"لا تطلق النار! عطاشى ومظاهراتنا سلميّة"... نقص المياه يثير احتجاجات واسعة جنوب غرب إيران

الجمعة 23 يوليو 202104:17 م

شهدت عدد من مدن محافظة خوزستان مثل الأهواز، والخفاجية (سوسَنكِرد)، ومعشور (ماهْشَهْر)، والفلاحية (شادِكان)، وإيذة، خلال الأيام الأخيرة احتجاجات على نقص المياه والجفاف لا سيما الجفاف الذي يجتاح "هور العظيم" أحد أكبر الأهوار الإيرانية (المستنقعات التي تقع على الحدود العراقية)، وتداعياته على الوضع المعيشي لسكان هذه المدن، وعلى سوء إدارة المسؤولين بهذا الخصوص.

وظهرت مقاطع الفيديو التي تنشرها وسائل الإعلام الإيرانية ومواقع التواصل الاجتماعي منذ بدء الاحتجاجات في يوم 15 يوليو الحالي، مواجهاتٍ بين المحتجين وقوات الأمن والشرطة التي استخدمت الرصاص الحي بهدف تفريق المحتجين، وحسب التقارير غير الرسمية التي حصل عليها رصيف22، قتل 6 أشخاص من المحتجين العرب في الأيام الأخيرة حتى اليوم، إضافة إلى أحد عناصر قوات الأمن.

وتتهم الجهات الأمنية الإيرانية "عناصرَ مسلحة" و"مثيري الشغب" و"معادي الثورة" باستهداف المحتجين بالرصاص لتأزيم الوضع وجرّ الاحتجاجات إلى أعمال شغب، لكن التقارير والمصادر غير الرسمية تؤكد مقتل المحتجين على يد القوات الأمنية التي حضرت بكثافة في المناطق المختلفة من المدن التي تشهد الاحتجاجات.

وقام محتجون بإحراق عجلات السيارات وإغلاق بعض الطرق، وردّدوا هتافات باللغة العربية والفارسية مثل "عطاشى ونريد الماء"، و"كلّا كلّا للتهجير"، و"بالروح، بالدّم نفدیك یا کارون"، و"عطشان الشط رايد مايه". "كارون" هو النهر الذي يجري في المنطقة ويعتبر النهر الأكبر في إيران، والذي جفّت مساحات كبيرة منه خلال السنوات الأخيرة.

وتحدثت مصادر محلية لرصيف22 عن قطع الاتصال بالإنترنت وقطع خدمات الهواتف الجوالة ضمن الإجراءات الأمنية المشددة في المدن التي تحتضن الاحتجاجات، إلى جانب أنباء عن اعتقال ناشطين واستخدام القنابل المسيلة للدموع لتفريق المحتجين.

شيدت السلطات الإيرانية خلال العقود الأخيرة سدوداً على الأنهار في محافظة خوزستان، ونقل مياه هذه الأنهار إلى المحافظات المركزية الإيرانية أدى إلى تصحّر واسع النطاق في المحافظة

وهناك تغطية واسعة للاحتجاجات في وسائل الإعلام الإيرانية في هذه الأيام، إلى جانب موجة تضامن كبيرة وغير مسبوقة في مواقع التواصل الاجتماعي مع الاحتجاجات والمحتجين من جانب المستخدمين الإيرانيين الذين يطالبون بحلّ جذري لمشاكل محافظة خوزستان الغنية المهمشة، خاصة أزمة نقص المياه فيها، وقد وجهوا انتقادات حادة من لجوء السلطات إلى استخدام العنف، رغم تأكيد المحتجين على سلمية الاحتجاجات.

وقد انتشر على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعية، مقطع فيديو يأتي فيه صوت امرأة عربية تصرخ بفارسية تتخللها كلمات عربية بأن مظاهراتنا سلمية، وتخاطب رجل الأمن: "لماذا تطلق النار؟". وقد اعتبر مستخدمو مواقع التواصل هذا الفيديو كرمزٍ لاحتجاجات هؤلاء العطاشى، وأصبح هاشتاغ "مظاهرات سلمية" رائجاً في إيران مستخدمين التعبير العربي ذاته، دون ترجمته إلى الفارسية (مسالمت آميز).


وعبّر عدد كبير من المواطنين عن استيائهم عبر نشر صور في شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات التواصل، كتب فيها شعارات مثل "الكرخة روحنا"، "كارون روحنا"، "أطلِقوا حق مياه هور العظيم"، وقاموا بنشر تقارير وفيديوهات عن أزمة المياه.

وأعلنت كثير من الشخصيات والمجموعات واللجان والنقابات في إيران عن دعمها لهذه الاحتجاجات؛ أصدرت "لجنة الكتّاب الإيرانيين" و"دار السينما" بيانات منفصلة، وعقد عدد من السينمائيين الإيرانيين تجمعاً في طهران انتهى بإصدار بيان وتفريقهم من قبل الشرطة. كما تجمع عدد من النشطاء المدنيين الإيرانيين، منهم الناشطة الحقوقية البارزة "نرجس محمدي"، دعوا فيه لوقف قتل محتجي خوزستان‎‎، وألقت القوات الأمنية القبض على عدد منهم.

وليست هذه المرة الأولى التي يحتج فيها أهالي مدن محافظة خوزستان لاسيما مدينة الأهواز والمناطق المجاورة لها على عدم كفاءة المسؤولين في حل أزمة المياه، ففي يونيو 2020 شهدت منطقة "الغيزانية" قرب الأهواز، احتجاجات على شح المياه، لكن هذه الاحتجاجات قوبلت بردٍّ من قبل قوات الشرطة والأمن، ولم تؤدِّ إلى حلّ الأزمة حتى الآن.

الأسباب والخلفيات

شيدت السلطات الإيرانية خلال العقود الأخيرة سدوداً على الأنهار في محافظة خوزستان التي يقطنها 5 ملايين شخص. ونقل مياه هذه الأنهار إلى المحافظات المركزية الإيرانية أبرزها أصفهان ويزْد، أدى إلى تصحّر واسع النطاق في محافظة خوزستان خلال السنوات الماضية، وتفاقم معاناة سكان المحافظة الذين يشتكون دائماً من تعرضهم للتهميش من قبل السلطات، ويعانون من نقص الإمكانيات، والبطالة، والفقر، والتلوث في الجو والماء، والعواصف الترابية، والحرارة المرتفعة خلال فصل الربيع والصيف، رغم أن هذه المحافظة تعتبر من أغنى المحافظات حيث تتواجد فيها أغلب حقول النفط الإيرانية.

وتمّ الكشف عن مشاريع نقل المياه من خوزستان قبل حوالي 15 عاماً، وقد أثارت آنذاك احتجاجات وانتقادات واسعة في خوزستان، لاسيما من قبل الناشطين العرب في المحافظة.

وبسبب مجاورة الأنهار للمدن ذات الأغلبية العربية في خوزستان وتداعيات نقل مياهها إلى المحافظات الأخرى على وضع سكانها العرب، تعتبر مشاريع نقل المياه من جانب البعض، سياسة هادفة إلى تهجير السكان العرب من المحافظة، وهذا أمرٌ تنفيه السلطات بشدة.

"بالروح، بالدّم نفدیك یا کارون"؛ "عطشان الشّط رايد مايه"

وحسب شركة المياه والصرف الصحي الإيرانية من بين 300 مدينة تتعرض لتحدي المياه، هناك أكثر من 100 مدينة تصنف في الفئة الحمراء من حيث توفر المياه. كما قال الرئيس حسن روحاني قبل أيام إن الجفاف هذا العام كان "غير مسبوق" مع انخفاض متوسط الأمطار بنسبة 52 في المئة مقارنة بالعام الماضي.

ونظراً إلى ذلك، تبرر الجهات الرسمية الإيرانية تراجع مياه الأنهار والأهوار في محافظة خوزستان بموجة جفاف في البلاد هي الأكبر منذ خمسين عاماً، لكن الناشطين والخبراء المحليين يتهمون السلطات بمنعهم من الحصول على المياه المخزنة وراء السدود، والتي تحاول السلطات نقلَها إلى المحافظات الأخرى، إلى جانب القيام بمشاريع لاستخراج النفط في "هور العظيم" والتي أثرت في جفافه أيضاً.

ولحل أزمة الجفاف ونقص المياه، تدعو السلطات في محافظة خوزستان المزارعين إلى عدم القيام بالزراعة الصيفية، خاصة مزارع الأرز التي تشتهر المنطقة بزراعتها في فصل الصيف.

وحتى الآن وفي إطار مشاريع نقل المياه، ومنها "بِهِشت آباد" و"كوهْرَنك"، تمّ بناء سدود صغيرة وكبيرة على نهر كارون والأنهار الأخرى في خوزستان، كما تم تنفيذ مشاريع لنقل المياه من كارون إلى الهضبة المركزية في البلاد بحجم يزيد عن 2 مليار متر مكعب، ولا زالت مشاريع نقل المياه من خوزستان مستمرة، رغم كل الانتقادات تجاه الأزمة البيئية والمعيشية التي أدت لها هذه المشاريع والتي تشمل تعطيل إمدادات مياه الشرب والزراعة وتربية الحيوانات في المنطقة.

المواقف الرسمية المحلية والدولية

منذ اليوم الأول من الاحتجاجات بدأ المسؤولون الإيرانيون كعادتهم بإطلاق تصريحات توصي بضرورة حل أزمة المياه في خوزستان، وفي الوقت نفسه أكدوا على أن أهالي خوزستان لديهم مطالب محقة، ولا يوجد من يعارضها، محذرين من استغلال هذه المطالب والاحتجاجات الأخيرة من قبل مجموعات معارضة للثورة، حسب قولهم.

وأصدر النائب الأول للرئيس الإيراني، إسحاق جهانغيري، أوامر بحل أزمة المياه فوراً في محافظة خوزستان، كما أجرى مباحثات مع وزير الداخلية، عبد الرضا رحماني فَضلي، ورئيس منظمة التخطيط والموازنة محمد باقر نوبِخْت، ووزير الطاقة رضا أردَكانيان، ووزير الجهاد الزراعي كاظم خاوازي، حول هذه الأزمة، إلى جانب إيفاده وفداً حكومياً إلى محافظة خوزستان برئاسة رئيس لجنة إدارة الأزمات.

تم الكشف عن مشاريع نقل المياه من خوزستان قبل حوالي 15 عاماً، وأثارت آنذاك احتجاجات وانتقادات واسعة في خوزستان، لاسيما من قبل الناشطين العرب في المحافظة

كما أوفد رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إيجئي، وفداً قضائياً وتنفيذياً رفيع المستوى بعضوية مندوبين من وزارة الطاقة والمدعي العام الإيراني إلى المحافظة لمناقشة أزمة المياه فيها وحلها.

وبعد صمت طويل وفي أول موقف له من التطورات الأخيرة في خوزستان، نشرت صفحة المرشد الإيراني علي خامنئي، منشوراً عبر حسابه على إنستغرام تضمن تصريحات تعود إلى قبل 5 سنوات: "على المسؤولين أن يتابعوا مشاكل خوزستان لأن من يهتم بالمواطنين لا يستطيع أن ينظر إلى مشاكل خوزستان الصعبة بلا إحساس بمعاناتهم. الاهتمام بالمواطنين، بين المسؤوليات الدائمة والمستعجلة للحكومات." وفي أول ظهور له بعد مرور ثمانية أيام على الاحتجاجات قال علي خامنئي اليوم في كلمة قصيرة ألقاها بمناسبة أخذه الجرعة الثانية من لقاح كورونا، إن المشاكل في خوزستان نتيجة عدم الأخذ بتنبيهاته المكررة بشأن أزمة المياه في هذه المحافظة.

وبدوره قال الرئيس روحاني إنه من حق المواطنين في خوزستان أن يحتجوا على أزمة نقص المياه، وأن يعبروا عن رأيهم. وأضاف أن "المواطنين في خوزستان يتمتعون بالذكاء، وقاوموا ودافعوا عن البلاد خلال الحرب الإيرانية العراقية، ويواجهون صعوبات كثيرة، ويجب فصل من ينددون بشعارات غير صحيحة أو يحاولون إثارة الشغب -ولا يتجاوز عددهم مئات الأشخاص- عن أهالي خوزستان".

وأشار روحاني إلى أنه يجب تلبية مطالب المحتجين وحل مشاكلهم وعدم السماح لأعداء البلاد ليستغلوا هذه الظروف، حسب قوله.

وأعرب الرئيس الإصلاحي السابق، محمد خاتمي، عن أسفه لمقتل وجرح المتظاهرين، وقال: "الناس مستاؤون بحق، محتجون على ما يجري. الاحتجاج السلمي حق مؤكد للناس والمواطنين". وأكد أن خوزستان قلب الاقتصاد والسياسة والثقافة والحضارة الإيرانية، وأنها تحملت تكاليف كبيرة جراء حرب إيران والعراق.

كما انتقد الرئيس الإيراني السابق، محمود أحمدي نجاد، قمع الاحتجاجات، معلناً تضامنه مع مطالب المحتجين، مشيراً إلى أن المشاكل التي تعاني منها المحافظة ذات الأغلبية العربية، تعود إلى مجموعتين من الأسباب؛ في المجموعة الأولى أشار إلى مشاكل البنية التحتية التي تضررت على مدى ثماني سنوات من الحرب مع العراق في الثمانينيات، أما المجموعة الثانية من المشاكل فتعود إلى إدارة المياه، على حدّ قوله.

في الخارج، وصف ولي عهد إيران السابق، رضا بهلوي، في رسالة عبر الفيديو، المرشدَ الأعلى خامنئي بـ"القائد المجرم للجمهورية الإسلامية" وقال إنه "مسؤول بشكل مباشر عن إراقة دماء خوزستان ظلماً". وبحسب رضا بهلوي فإن خامنئي "يطلق النار على الناس الذين نزلوا إلى الشوارع من أجل الماء والخبز والحرية، للحفاظ على النظام."

ودولياً، قالت وزارة الخارجية الأمريكية، إنها تتابع عن قرب الاحتجاجات في خوزستان بما في ذلك إطلاق القوات الأمنية النار على المحتجين، مضيفة أنه "يجب أن يكون بقدرة الإيرانيين التعبير عن أنفسهم بحرية دون الخوف من العنف والاحتجاز".

وجاءت احتجاجات الأيام الأخيرة في محافظة خوزستان في ظلّ جائحة كورونا المتسمرة بقوة في إيران، والأزمة الاقتصادية والمعيشية وحالة الاستياء العام التي تسود البلاد، وفشل حكومة حسن روحاني المنتهية ولايته في التوصل إلى اتفاق نووي في فيينا، وكل ذلك على أعتاب تشكيل الحكومة الإيرانية الجديدة برئاسة المتشدد إبراهيم رئيسي، والذي لا تزال خططه لحلّ قضايا البلاد غير واضحة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard