"أزمة أوبك"… قصة الخلاف العلني النادر بين السعودية والإمارات

الثلاثاء 6 يوليو 202102:28 م

ارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوى لها منذ العام 2015 عقب إلغاء الاجتماع الذي كان مقرراً لدول منظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك" وشركائها "أوبك+"، بشكل مفاجىء الاثنين 5 تموز/ يوليو، وهو ما سلط الضوء على خلاف علني نادر بين الحليفتين الخليجيتين: السعودية والإمارات.

وتجاوزت أسعار النفط الخام 77 دولاراً للبرميل الاثنين، بينما أعلن محمد باركيندو، الأمين العام لـ"أوبك"، في بيان، أن إلغاء المحادثات -للمرة الثالثة منذ بداية الأزمة- جاء بعد التشاور مع وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، ونائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، منوهاً بأن موعداً جديداً سيُعلن لاحقاً.

تتعلق المشكلة بالارتفاع المستمر والكبير في أسعار النفط الخام جراء انتعاش الطلب في الموسم الصيفي، علاوة على اتساع نطاق توزيع اللقاحات، وتراجع المخزونات النفطية الأمريكية. وهو الأمر الذي لا يُحد منه سوى صعود الدولار الأمريكي، الذي يرتبط بعلاقة عكسية مع أسعار النفط، والحذر من انتشار سلالة "دلتا" الجديدة لفيروس كورونا حول العالم.

في حين أن تأجيل الاجتماع وضع أسواق النفط العالمية في حالة من عدم اليقين إزاء استمرار ارتفاع تضخم الأسعار فوق 75 دولاراً للبرميل، مع تحذيرات بأن حل الأزمة سيحدد شكل السوق والصناعة حتى في العام المقبل، إلا أنه كشف في جوهره عن المعركة المتفاقمة بين المنتجين الرئيسيين: السعودية والإمارات.

اتهامات متبادلة

الأحد 4 تموز/ يوليو، أُثيرت عبر وسائل الإعلام الخلافات والاتهامات المتبادلة بين مسؤولي البلدين، تُصر الرياض على خطة لمواجهة ارتفاع الأسعار، تتمثل في زيادة الإنتاج خلال الأشهر المقبلة، وتمدد حتى نهاية عام 2022 من أجل استقرار الأسعار، بدعم من روسيا وأعضاء آخرين في "أوبك+".

"الإمارات تضرب بكل طاقتها" و"السعودية قررت الالتفات لمصالحها"... الخلاف بين أكبر اقتصاديين عربيين يهدد بتفكيك تحالف "أوبك+" واشتعال حرب أسعار نفط كما العام الماضي

على الجانب الآخر، ترفض الإمارات التمديد وتدعم فقط زيادة قصيرة الأجل في الإنتاج، مع المطالبة بشروط أفضل لها لعام 2022 تتمثل في زيادة خط إنتاجها الأساسي بمقدار 0.6 مليون برميل يومياً ليصبح 3.8 مليون برميل بدلاً من 3.2 مليون برميل الذي تعتبره "منخفضاى جداً".

ويرجع حرص الإمارات على زيادة إنتاجها إلى أنها أنفقت بشكل كبير لتوسيع الطاقة الإنتاجية، وجذب الشركات الأجنبية. كما أنها متخوفة من احتمال عودة إيران إلى سوق النفط إذا توصلت إلى اتفاق نووي. وهي أيضاً تريد التحرك بسرعة لتسييل احتياطياتها بالنظر إلى الدفع العالمي للابتعاد عن الوقود الأحفوري.

وصرّح وزير الطاقة السعودي لبلومبيرغ مساء الأحد: "علينا أن نمدّد. التمديد يضع الكثير من الأشخاص في وضع مريح"، مع الإشارة إلى أن أبوظبي معزولة داخل تحالف "أوبك +". وأضاف: "أنها المجموعة بأكملها مقابل دولة واحدة، وهذا أمر محزن بالنسبة لي ولكن هذا هو الواقع".

وفي بيان، قالت وزارة الطاقة والبنية التحتية الإماراتية إن أبوظبي طالما "كانت من أكثر الأعضاء التزاماً باتفاقيات أوبك وأوبك +"، معربةً عن اتفاقها على أن السوق العالمي في الفترة الحالية بحاجة ماسة لزيادة الإنتاج، مستدركةً بأنها تؤيد "زيادة غير مشروطة" حتى نهاية هذا العام فقط.

كما رد وزير النفط الإماراتي، سهيل المزروعي، على نظيره السعودي، عبر بلومبيرغ  أيضاً: "الإمارات مع زيادة غير مشروطة للإنتاج، وهو ما يحتاجه السوق"، معتبراً أن تمديد الاتفاق حتى نهاية عام 2022 قرار "غير ضروري اتخاذه الآن".

وترفض المملكة وروسيا زيادة الإنتاج للإمارات، خوفاً من مطالبة كل دولة أخرى في "أوبك +" بنفس المعاملة، وهو ما قد يؤدي إلى تفكيك التحالف.

في هذا الصدد، لفت الأمير عبد العزيز إلى سعي أبوظبي إلى تحديد هدفها الإنتاجي الجديد في "سابقة سيئة"، متسائلاً "ما نوع التسوية التي يمكنك الحصول عليها إذا قلت إن إنتاجي هو 3.8 وستكون هذه قاعدتي؟".

مضطرتان إلى لجم النزاعات بسبب إيران… تبادل مسؤولون سعوديون وإماراتيون الاتهامات شديدة اللهجة هذا الأسبوع إثر الخلاف على اتفاق حول زيادة إنتاج النفط. لكن بوادر عديدة كشفت عن أزمة علاقات بين الحليفتين الخليجيتين 

افتقار للتواصل

وفي غياب التوافق، يعمل التحالف باتفاقية حالية لا تسمح بزيادة إنتاج النفط في آب/ أغسطس وبقية العام الجاري، ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط المتضخم بالفعل. ولا يمكن للتحالف اتخاذ قرار زيادة الإنتاج دون موافقة الإمارات.

اللافت في هذا الخلاف هو الافتقار الواضح للتواصل بين البلدين إذ قال الوزير السعودي إنه لم يتحدث إلى نظيره الإماراتي منذ الجمعة الفائتة. قال لبلومبيرغ: "لم أسمع من صديقي سهيل"، مبدياً استعداده للتفاوض إذا بادرت الإمارات بالتواصل للتفاوض.

وعقّب دبلوماسي أجنبي في الرياض، لم يُذكر اسمه، لرويترز، على الأزمة بقوله: "الآن، يمكنك أن ترى مواجهة مباشرة والإمارات تضرب بكل طاقتها. هذه هي المرة الأولى التي يتبادل فيها البلدان الاتهامات العلنية والشديدة اللهجة".

حرب إعلامية مشتعلة

وفي افتتاحيتها ليوم الثلاثاء 6 تموز/ يوليو، تحدثت صحيفة "الاقتصادية" السعودية عن أن "الثقة والمصداقية هما مفتاح العمل في الاقتصاد السياسي" وأن "توازن الاقتصاد العالمي يقوم على المحافظة على التوازن بين العرض والطلب". وذكّرت بأزمة ارتفاع أسعار النفط عام 2007 وانهيارها عام 2015، وأثرها المتمثل في ارتباك الاقتصاد العالمي، قائلةً: "لا أحد على استعداد لتحمل تلك المشاهد مرة أخرى".

كما أشادت بـ"الدور السعودي الكبير في إصلاح السوق النفطية" بشكل يضمن مصالح الجميع من منتجين ومستهلكين، مبينةً أن "السعودية قررت الالتفات لمصالحها وترك الجميع يعاني فقدان المصداقية في العمل المشترك"، في اتهام واضح للإمارات.

مع اشتداد أزمة أوبك، قيدت السعودية السفر من الإمارات وإليها. وفي تحدٍ آخر، عدّلت المملكة قواعد الواردات من الخليج مستبعدةً السلع المصنوعة في المناطق الحرة، وهي السلع التي تُعد المحرك الرئيسي لاقتصاد دبي

واستفاضت الصحيفة بالإشارة إلى "تضحيات" و"تنازلات مهمة" من المملكة لتعزيز مبدأ التخفيضات الطوعية في ظل ذروة انكماش الاقتصاد بسبب أزمة كورونا والإغلاقات العالمية، وإن كانت "لديها القدرة على الوصول إلى إنتاج 13 مليون برميل يومياً"، وقالت إن "أولوياتها ركزت على المحافظة على توازن السوق، وغلّبت مصلحة الجميع على أي اعتبارات أخرى".

واعتبرت أن المقترح السعودي بـ"التدرج في زيادة الإنتاج والتعجيل بقرار التمديد" يمثل الضمانة لاستقرار سوق النفط ووقف أي اضطرابات فيه نظراً لمرحلة "عدم التوازن" التي يمر بها الاقتصاد العالمي.

وختمت بالقول إن "الخروج عن هذه القواعد والترتيبات قد يقود إلى خلل كبير في توازن الأسواق خلال العام المقبل تصعب معالجته لفترة زمنية طويلة".

في المقابل، قال الأكاديمي الإماراتي البارز عبد الحق عبد الله إن بلاده "عطّلت ثلث إنتاجها النفطي خلال سنتين من أجل وحدة أوبك والتزمت باتفاق 2018 الذي لم يكن منصفاً بحقها"، مشيراً إلى أنها "اليوم، تتحدث مع أوبك من موقع القوة وتطالب برفع إنتاجها بأكثر من 500 ألف برميل ليتوافق مع قدراتها الإنتاجية وإذا لم يتحقق لها ذلك لا تلوموها إذا قررت الانسحاب من أوبك".

وليس واضحاً إذا كانت الرسائل الإعلامية المتبادلة بين الطرفين على سبيل تحذير الآخر أو تمهيد الرأي العام العالمي والمحلي إلى خطوات تصعيدية.

أبعد من خلاف نفطي

وقال عدد من المحللين الإقليميين لرويترز إن الخلاف يشير إلى أن التنافس الاقتصادي بين أكبر اقتصادين عربيين في طريقه إلى التفاقم. لكنه في الوقت نفسه يؤشر إلى الخلاف بين البلدين يتجاوز النفط.

على الرغم من العلاقة الوطيدة بين الحاكمين الفعليين للبلدين، الإماراتي محمد بن زايد والسعودي محمد بن سلمان، ظهرت بوادر تفكك العلاقات قبل أشهر إذ بدأ كل بلد في استعراض عضلاته جيوسياسياً في مسار منفصل -إن لم يكن مضاداً- بغض النظر عن الآخر.

قال عدد من المحللين الإقليميين لرويترز إن الخلاف يشير إلى أن التنافس الاقتصادي بين أكبر اقتصادين عربيين في طريقه إلى التفاقم. لكنه في الوقت نفسه يؤشر إلى الخلاف بين البلدين يتجاوز النفط.

كان إعلان الإمارات انسحابها من الحملة العسكرية التي تقودها السعودية في اليمن، عام 2019، العلامة الأولى على تفرق السبل. علماً أن أبوظبي احتفظت بتدخلاتها ونفوذها هناك.

وأقامت الإمارات بشكل أُحادي علاقات مع إسرائيل، بينما اتخذت الرياض على النقيض خطوات مبدئية لتحسين علاقتها مع تركيا. وتباطأت الإمارات في الانضمام إلى اتفاق المصالحة مع قطر الذي عقدته المملكة مطلع العام الجاري.

وفي إطار محاولاتها لتنويع اقتصادها، بدأت الرياض في منافسة أبوظبي على رأس المال والمواهب الأجنبية. أخيراً، حذرت السعودية الشركات الأجنبية من أنها قد تخسر عقودها مع الحكومة إذا لم تنقل مقارها الإقليمية إلى الرياض. وهو ما يراها خبراء تهديداً مباشراً لدبي.

ومع اشتداد أزمة أوبك، أعلنت السعودية تقييد السفر من الإمارات وإليها. وفي تحدٍ آخر لوضع الإمارات كمركز للتجارة والأعمال في المنطقة، عدّلت المملكة قواعد الواردات من دول الخليج مستبعدةً السلع المصنوعة في المناطق الحرة، وهي السلع التي تُعد المحرك الرئيسي لاقتصاد دبي.

رغم كل ما سبق، أعرب خبراء ومحللون عن اعتقادهم بأن المخاوف من النفوذ الإيراني في المنطقة سيدفع البلدين إلى لجم خلافاتهما.

إلى ذلك، يمكن القول إن أبوظبي بتمسكها بموقفها تضع حلفاءها أمام خيارين لا ثالث لهما: قبول طلباتها، أو المخاطرة بتفكيك تحالف "أوبك +". كما أن الفشل في التوصل إلى اتفاق قد يؤدي إلى الضغط على السوق المحدودة بالفعل، وتبعاً لذلك إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط الخام.

ويبقى انهيار "أوبك+" السيناريو الأكثر دراماتيكية إذ يُعيد أزمة انهيار الأسعار في العام الماضي والتي وقعت بسبب الخلاف بين السعودية وروسيا.

مع ذلك، يقترح خبراء انتهاء الأزمة بـ"حل وسط". قال جيف كوري، خبير اقتصادي ورئيس عالمي لأبحاث السلع في قسم أبحاث الاستثمار العالمي في "غولدمان ساكس": "ربما تكون بيئة السوق اليوم هي الأفضل منذ عقود، لذا فمن غير المرجح أن ترى أحد هذه الأطراف يهدد هذه الفرصة الآن من خلال بدء حرب أسعار".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard