بن سلمان الآخر... حاكم أسواق النفط العالمية

الأحد 25 يوليو 202105:44 م

في آذار/مارس 2020 اتخذ وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، قراراً وصفه خافيير بلاس، كبير مراسلي شؤون الطاقة في وكالة بلومبرغ، بأنه قنبلة نووية، وهو إغراق السوق العالمي بالنفط، ما أدى إلى خسائر اقتصادية عالمية هائلة.

كان عبد العزيز، أول فرد في العائلة المالكة يتولى منصب وزير الطاقة في المملكة، وهو، بحسب تقرير نشرته بلومبرغ، "أهم شخص في سوق النفط اليوم"، ولديه قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي تعادل قدرة بعض محافظي البنوك المركزية الكبرى، إذ أنه "اتخذ مراراً خطوات جريئة وناجحة للسيطرة على الأسواق، وإدارة تدفق إمدادات النفط ودعم الأسعار".

ملك البترول

عُين عبد العزيز في منصب وزير النفط كأول فرد من العائلة المالكة السعودية يشغل هذا المنصب، ويشغله منذ عام 2019. إلى أن علاقته بسوق النفط ومنظمة الأوبك بدأ قبل ذلك بسنوات طويلة،إذ كان يحضر كل اجتماعات منظمة "أوبك" تقريباً على مدار الـ35 عاماً الماضية.

يعد عبد العزيز رابع أكبر أبناء الملك سلمان، وهو يبلغ من العمر 61 عاماً، وهو أكبر بكثير من أخيه غير الشقيق ولي العهد محمد بن سلمان، الذي يبلغ من العمر 36 عاماً في آب/أغسطس المقبل.

لم يكن عبدالعزيز مجرد أمير في أسرة مالكة بها 7000 أمير آخر، إذ بدأ مبكراً في إعداد نفسه لتولي إدارة الثروة التي بنيت عليها المملكة، وهي مخزونها الهائل من البترول. في حزيران/يونيو1987، حضر عبد العزيز، الذي كان عمره آنذاك 27 عاماً،  أول اجتماع لمنظمة أوبك. وبدأ صعوده منذ ذلك الوقت  في الوزارة التي تدير النفط السعودي.

ينقل مراسل الوكالة الأمريكية عن منتقديه ومعجبيه على حد سواء، إنه تكنوقراطي جيد للغاية. وكان مهتما بالنفط إذ انتقل من الرياض إلى الظهران، حيث درس في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وهي مدرسة النخبة التي تعلم فيها معظم المهندسين الذين يديرون اليوم شركة أرامكو، الشركة القابضة على البترول السعودي.

لم يكن عبدالعزيز مجرد أمير في أسرة مالكة بها 7000 أمير آخر، إذ بدأ مبكراً في إعداد نفسه لتولي إدارة الثروة التي بنيت عليها المملكة، وهي مخزونها الهائل من النفط. 

بعد تخرجه عام 1985 من الجامعة بدرجة البكالوريوس في الإدارة الصناعية، ودرجة الماجستير في إدارة الأعمال، أدار لفترة من الوقت مركزاً للفكر الاقتصادي مرتبطاً بالجامعة. وبعد فترة وجيزة من زواجه من سارة بنت خالد بن مساعد، قرر الانضمام إلى الحكومة، خلافاً للنصيحة الأولية من والده.

في عام 1995 أصبح عبد العزيز نائباً لوزير البترول بقرار ملكي، واستمر في نفس المنصب مع تغير الوزراء، وصولاً إلى توليه فيادة لوزارة بنفسه في 2019.خلال هذه الأعوام وعشر سنوات أخرى سابقة عليها؛ تكونت خبرة هائلة لدى عبد العزيز فيما يتصل بمنظمة أوبك وإدارة شؤون النفط في المملكة، وهو ما جعل الخبراء يعتبرونه مميزاً عن أي وزير آخر يدير ملف بلاده في منظمة أوبك.

يقول جيف كوري، رئيس أبحاث السلع في مجموعة جولدن مان ساكس: "إنه يعرف الأسواق من الداخل إلى الخارج (كافة تفاصيلها وخباياها). إنه لا يشبه أياً من وزراء النفط الآخرين".

القنبلة النووية

في آذار/ مارس 2020، كان هناك اجتماعاً لـ"أوبك+" أي دول الأوبك ودول أخرى مصدرة للنفط لا تتمتع بعضوية بالمنظمة، لوضع قواعد إنتاج النفط بعد تفشي وباء كورونا المستجد.

في الاجتماع فضلت روسيا وهي عضو أوبك بلاس عدم خفض الإنتاج، لكن أرادت الرياض خفض الإنتاج على الفور.

يقول مراسل الوكالة: "من خلال ارتباطهم بالمصافي في جميع أنحاء العالم، أدرك السعوديون في وقت مبكر أن تفشي كورونا سيؤدي إلى فوضى اقتصادية، وأرادوا منع حدوث انهيار في أسعار النفط من خلال خفض الإنتاج".

انتهى الاجتماع من دون اتفاق. ولسوء الحظ، قال ألكسندر نوفاك، وزير النفط الروسي آنذاك، للصحفيين بعد الاجتماع: "جميع دول أوبك بلاس اعتباراً من 1 نيسان /أبريل ليس لديها التزامات بخفض الإنتاج".

اتجهت الأنظار إلى عبد العزيز، وسأله أحد الصحافيين عما إذا كانت السعودية ستحذو حذو روسيا، أجاب: "سترون بأنفسكم".

في الساعات الأربع والعشرين التالية، اتخذ قرارات كشفت عن سياسة نفطية سعودية جديدة - أكثر جرأة، وأقل ارتباطاً بواشنطن، وتتحدى الإجماع العالمي المتزايد بشأن تغير المناخ، وتظهر سيطرة مركزية أكثر من قبل العائلة المالكة، بما في ذلك ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

عاد عبد العزيز بطائرته مباشرة إلى مقر شركة أرامكو، وبمجرد دخوله المبنى الإداري الرئيسي، فعل عبد العزيز شيئاً صادماً ومخالفاً لقوله في فيينا أنه يفضل فرض قيود على الإنتاج.

اتجهت الأنظار إلى عبد العزيز، وسأله أحد الصحافيين عما إذا كانت السعودية ستحذو حذو روسيا بالاستمرار في إنتاج النفط بمعدلات مرتفعة، فأجاب: "سترون بأنفسكم".

يقول الصحافي الأمريكي: "أمر أكبر شركة طاقة في العالم بزيادة الإنتاج إلى أقصى المستويات. في اليوم التالي، مع إغلاق سوق النفط في عطلة نهاية الأسبوع، شنت المملكة حرب أسعار شاملة. وأعلنت أنها ستبدأ في ضخ 12 مليون برميل يومياً، بزيادة أكثر من 20٪ عن الشهر السابق".

وأضاف: "بالنسبة لأسواق الطاقة، كان هذا يعادل الضربة النووية الأولى. بعد دفع مثل هذه الكميات الضخمة إلى السوق، خفضت أرامكو سعر نفطها، وقدمت لمصافي التكرير أكبر الخصومات على الإطلاق. كانت التخفيضات في الأسعار كبيرة بشكل خاص بالنسبة لمصافي النفط الأوروبية، مما أصاب السوق الروسية التقليدية بضربة".

عندما أعيد افتتاح سوق النفط، انخفض خام برنت، وهو المعيار العالمي، بنسبة 25٪ تقريباً في غضون ثوانٍ- وهو أكبر انخفاض في يوم واحد منذ كانون الثاني/يناير 1991، التي شهدت حرب الخليج الثانية.

تقول بلومبرغ "امتدت المذبحة إلى ما وراء سوق النفط. انخفض مؤشر MSCI لقطاع الطاقة العالمي - وهو عبارة عن سلة من شركات البترول الرائدة بنسبة 19٪ تقريباً، وهو أكبر انخفاض له على الإطلاق في يوم واحد، مما أدى إلى محو 330 مليار دولار من قيمة الأسهم. وبعد أسبوع خسر المؤشر 400 مليار دولار أخرى".

يكتب خافيير بلاس "أصاب البيت الأبيض الذعر؛ بعد عقود من التعاون الوثيق، لم تبلغ المملكة واشنطن بقنبلة إنتاجها، وفوجئت وكالة المخابرات المركزية والدبلوماسيين الأمريكيين في الرياض بالقرار، وفقاً لفيكتوريا كوتس، نائبة مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض في ذلك الوقت".

كانت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، التي اعتبرت صناعة النفط الأمريكية رصيداً استراتيجياً وسياسياً، في حالة صدمة. يقول كوتس: "لقد كانت منطقة مجهولة".

ويتابع الكاتب "ما أراد عبد العزيز فعله هو خلق قدر كافٍ من الألم لجذب الجميع إلى طاولة المفاوضات  بسرعة".

وبالفعل؛ جمع ترامب خلال الأسبوع الأول من نيسان /أبريل، كبار المسؤولين التنفيذيين للنفط في الولايات المتحدة في البيت الأبيض. وقال: "سنعمل على حل هذا الأمر، وسنستعيد أعمالنا في مجال الطاقة".

 نظم ترامب سلسلة من المكالمات الهاتفية، بما في ذلك محادثة حاسمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والملك السعودي سلمان.

في 12 نيسان/أبريل، بعد 36 يوماً من ما اعتبرته أسواق النفط "تحركات عدائية"، اتفقت الرياض وموسكو على أكبر تخفيضات في إنتاج النفط في التاريخ، مما أدى إلى تهدئة الأسواق ودفع  روسيا للتراجع عن قرار رفضها لكبح الإنتاج، واستجابت للإرادة السعودية، وتحديداً إرادة عبدالعزيز بن سلمان.

يقول الكاتب: "كان السعوديون يعتقدون أنهم يجب أن يتصرفوا دائماً بالتنسيق مع منتجي النفط الآخرين وليس من جانب واحد. الآن، قرر عبد العزيز تعليق هذه القاعدة، ولو لفترة قصيرة، لإثبات نقطة: ‘نحن مسؤولون عن إدارة سوق النفط’ ولتلقين روسيا ورئيسها - الذي تعتمد سلطته في جزء منه على عائدات النفط لبلاده- درساً سعودياً".

ويرى تقرير بلومبرغ أنه من الصعب معرفة إن كانت تحركات عبدالعزيز نبعت من أفكاره الخاصة، أم أنه تدبير أخيه الأصغر، ولي العهد محمد بن سلمان الذي تجري كل شؤون المملكة بأمره. إلا أن عبدالعزيز "تبنى هذا التكتيك باعتباره تكتيكه الخاص".

يقول هيليما كروفت، رئيس وحدة استراتيجية السلع في مركزRBC Capita Markets والمحلل السابق بوكالة المخابرات المركزية، وصاحب المعرفة الوثيقة بعبد العزيز "إنه يفهم القوة بشكل أفضل من أي شخص آخر. والنفط يتعلق بالقوة".

قوة عبد العزيز مهددة

قال عبد العزيز في حزيران/يونيو الماضي إن آخر برميل نفط على وجه الأرض سوف يأتي من بئر سعودي.  كان كلام عبد العزيز في إشارة إلى التقارير تتناول سعي الدول المستوردة للنفط إلى زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة، مما سيترتب عليه تراجع استهلاك النفط، وبالتالي تراجع دخل المملكة ومعه أهمية منصب عبدالعزيز نفسه.

يوجد تحت صحراء المملكة حوالي 265 مليار برميل من النفط، تقدر قيمتها بنحو 20 تريليون دولار بأسعار هذا الصيف. إنها جائزة ضخمة، لكنها جائزة قد لا تكون بلا قيمة، إذا اعتمد الاقتصاد العالمي على مصدر آخر للطاقة غير النفط.

وقد حذر الشيخ أحمد زكي يماني، وزير النفط السعودي السابق أن "العصر الحجري لم ينته بسبب قلة الحجر، وسوف ينتهي عصر النفط قبل وقت طويل من نفاد النفط في العالم".  كان هذا الإنذار منذ أكثر من 40 عاماً، وما زال العالم يعتمد على النفط الآن كما كان في ذلك الوقت.

هذه التكهنات القاتمة - يصفها محرر بلومبرغ بـ"لعنة الأمير السعودي"؛ يسخر منها عبد العزيز نفسه.

في الآونة الأخيرة، أصدرت وكالة الطاقة الدولية تقريراً يدعو إلى وقف جميع الاستثمارات الجديدة في الوقود الأحفوري كوسيلة لتجنب الاحتباس الحراري. لكنه في حديثه للصحفيين في مؤتمر صحفي لأوبك + في حزيران/يونيو الماضي، وصف عبد العزيز التقرير بأنه "تكملة لفيلم La La Land".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard