعيون التي لا ترى خائنة للوظيفة التي خلقت من أجلها، أو بالأحرى هي كانت ترى و مطفأة بفعل فاعل.

"أنا المتعب أبداً
حمال حطب الندم
تسوقني الظلمات الى نورها
عساني أصادف فيه
العماء الرحيم"

إذ يتداعى العنوان ما بين سطوره عن انعدام الرؤية بمعناها الاستبصاري للمستقبل، التي تنحدر وتتراجع تدريجياً عند أغلب الشخوص في العمل، والتي بدأت عند الشيخ حميد ماء العينين، العائد من حرب فلسطين، فيدرك القارئ أنه عائد من هزيمة أسست لوعيه ووعي سلالته التي جاءت من بعده. الهزيمة كانت منطلقاً لحالة عماء تتلاحق وتلاحق أبناء المدن المتخيلة، مفارقاً بين العمى والعماء، العماء كحالة أولية ينضوي تحتها الجهل والخوف والمرض، والعمى كشيء طارئ معاش، يأتي للدلالة على نقص ما في التعاطي مع مفردات مستجدة للواقع.

يتحرك أبناء الشيخ ماء العينين في النص لينتج من تشابك علاقاتهم وحيواتهم إطلالة على الواقع المتفجر الذي أطلق عليه سليمان اسم الزلزال، هروباً من أي تسمية أخرى لا تتوافق مع ما آلت إليه الأمور.

فمولود الشخصية الذي هجر كمبا إلى بر شمس، إثر إحساس متوتر بكراهية أهله تحركها عقدة أوديب وفق فرويد، لينخرط في الأجواء السياسية ونتعرف فيها إلى الحراك المجتمعي الرافض بالأطياف المختلفة لراياته، حيث الصراع أحدث شروخاً متعددة في المجتمع، لُحظ حتى ضمن الأسرة الواحدة في رصد الانتماءات الفكرية لشخوصه.

فابنة الكولونيل تناصر أعداءه، وسدير الركني، نصير الحريات وداعية حقوق الإنسان، رغم ثرائه ينتمي لفقراء البلد، رغم أن الفقير فيهم قد ينتمي ويصطف مع جلاده في مجتمع العمى والعميان، لذ يعلو الرمز ليفتح مروحة التأويل واسعة النطاق.

فكذلك آسيا وهي بنت البيئة المختلطة طائفياً، لها أخ يحمل السلاح مع الجهاديين وينادي بتكفير وذبح من يختلف معه، وهي التي تربطها علاقة عشق مع سدير مسؤول حقوق الإنسان، لنتعرف إلى عالم أخيه الدكتور لطيف الأعمى منذ طفولته، هو الرسام الأعمى في رمزية البصر والبصيرة، الفنان الذي يلتقط اللون من رائحته، حيث رتب عناصر الوجود بما ينسجم مع افتقاده ملكة البصر وحوار اللوحة غير المكتملة (اكتمال اللوحة قد يسجنها ) ففي اللا اكتمال حرية من نوع خاص،  كصورة عن النقص الحاصل في مكونات لوحة الحياة.

نهاية رواية "تاريخ العيون المطفأة" هي عبارة عن أسطر من نقاط فارغة من الكلام، تجعل التأويل مفتوحاً لوضع نهايات عدة، ترجع لطريقة فهم كل قارئ لواقع لم تنته مفاعيله بعد، ولعل أكثرها على الغالب صمتاً أبكماً حيال كل هذا الخراب

عيون عدة ترصدها كاميرا سليمان، فهناك العين بالفهم المخابراتي التي يتجسّس على من يرى حقيقة، وهناك عين مولود التي شاركت أصحاب المبادئ جلساتهم الفكرية وهمومهم، وهو الذي كان ثائراً ومعارضاً في حقبة زمنية سابقة، وقد استطاعت أجهزة البصاصين تطويعه وإدراجه في خدمتها.

فعينه تتحوّل إلى عين مراقبة على محبوبته وأخيه عبد المهيمن لصالح أحد الأجهزة الأمنية التي لا ترتضي حياد الأفراد، فكلهم يجب أن يندرجوا في المهمات القمعية ويكونوا ذراعاً من أذرعتهم الضاربة، تلك شخصية مولود التي حشرت بين سندان العذاب ومطرقة التعامل مع مافيات الفساد، في رصد الدراما الأخلاقية التي تنوس بين صراع الوجود والانهيار.

لقد أقر صاحب "ينداح الطوفان" بأن ثيمة العمى ليست بجديدة في توظيفها عبر تقنيات الأعمال الروائية، فقد ظهرت في "مقهى العميان" للعراقي أنور محمد طاهر، و"بلد العميان" لهربرت جورج ويلز، والمجموعة القصصية لعزيز نيسين "صرع العميان"، ولا نعتقد أن ذلك يؤثر على مصداقية العمل، فـ"الأفكار ملقاة على قارعة الطريق" ولكل أسلوبه في التعامل والتعاطي معها.

 وعلى الرغم من تغييبه المفتعل للمكان، فالمشابهة بالأحداث والوقائع بالغة الوضوح لدرجة المباشرة، وهذا العزف على الواقع القريب ومشابهة الأحداث، يضعف فنية العمل إلى حد ما بما يخالف ويناقض ما بدأه بالرمزية الفائقة للعمى كلعبة تقنية في الرمز والإيحاء بالغي الدلالة. 

تعاني غالبية الشخوص من العمى، شوه يصيب كائنات المكان، لا ينجو منه أحد، تتدرج من ضعف الإبصار؛ إلى العشى الليلي؛ إلى خفوت رؤية؛ وصولاً إلى عمى كامل؛ حتى معاوية ضابط الاستخبارات الذي يتفتق ذهنه عن وسيلة ربح جديدة هي الاتجار بالعيون المقتلعة، إذ إن تجارة الأعضاء والمخدرات والسلاح هي المهنة الرائجة في زمن الحروب والأزمات كحاضنة خصبة لمافيات الفساد، هذا الضابط ذاته يصاب بالعمى التام، حصل ما يشبه ارتداد السحر على الساحر، في إشارة مبطنة عالية الإيحاء أن الرابح  في مكان أو من يظن بأنه رابح، خاسر أيضاً على مستوى الإنسانية.

الحكواتية في مدنه الثلاث التي نتجت عن هذا الخراب، ربما قصد بها تلك الفضائيات ذات الارتهانات المختلفة وكل منها يسرد الوقائع والتاريخ والحاضر بما يحلو له وبما يتفق مع أجنداته مدفوعة الثمن، ما يضع المراقب ضمن متاهة القراءات وكيفية رؤية الحدث، مشيراً للشرخ الاجتماعي الكبير الذي وسم وعي الناس نتيجة التخبط وتداخل أدوار البشر وانزياحهم عن أهدافهم وقناعاتهم ومبادئهم.

أما النهاية، وقد عنونها بالخواتيم، وهي عبارة عن أسطر من نقاط فارغة من الكلام، تجعل التأويل مفتوحاً لوضع نهايات عدة، ترجع لطريقة فهم كل قارئ لواقع لم تنته مفاعيله بعد، ولعل أكثرها على الغالب صمتاً أبكماً حيال كل هذا الخراب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard