"الحلول صارت في الخارج"... أحزاب السلطة في لبنان غير قادرة على إدارة أزمة البلد

الجمعة 16 يوليو 202106:02 م

الشوارع التي شهدت سقوط رئيس الحكومة اللبنانية السابق سعد الحريري خلال ثورة 17 تشرين الأول/ أكتوبر أقفلت ليلة أمس على نفسها وعلى المارة بعد أن أعلن الحريري اعتذاره عن تكليف حكومة جديدة، بعد نحو تسعة أشهر من تكليفه بالمهمة.

طيلة الأشهر السابقة، كان المشهد في لبنان ينقسم بين الذين يريدون بلداً لا يتحكّم فيه الحريري أو أي حزب آخر من أحزاب السلطة، ويرون في ذلك شرطاً للخروج من الأزمات، وبين الذين يرون أن لا خلاص من الأزمة الحادّة إلا بالعودة إلى أحزابهم، وإلى تشكيل حكومة برئاسة الحريري، كونه أبرز وجه سياسي سنّي في لبنان.

إذاً الحلقة مفرغة والقديم يتجدّد، وتسعى فئات من الشعب ولو بسبب الخوف إلى الحفاظ على بقاء "الزعيم"، رغم ما وصل إليه حال البلاد بسبب سياسات هؤلاء "الزعماء".

في ظل التوتر الذي شهده الشارع في 15 تموز/ يوليو، والغضب الذي ترجم إلى أعمال عنف وتكسير، صار واضحاً أن خطر الانزلاق إلى الفوضى قائم.

وفور إعلان الحريري اعتذاره، ارتفع سعر صرف الدولار الواحد إلى 22000 ليرة لبنانية، فقطع أنصاره شوارع حيوية.

بين السياسة والاقتصاد

يشرح الخبير الاقتصادي الدكتور خلدون عبد الصمد المشهد لرصيف22 بالطريقة التالية: "نحن في ظل وضع سياسي يؤثّر على الوضع الاقتصادي وليس العكس. ونحن في توجّه نحو الأسوأ. وبغض النظر عن وجود الحريري من عدمه، نحن في مأزق ما لم تحصل اتفاقات سياسية طويلة الأمد وتحت إطار توافق دولي. والحريري كان لديه إلى حد ما مصداقية دولية، وبالتالي استقالته من التكليف تفاقم سوء الوضع".

ويضيف أن "الشارع الذي رأيناه يوم أمس ليس شارع ثورة بل هو شارع سياسي، وهو ردّة فعل شعبية كانت ستظهر لأي زعيم سياسي وليس فقط للحريري. أما ارتفاع سعر صرف الدولار فحصل لأن الناس دخلت في حالة هلع عند سماعها خبر عدم تشكيل الحكومة، رغم عدم تغيّر العرض والطلب. وبالتالي، فإنّ تخوّف الناس بحد ذاته هو من المسبّبات التي تزيد من حدّة الأزمة الاقتصادية".

"هناك صعوبة في التواصل مع الخارج، والدعم الدولي الذي كان ينمّي الأحزاب الطفيلية اختفى. كما لا توجد غنائم ليتقاسموها، حتى أن التعبئة الطائفية وصلت إلى حدّها الأقصى. إذا كيف سيحكمون؟"

ليلة 15 تموز/ يوليو، ظهر سعد الحريري عبر شاشة تلفزيون الجديد في مقابلة مصورة مع الصحافية مريم البسّام، تحدّث فيها عن الشخصي والعام، وأعلن من خلالها عن نفاد وسائله السياسية، وعن فقدانه لمنصبه كملياردير وعن انتظاره للانتخابات التي سيجيب من خلالها بحسب قوله على كلّ الموبقات التي ارتُكبت بحق تيار المستقبل. ورغم أن الطرقات في كافة المناطق قطعها أنصاره أكّد هو رفضه لقطع الطرقات والألعاب الطائفية.

"الحلول في الخارج"

وعن الأبعاد السياسية لاستقالة الحريري وتصريحاته، يقول الصحافي السياسي منير الربيع لرصيف22: "كان واضحاً منذ بداية تكليفه أن سعد الحريري لن يتمكّن من تشكيل الحكومة، لكنّه أراد أن يخوض لعبة سياسية يخرج فيها من التسوية الرئاسية، وهذا ما تجلّى في مقابلته المتلفزة ليلة أمس، إذ إنه دفع نحو الانتخابات واعتبرها المحور الأساسي له".

وبرأيه، "كل هذا يُعَدّ عملية شد عصب، وكل هذا الشد يبقى أصغر من الأزمة المحيطة بلبنان والتي تطاله من النواحي الاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية والمالية. وبالتالي تهدّد بنيته وكيانه".

وعن الحلول التي يمكن اعتمادها للخروج من هذه الأزمات، يقول الربيع: "أي حكومة ستتشكّل لن تكون قادرة على حل الأزمة. الحلول صارت في الخارج. بالمؤتمرات والقرارات الدولية، ولا يهم ماذا ستكون تسميتها لكن الحل لم يعد بأيدي أي حكومة لبنانية، لأن لبنان اليوم يصارع على وجهته وعلى هويته: فهل سيتوجّه شرقاً أم نحو العرب والغرب؟"".

وعن التسويات التي يمكن أن تحصل، يشير إلى أنه "في حال حصلت تسوية بين الشرق والغرب سيحافظ لبنان على هويته الحالية مع تغييرات قليلة، لكنّها ستكون على حساب كل ما عمل عليه سعد الحريري و(رئيس الجمهورية) ميشال عون، وهذه النتائج يمكن أن نصل لها بالمسار ‘الحامي’ أو بالمسار ‘البارد’. والمسار الأخير يتطلب توافقاً لبنانياً بالإضافة إلى توافق دولي. وفي حال لم يحصل هذا التوافق سنشهد انعكاس الأزمات في الشارع. ليس من الضرورة أن تصل الأمور إلى أوضاع خطرة. لكن التزعزع الذي يشهده الأفراد بالإضافة إلى غياب الاستقرار السياسي سينعكس على المشهد العام، ما لم تحصل حلول دولية وتنعكس نتائجها على لبنان".

من الناحية المحلية والدولية، تحرّكت فرنسا في 16 تموز/ يوليو، وأعلنت أنها ستنظّم مؤتمراً دولياً جديداً حول لبنان في الرابع من آب/ أغسطس.

وفي لبنان، علّق رجال السياسية على خبر اعتذار الحريري عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فكتب النائب أسامة سعد: "على قوى التغيير تجميع طاقاتها وفرض مسار انقاذي". أما الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، فقال: "رئيس الجمهورية والحريري يتحمّلان مسؤولية فشل المبادرة الفرنسية... والواقع على الأرض لا يتحمّل المزاجية". وعلّق النائب جميل السيد: "منيح إنو اعتذر لأن لو بقي كان الله يعين لبنان".

هل هنالك حكومة قريبة؟

من النواحي القانونية والسياسية، يشرح الأستاذ الجامعي والناشط السياسي علي مراد مسار الأمور ما بعد استقالة الحريري بالشكل التالي: "المسار الدستوري واضح. الاستشارات النيابية أسفرت عن تسمية سعد الحريري والأخير اعتذر عن تشكيل الحكومة. ومن هنا سيقوم رئيس الجمهورية بدعوة النواب لاستشارات نيابية ملزمة لتحديد اسم مَن سيتم تكليفه. والدستور لا يحدّد متى يجب أن تتم الاستشارات، والاسم لا يمكن أن يخرج إلا بمرسوم رئاسي".

ويضيف: "في المرة الأخيرة، انتظرنا كثيراً قبل تسمية حسان دياب. اليوم لا نعلم ماذا سيحدث. لكنّنا نعلم أن هذا المسار يؤكد مرة جديدة أن كل أحزاب السلطة في لبنان غير قادرة على إدارة أزمة البلد. فاليوم نحن لا نشهد ضغطاً من الشارع ورغم ذلك فشلوا بتشكيل حكومة. وهذا الفشل لا يقتصر على سعد الحريري أو ميشال عون بل يطال كل المنظومة بكافّة أحزابها".

"ارتفاع سعر صرف الدولار حصل لأن الناس دخلت في حالة هلع عند سماعها خبر عدم تشكيل الحكومة، رغم عدم تغيّر العرض والطلب. وبالتالي، فإنّ تخوّف الناس بحد ذاته هو من المسبّبات التي تزيد من حدّة الأزمة الاقتصادية"

يبدي مراد اعتقاده بـ"أن لا حكومة قريباً، وحتى لو سُمّي الرئيس المكلّف القادم، ولن نحصل على حكومة أفضل من حكومة حسان دياب. الفشل سيبقى نفسه. العجز عن الإصلاح أيضاً. هناك صعوبة في التواصل مع الخارج، والدعم الدولي الذي كان ينمّي الأحزاب الطفيلية اختفى. كما لا توجد غنائم ليتقاسموها، ولا صراع 4 و8 آذار يؤججون الشارع من خلاله، حتى أن التعبئة الطائفية وصلت إلى حدّها الأقصى. إذا كيف سيحكمون؟".

ويختم مراد: "نحن الآن بحالة صفرية، من جهة هناك منظومة سياسية عاجزة عن تشكيل حكومة، ومن جهة أخرى هناك شارع غير قادر على إنجاز عملية تغيير ميزان القوى. وبالتالي المعادلة الصفرية تحكم".:



إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard