وسط الحضرة المحفوظية بحثاً عن الأسرار... جولة في متحف نجيب محفوظ بالقاهرة

الثلاثاء 24 ديسمبر 201904:30 م

على بعد أمتار من المشهد الحسيني، حيث مسجد الإمام الحسين في وسط القاهرة، تأتي رحلة رصيف 22 في العاصمة الفاطمية القديمة لمصر، من داخل متحف الأديب العربي الوحيد المتوج بنوبل للآداب "نجيب محفوظ".


في 11 ديسمبر، مرّ 108 عاماً على ميلاد نجيب محفوظ، وسط نفس الأجواء القاهرية، وروائح العنبر وأسواق القماش، وباعة التحف في قلب الجمالية وشارع الموسكي ومقهى الفيشاوي، وهذا العالم الذي خلده محفوظ في مشروعه الأدبي.

12 عاماً من الانتظار، عاشها عشاق أديب نوبل، نجيب محفوظ، قبل خروج متحفه إلى النور؛ فقد تعثر المشروع بسبب البيروقراطية الحكومية طويلاً، وهذا اليوم يأتي ليكون أول أعياد ميلاد نجيب محفوظ، وتراثه شاهد على عظمته في تكية "أبو الدهب"، بعد افتتاح المتحف في يونيو الماضي.


المبني الأثري الذي يحمل رقم 68 وسط تعداد الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة الأثار المصرية، تحول إلى بيت جديد لمحفوظ، جدار الأدب العربي العالي الذي تحتضن "وكالة أبو الدهب" الأثرية في شارع الأزهر آخر معاقله، حيث أسراره ومقتنياتة الخاصة وبانوراما حياته تلفزيونياً وسمعياً.

يتبع المتحف إلى صندوق التنمية الثقافية المصري، وشهدت عملية تأسيسه تحولاً دراماتيكياً في الأمتار الأخيرة. كان المشروع يسير طبقاً لسيناريو متحفيّ محدد طوال السنوات الأخيرة، قبل أن تقرّر وزارة الثقافة المصرية تغيير خطّتها لتتواكب مع الحدث الأدبي المرتقب.

يصطحب المهندس الاستشاري "كريم الشابوري"، صانع المتحف، رصيفَ 22 داخل تكية أبو الدهب بعد أن قدم سيناريو العرض المتحفي الجديد، والذي تغيرت معه خطة التأسيس.


الشابوري قال لرصيف 22 إنه رغم ضغط الوقت، كانت عملية بناء معقل ذكريات الأديب الراحل ممتعة ومثيرة. لقد تمّ تقسيم المتحف إلى 10 قاعات ضمن المخطط الجديد للتأويل المتحفي، يمثل دراسة تحدّد الرسالة والمضمون التي ينتظر أن ينقلها المتحف لزوّاره، و يترتب عليها اختيار الموضوعات، والمقتنيات والوسائط التي سنسعى لإيصال الرسالة من خلالها.

كانت الصعوبة في صياغة متحف كبير الحرافيش، هو زخم حياة الكاتب العربي الوحيد المتوج بجائزة نوبل، وصاحب المقام الرفيع الذي أعاد تشكيل الهوية المصرية في رواياته

كانت الصعوبة في صياغة متحف كبير الحرافيش، هو زخم حياة الكاتب العربي الوحيد المتوج بجائزة نوبل، وصاحب المقام الرفيع الذي أعاد تشكيل الهوية المصرية في رواياته، وتغيرت بحروفه ألوان وروائح القاهرة؛ يقول الشابوري: "حرصنا على عدم حصر شخص بقيمة نجيب محفوظ في بعض المقتنيات، قد لا يكون لكثير منها قيمة مادية أو نفعية عالية، ولكن كون تلك المقتنيات تعود إلى الأديب الكبير، أعطاها قيمة أكبر من واقعها الحالي، حيث عادة ما يميل زوّار المتاحف للتأثر بمقتنيات أصحابها، وتخيله في مراحل استخدامها، وبالتالي يرتفع قدرها لديهم، وبذلك المزيج يأتي البيت الأخير لنجيب محفوظ.


الجولة داخل المتحف وأروقته تكشف حكاية تتناول سيرة محفوظ عبر أعماله الحاضرة بوجداننا، فالقاعات مسمّاة تيمناً بأسماء رواياته، وصور شخوصها وأبطالها حاضرون على الجدران، وكأنهم يصاحبونه برحلته الخالدة.

كما اتسع مبنى تكية "محمّد بك أبو الذهب" ليضمّ العديد من الورش وقاعات الدراسة والعمل البحثي والإبداعي، فيتضمن المبنى القاعات العشر للمتحف بعد زيادة المساحة المخصصة له، حيث يبدأ بقاعتين مخصصتين للأوسمة والنياشين وشهادات التقدير والهدايا التذكارية التي حصل عليها محفوظ طوال حياته، والتي تمّ تقسيمها بالرجوع لأكثر من تصنيف؛ فعلى سبيل المثال هناك الأوسمة الرسمية، والتي تعرض معاً بنافذة عرض مخصصة لها، ثمّ عرضُ أكثر من تكريم حصل عليه من جامعة القاهرة، التي تخرج منها، وفي نافذة أخرى عرضٌ لكلّ تكريم تلقاه إزاء أعماله السينمائية.


أما عن المشاهد المفتوحة بتكية أبو الدهب، والتي تقع خارج قاعات العرض المتحفي، فكان لها نسق وسيناريو خاص، فيقابل الزائرون أكثر من صورة وبورتريه لمحفوظ ومقولات من أعماله وأحاديثه، تقدم عصارة فكر الأديب والفيلسوف.

الجولة داخل المتحف وأروقته تكشف حكاية تتناول سيرة محفوظ عبر أعماله الحاضرة بوجداننا، فالقاعات مسمّاة تيمناً بأسماء رواياته، وصور شخوصها وأبطالها حاضرون على الجدران، وكأنهم يصاحبونه برحلته الخالدة

ومنطقة المقهى في المتحف، قد أطلق عليها "مقهى الحرافيش"، تيمناً بالاسم الذي أطلق على جماعة الأصدقاء التي انتمى إليها محفوظ، وجمعتْه بهم اللقاءات الدورية والجلسات المطولة على مرّ السنين، والتي حفلت بمناقشات وقضايا ثقافية وحياتيه مختلفة، منهم النجم السينمائي أحمد مظهر الذي أَطلق اسم "الحرافيش" على جماعة الأصدقاء. ويستعرض الشابوري في هذا الجزء من المتحف، صوراً تذكارية لهم، و|نفوغرافيك، تعبّر عن ظروف نشأة اسم الحرافيش.


وقد تمّ استحداث عدد من القاعات التي تتناول عالم محفوظ بداية من الحارة موطن الميلاد والإلهام، والتي يتعرّف من خلالها الزائر عبر فيلم تسجيلي على رؤية محفوظ لعالم الحارة ورمزية تمثيلها للكون أو العالم، وكيف أثرت في تشكيل وجدانه وهويته، ومن ثمّ انعكست على أعماله الأدبية لاحقاً، وقد أهدت ابنة نجيب محفوظ للمتحف، عشرات الصور الفوتوغرافية التذكارية لأديب نوبل، والدروع والنياشين وعدّة السمع، وساعة معدنية، ومبسم السجائر، وغيرها من مقتنيات محفوظ الشخصية.


"التكية" بيت محفوظ الجديد، حكايتها قديمة مع التاريخ؛ فقد بدأ الأمير محمد أبو الدهب في بنائها عام 1703م، ويعتبر المسجد الملحق بالتكية من المساجد المعلقة التي بنيت مرتفعة عن مستوى الطريق.

استخدم الموقع في بداياته ليكون مدرسة تساعد في استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب الوافدين إلى الأزهر، ويعدّ مسجد محمد أبو الدهب رابع المساجد التي شيدت في العصر العثماني، بعد مسجد سارية الجبل بالقلعة، مسجد سنان باشا ببولاق، ومسجد الملكة صفية بالدواودية.


في نهاية الرحلة يكون عشاق الأدب على موعد خاصّ مع المتوجين بنوبل للأداب؛ نافذة العرض بطلٌ رئيسيّ للغرفة، ويحيط بها صور جميع الحاصلين على جائزة نوبل من الأدباء العالميين منذ تأسيس الجائزة حتى الآن.


شهد المتحفُ بعد افتتاحه بأسابيع أوّل المعارض التشكيلية لأديب نوبل، والذي ضمّ لوحات لفنانين من 40 دولة، سجلت ريشتهم إطلالة محفوظ التي كانت بشرة خير كبير للأدب العربي.


*الصور في المقال من تصوير الكاتب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard