يهوذا وعبد الرحمن بن ملجم... "خائن الضرورة" عند المسيحيين والعلويين

الاثنين 9 أغسطس 202110:00 ص

وَلِلْوَقْتِ فِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ أَقْبَلَ يَهُوذَا وَاحِدٌ مِنَ الاِثْنَيْ عَشَرَ وَمَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ وَالشُّيُوخِ. وَكَانَ مُسَلِّمُهُ قَدْ أَعْطَاهُمْ عَلاَمَةً قَائِلاً: "الَّذِي أُقَبِّلُهُ هُوَ هُوَ. أَمْسِكُوهُ وَامْضُوا بِهِ بِحِرْصٍ".

فَجَاءَ لِلْوَقْتِ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ قَائِلاً: "يَا سَيِّدِي يَا سَيِّدِي!" وَقَبَّلَهُ. فَأَلْقَوْا أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ وَأَمْسَكُوهُ. فَاسْتَلَّ وَاحِدٌ مِنَ الْحَاضِرِينَ السَّيْفَ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ. قَالَ يَسُوعُ: "كَأَنَّهُ عَلَى لِصٍّ خَرَجْتُمْ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ لِتَأْخُذُونِي! كُلَّ يَوْمٍ كُنْتُ مَعَكُمْ فِي الْهَيْكَلِ أُعَلِّمُ وَلَمْ تُمْسِكُونِي! وَلَكِنْ لِكَيْ تُكْمَلَ الْكُتُبُ". فَتَرَكَهُ الْجَمِيعُ وَهَرَبُوا.

سلّم إذن يهوذا "سيّده" وقبض ثمن خيانته، ثم انتابه الندم ورمى الفضة في الهيكل وخنق نفسه فمات. لكن، هل كانت فعلته خفية عن "ابن الإنسان"؟ ألم يكن يسوع يعلم بمآل يهوذا معه، ألم يكن سهلاً عليه وهو العارف بما سيأتي، كما يدّعي، أن يتدارك الخيانة، أم كان الأمر بتدبير منه؟ وبالتالي، هل كان يهوذا مخلصاً أم خائناً؟ وبنفس الطريقة، هل ابن ملجم الذي قتل الإمام علي بن أبي طالب بخنجر مسموم، قاتل أم عبد مأمور ومخلص؟

محنة يهوذا

رغم فداحة فعلة يهوذا أو يوضاس، إلا أن شخصيته غالباً ما أُغلق عليها ولم تتمّ  مساءلتها كثيراً، والمشترك بين الأناجيل الأربعة أنه باع المسيح بثلاثين ديناراً، ولاحقاً، عندما صُلب المسيح ألقى الفضة في الهيكل ثم انسحب وقتل نفسه.

في المسيحية الأولى، وبعض النصوص التي اعتُبرت ملفقة من قبل الكنيسة، نُظر إلى يهوذا كأكثر الحواريين إخلاصاً، والأشد ولاء. وتذهب جماعة القاينيين الغنوصية إلى حدّ تبجيله، لأنه ضحّى بنفسه لأجل صلب المسيح وإنفاذ الرسالة.

يقول أرماند أبيكاسيس، أستاذ الفلسفة في جامعة بوردو، ومؤلف كتاب "قراءة يهودية للأناجيل"، إنه "يجب أن نتخلص من الضراوة التي اتبعتها الكنيسة، بالنظر إلى شخصية يهوذا".

في المسيحية الأولى، وبعض النصوص التي اعتبرت ملفّقة  من قبل الكنيسة، نُظر إلى يهوذا كأكثر الحواريين إخلاصاً، والأشد ولاء. وتذهب جماعة القاينيين الغنوصية إلى حدّ تبجيله، لأن ضحّى بنفسه لأجل صلب المسيح وإنفاذ الرسالة

إن الأناجيل لا تتعلق فقط بحياة وموت يسوع وقيامته لاحقاً، بل هي شرح للعقيدة المسيحية بعد 30-40 سنة من موت يسوع، حيث يرفض أبيكاسيس "الصورة السلبية" التي أشاعتها المسيحية عن يهوذا وبالتالي عن اليهود، حيث أظهرته كخائن وعاشق للمال، وطغت هذه الصورة لاحقاً على كل اليهود، بصورة نمطية مشابهة، خصوصاً في إنجيل يوحنا، حتى أنها طالت كل ذوي الشعر الأحمر على سبيل المثال، كالصورة التي رسمتها المسيحية عن يهوذا أحمر الشعر.

لكن، هل ستكون المسيحية بدون يهوذا هي المسيحية نفسها؟ ماذا لو أن يهوذا لم يقم بتسليم يسوع، واستمر يسوع كداعية مسالم، يبشّر و"يكرز" بوصاياه اللطيفة، ويختبئ خلف "مالله لله وما لقيصر لقيصر"، لولا هذه الخيانة التي أدّت إلى العنف اللاحق، أكانت المسيحية ستبصر النور؟ والمحنة المسيحية كلّها، ودرب الجلجلة والصلب ثم القيامة، أليسوا مربوطين ربطاً وثيقاً بخيانة يهوذا؟

كان يهوذا واحداً من أشدّ اليهود المتعصبين للخلاص من حكم الرومان، والمؤمنين بزعامة يسوع الروحية وبأنه سيؤسس لحكم الله، وبالقوّة إذا لزم الأمر، وكان دليله في ذلك طرد التجّار من الهيكل، لكنه كان متعجّلاً الخلاص ويؤمن بالحلول العنفية أيضاً، وفي العشاء الأخير أوضح يسوع أن أحد تلامذته سيقوم بتسليمه لأعدائه، حتى أنه قال إنه سيدلّ على من يخونه بإطعامه من صحنه، وفعل ذلك مع يهوذا.

إذن، يسوع يعرف، وربما هو، إذا وضعنا في الحسبان مشيئته الخفية، من أمر بذلك (يذهب إنجيل يهوذا المزعوم إلى أكثر من ذلك، إذ يقول بأن يسوع نفسه أعطاه أمراً بالخيانة)، ومع ذلك لا يقوم بفضح يهوذا، بل يناوله القربان المقدس، الذي لم يعتبره القدّيسون قرباناً حقيقياً، أو أنه حقيقي لكن لا يعني شيئاً، ولا ينال بموجبه يهوذا بركة من أي نوع.

المشكلة التي تضعنا أمامها التفسيرات العرفانية هي عدم إمكانية التحقق من أي حدث، ووضعنا أمام عدد لا نهائي من التفسيرات التي لن نجد لها إمكانية الاختبار، كأن الحقيقة مستحيلة القبض و"المعنى" مستحيل الفهم

في المساء، جاء يهوذا برفقة رؤساء الكهنة ويشير ليسوع عبر القبلة التي تمّ الاتفاق عليها، لكن يسوع كان معروفاً وحديثه ومعجزاته كانت قد انتشرت، وعندما دخل أورشليم على ظهر حماره هتفت له الجموع لرؤية نبوءة زكريا تتحقق، لماذا إذن هذه القبلة التعريفية؟ هل كانت قبلة وداع، قبلة تدلّ على الانصياع التام للأمر، أم هي فعلاً قبلة للدلالة على الشخص فحسب؟

الإنجيل حسب الخائن

في عام 1970، وجدت في مصر نسخة ناقصة من إنجيل يهوذا باللغة القبطية، وهي غالباً مترجمة عن اليونانية، لم تعترف بالتأكيد بها الكنيسة، واعتبرتها مع نصين مرفقين آخرين، نصوصاً ملفّقة كلياً. يبدأ إنجيل يهوذا بأن يسوع أخبره أنه قد اختير لتقديم تضحية بالجسد البشري الذي "يغلّف" يسوع، أي بخيانته وتسليمه مقابل ديمومة "المعنى"، في تفسير مشابه لتفسير أبيكاسيس.

والنصّ الذي أعيد نشره في عام 2006 ويعتقد أنه كُتب في القرن الرابع عشر، يبدأ بهذه الكلمات: "وقائع سرّ الوحي الذي أدلى به يسوع في حوار مع يهوذا الإسخريوطي على مدى ثمانية أيام". يُظهر يهوذا على أنه الشخص الذي سيخون المسيح بالتأكيد، لكن يسوع يأخذه جانباً ويعلّمه أسرار الملكوت، ويقول له إنه سيُلعن من قبل المسيحيين، رغم أنه الوحيد الذي أخبره يسوع بسرّ خلق الإنسان.

إن المسيحيين الأوائل، كانوا تحت تأثير صدمة انهدام الحلم ولم يتفكّروا ملياً بإخلاص هذا الرجل، بالرباط المقدس الذي جمعه بيسوعه، لم يفهموا نواياه، ظنّوه خائناً محباً للمال، وهو كان أشد إخلاصاً من هؤلاء "قليلي الإيمان"، فأصبح كبش فداء للمسيحيين جميعاً، لأجل أن يصبح يسوع كبش فداء للإنسانية، أظهر سواد قلبه النقي ليظهر يسوع بالصورة النقية الطاهرة التي رغب أن يظهر بها. إنه بذلك أشدّ المؤمنين فهماً للمسيحية وإخلاصاً للخطة الإلهية.

كان يهوذا بهذا المعنى "الخائن الضرورة"، الذي "افتتح" الخيانة رسمياً والتضحية بالنفس، قبل تضحية يسوع نفسه، قدّم هدية ليسوع وللعالم، وافتتح الرسالة بالخيانة الضرورية.

ابن ملجم، العاشق القاتل

كان عبد الرحمن بن ملجم المرادي من شيعة علي بن أبي طالب في الكوفة، وشهد معه معركة الجمل ثم صفين. رفض التحكيم الذي دعا إليه الحكماء من المعسكرين والتحق بالخوارج الذين قرّروا الخلاص من "الأئمة الضالّين"، حيث تعهّد ابن ملجم بقتل علي، وقام بذلك فعلاً، في حين فشل صاحباه بقتل معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص.

يلعن الشيعة بن ملجم ويصفونه بـ"أشقى الأشقياء"، بينما لا يفعل العلويون ذلك، في موقف مشابه لرؤية القاينيين المسيحيين لفعلة يهوذا، إذ يعتبرون أن القتل الذي حصل لا يمكن أن يكون إلا بمشيئة الله، وعليّ بن أبي طالب صورة عن الله، وبالتالي قام بن ملجم بتخليص الوجه الإلهي المقدّس لعليّ بن أبي طالب من وجهه البشري، أو بتعابير العرفانية العلوية، "خلّص اللاهوت من الناسوت"، إذ كان يتوجب على الحدث أن يحصل، لتظهر المفارقة بين الفرقة الناجية" وباقي الاثنتين وسبعين فرقة التي هي في النار، حسب الاعتقاد.

لو لم يُقتل عليّ بن أبي طالب، لما تمّت الدورة أو "القبّة" كما تسمّى، ولما انتقلت إلى الزمن الآخر الذي سيشهد مجيء المهدي المنتظر من "غيبته الكبرى" برفقة جيشه ليملأ الأرض عدلاً بعدما مُلئت جوراً، بنفس الطريقة التي تمّت عند صلب يسوع

وكما شكّلت خيانة يسوع من قبل يهوذا وتسليمه ثم صلبه، علامة فارقة في قيام المسيحية وثبات عقيدتها الإيمانية، كذلك كان مقتل عليّ ظاهراً، هو مقتل للشرّ الآخر، المتمثّل في "قمصان" عديدة أخرى للشيطان، والذي يتكرّر في عدد من "القبب"، وبداية التفريق بين مرحلة وأخرى، كما يعتقد العلويون، وحصولها يعني "تمام" الدائرة وانتهاء المرحلة وابتداء مرحلة أخرى.

فلو لم يُقتل عليّ لما تمّت الدورة أو "القبّة" كما تسمّى، ولما انتقلت إلى الزمن الآخر الذي سيشهد مجيء المهدي المنتظر من "غيبته الكبرى" برفقة جيشه ليملأ الأرض عدلاً بعدما مُلئت جوراً، بنفس الطريقة التي تمّت عند صلب يسوع.

فيكون ابن ملجم، والحال كذلك، "القاتل الضرورة"، الذي ضحّى بنفسه لإنفاذ المشيئة الإلهية، عارفاً بما يمكن أن يحصل له وما سينُسج حوله من اتهامات، لكن "العارفين" ببواطن الأمور لا ينظرون إلى الحدث ببعده الظاهر، بل ينظرون أيضاً إلى دوافعه وترتيباته اللاحقة من حيث نفاذ المشيئة وإظهار "المعنى" من كلّ ما سبق. سواء أكان هذا "المعنى" غامضاً على الدوام أو واضحاً "لأولي الألباب".

وإذا كان نص "إنجيل يهوذا" يُظهر الاتفاق الواضح والأمر الموجّه الجلي فإن العرفانية العلوية لا تحتاج لأمر من هذا النوع، فالمعنى الذي حرص ابن ملجم، بأمر من علي طبعاً، على وضعه موضع "التفسير"، يسيّر الأحداث التاريخية ويضعها على سكّة "الفهم"، بل ويضعها أيضاً موضع التنفيذ والتحقّق.

المشكلة التي تضعنا أمامها التفسيرات العرفانية هي عدم إمكانية التحقق من أي حدث، ووضعنا أمام عدد لا نهائي من التفسيرات التي لن نجد لها إمكانية الاختبار، كأن الحقيقة مستحيلة القبض و"المعنى" مستحيل الفهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard