العيد الأول لاستقلال سوريا: بالألف وليس بالتاء المربوطة

السبت 17 أبريل 202112:22 م

في مثل هذا اليوم، وقبل خمس وسبعين سنة، احتفلت سورية بجلاء آخر جندي فرنسي عن أراضيها سنة 1946. كان هذا اليوم، السابع عشر من نيسان، يوماً تاريخياً بكلّ المقاييس، ليس فقط بسبب أهمية الحدث، بل أيضاً لحالة الاستعراض التي أقامتها الحكومة السورية يومها، بالرغم من قلّة مواردها.

لو قارناها مع تقنيات اليوم وتطور الاستعراض البصري، لكانت لا تقل إبهاراً عن موكب المومياوات الذي خرج في القاهرة قبل أيام. لن نتحدث هنا عن الطريق الذي أوصل السوريين إلى الجلاء ولا عن نضال السوريين من أجله، فقد كُتب عنه الكثير، سوف نكتفي بالحديث عن عيد الجلاء الأول، وكيف عاشت سورية ذلك اليوم من ساعات الصباح الأولى وحتى المساء.

كان من المقرر أن يُقام الحفل الكبير بتاريخ 12 نيسان 1946، ولكن ذلك تصادف مع الجمعة العظيمة، وهي ذكرى حزينة لدى المسيحيين السوريين، لذلك تم تأجيل الاحتفال إلى يوم الأربعاء 17 نيسان وهو في منتصف الأسبوع ما بين عيديّ الفصح الشرقي والغربي.

في مثل هذا اليوم، وقبل خمس وسبعين سنة، احتفلت سورية بجلاء آخر جندي فرنسي عن أراضيها سنة 1946. كان هذا اليوم، السابع عشر من نيسان، ,وكان يوماً تاريخياً بكلّ المقاييس

زحفت مدن المشرق إلى دمشق لمشاركة السوريين فرحتهم الكبرى، وكان عدد المواطنين العرب القادمين إلى سورية يفوق عدد الوفود الرسمية أضعافاً مضاعفة، قُدّر بمئة ألف شخص. وقد قامت شركة الطيران السورية ومعها جميع الفنادق وشركة الترامواي بتخفيض أسعارها بنسبة 50% لتسهيل وصول الناس وإقامتهم وتحركاتهم في دمشق.

أمّا عن المشاركة الرسمية، فقد كان الوفد المصري برئاسة عبد اللطيف طلعت باشا، رئيس ديوان الملك فاروق، والسعودي برئاسة الأمير فيصل بن عبد العزيز، ممثلاً عن أبيه الملك عبد العزيز آل سعود، والأردني يتقدمه سمير باشا الرفاعي، رئيس وزراء الأردن، ممثلاً عن الملك عبد الله الأول.

وقد حضر وفد كبير من لبنان، برئاسة رياض الصلح وجميع أعضاء حكومته، ووفد من فلسطين برئاسة أكرم زعيتر، الذي أصبح بعد سنوات سفيراً لبلاده في جامعة الدول العربية. حلّوا ضيوفاً في فندق الأوريانت بالاس أمام محطة الحجاز، أشهر فنادق دمشق في حينها وأفخمها.

في ذلك الصباح، توجه الحضور الرسمي إلى السراي الكبير لمشاركة رئيس الجمهورية شكري القوتلي رفع عَلَم الاستقلال فوق سماء دمشق، وحضور كلمته أمام الجماهير المحتشدة في ساحة المرجة. وقد وقف إلى جانب الرئيس القوتلي المرحوم هاشم الأتاسي، بصفته رئيس جمهورية سابق ورئيس الحركة الوطنية التي حاربت الفرنسيين منذ العشرينيات، وكان معهم على شرفة السراي، رئيس الحكومة سعد الله الجابري، وزير الخارجية جميل مردم بك ورئيس مجلس النواب فارس الخوري. جاء في كلمته الشهيرة:

"بني وطني... هذا يوم تُشرق فيه شمس الحرية الساطعة على وطنكم، فلا يخفق فيه إلّا عَلَمكم، ولا تعلو فيه إلا رايتكم. هذا يوم الحق تدوي فيه كلمته، ويوم الاستقلال تتجلى عزته، يوم يرى الباطل فيه كيف تدول دولته، وكيف تضمحل جولته. هذا يوم النصر العظيم والفتح المبين.

حالة الاستعراض التي أقامتها الحكومة السورية لجلاء آخر جندي فرنسي عن أرضها،  لو قارناها مع تقنيات اليوم وتطور الاستعراض البصري، لكانت لا تقل إبهاراً عن موكب المومياوات الذي خرج في القاهرة قبل أيام

أهنئ اليوم هذه الأمة، شباباً وشيباً، هلالاً وصليباً. أهنئ ذلك الفلاح، دعاه داعي الوطن فلباه، هجر مزرعته وتنكب بندقيته، وراح يذود عن أمته ويثأر لكرامته. أهنئ العامل الكادح، يجعل من نفسه لوطنه الفداء، وهو فيما يصيبه لمن السعداء. أهنئ ذلك الطالب، تتأجج روحه حماسة، ويغلي مرجله إباء.

أهنئ الأستاذ يبث العزة القومية، والشاعر يهز الروح الوطنية، والكاتب ينافح عن الحق ويشدد العزائم. أهنئ ذلك التاجر طالما غادر متجره احتجاجاً على ظلم صارخ، ودفعاً لعدوان نازل. أهنئ رجل الأحياء تثيره النخوة ويستجيب للحمية. وأبارك للسيدة تؤدي واجبها جهداً وثباتاً وصبراً".

ثم توجّه الحضور إلى السرادق المُقام في وسط شارع بيروت، الذي صار اسمه من يومها شارع شكري القوتلي، لحضور الاستعراض العسكري الكبير الذي أقامه الجيش السوري المؤسس حديثاً، بمشاركة وحدات من الجيوش العربية. أُطلق واحد وعشرون طلقة مدفعية من قلعة دمشق، تلاها تكبير جماعي من مؤذني جامع بني أميّة الكبير مع قرع أجراس كنائس دمشق كافة، ابتداء من الكنيسة المريمية. وقد ترافق التكبير والأجراس مع انطلاق موكب الرئيس من السراي إلى شارع بيروت، واقفاً في سيارة مكشوفة سوداء.


وكانت هذه السيارة أجرة استأجرتها الأمانة العامة للرئاسة السورية خصيصاً لهذه المناسبة، من تاجر سيارات في شارع بغداد، لأنها لم تكن تملك مركبة بهذه المواصفات للمشاركة في هذا العرض.

كان من المقرر أن يُقام الحفل الكبير بالاستقلال بتاريخ 12 نيسان 1946، ولكن ذلك تصادف مع الجمعة العظيمة، وهي ذكرى حزينة لدى المسيحيين السوريين، لذلك تم تأجيل الاحتفال إلى يوم الأربعاء 17 نيسان 

بدأ الاستعراض بفرسان الجيش السوري على أحصنتهم البيضاء، يليهم خمسة ضباط شرف من الجيش السوري، يحملون ستة أعلام عربية ترمز إلى الدول المشاركة في فرحة سورية الكبرى. ثم جاءت فرق عسكرية من هذه الدول تتبعها فرق مشاة سورية ومدرعات وبعدهم شبّان الكشّاف السوري، بانضباطهم وعنفوانهم، يحملون شاخصة قماشية كبيرة، خططها شيخ خطاطي الشّام، بدوي الديراني، وكُتب عليها: "يا ظلام السجن خيّم" (وهي من شعر الصحفي السوري نجيب الريّس).

دخل بعدهم طلاب المدارس على الاستعراض، وتقدموا نحو منصة الشرف وفي يدهم أكياس صغيرة مصنوعة من الحرير الدمشقي، سلموها إلى الرئيس القوتلي، فيها حفنة تراب من كل مدينة سورية. وأخيراً كان استعراض المحاربين القدماء، من حملوا السلاح ضد الفرنسيين في ثورة عام 1925. وقد حملوا صورة كبيرة لوزير الحربية يوسف العظمة، الذي سقط شهيداً في مواجهة الفرنسيين في معركة ميسلون يوم 24 تموز 1920.

زحفت مدن المشرق إلى دمشق لمشاركة السوريين فرحتهم ، وقُدّر عدد المواطنين العرب القادمين إلى سورية بمئة ألف شخص. وقد قامت شركة الطيران السورية ومعها جميع الفنادق وشركة الترامواي بتخفيض أسعارها بنسبة 50% لتسهيل وصول الناس وإقامتهم 

وفي السماء كان سلاح الطيران السوري يقوم بعروض "أكروبات" انتهت بلوحة جوية استمرت دقائق، كتب فيها اسم "سوريا" بالسماء. وقد قاد هذا الاستعراض الضابط الطيّار الشاب وديع المقعبري، الذي أصبح أمراً لسلاح الجو بعد عشر سنوات، ونال لقب "شيخ الطياريين السوريين" من قبل الرئيس القوتلي. بعد سنوات طويلة، سألت اللواء المقعبري: "لماذا سورية بالألف وليس التاء المربوطة؟"، أجاب المقعبري رحمه الله مُبتسماً: "لأنها كانت أسهل على الطيّار!".

بعد الاستعراض، رُفِع العلم السوري مجدداً وسط شارع بيروت، وأشعل الرئيس القوتلي مشعل الجلاء، فنهض أكرم زعيتر، ممثل فلسطين، وخاطب الرئيس قائلاً: "يا فخامة الرئيس مُبارك علينا جميعاً جلاء سورية المظفر ولكن هذا الاستقلال لن يكون كاملاً وسيبقى مبتوراً ناقصاً طالما أن سورية الجنوبية (أي فلسطين) ما زالت تعاني من احتلالٍ بريطاني غاشم وعصابات صهيونية".

أقسم الرئيس القوتلي أمامه وأمام الحضور أن علماً ثانياً لن يُرفع في سماء دمشق إلّا علم الوحدة العربية، وقد أخلص القوتلي ليمينه عندما رفع علم الجمهورية العربية المتحدة، علم الوحدة مع مصر، بعد اثني عشر سنة، فوق سماء دمشق مجدداً، وتحديداً من على شرفة قصر الضيافة في شارع أبو رمانة.

سألت وديع المقعبري، شيخ طياري سوريا: لماذا "سوريا" بالألف الطويلة وليس بالتاء المربوطة؟ أجاب: لأن ذلك أسهل على الطيّار

وفي المساء خرجت مسيرة كبيرة من شباب دمشق وفتياتها إلى شارع النصر، يحملون مشاعل النصر. وقد أطفأت أمانة العاصمة (محافظة دمشق) أنوار المنطقة لاضفاء جمالية وبهاء على هذا المسير. مرّوا أمام عبد اللطيف طلعت باشا، ممثل الملك فاروق، الذي صاح مُصفقاً: "بالعزّ الدايم يا سورية".

انتهت الاحتفالات في مساء يوم الخميس، وعاد السوريون إلى عملهم صباح يوم السبت بتوجيه من رئيس الجمهورية الذي قال لهم: "النصر مهم، ولكن العمل أهم. لو أردتم النهوض بهذا البلد والحفاظ على استقلاله، عليكم بالعلم والعمل. وحدهم سينقلون سورية إلى مقام الدول المتقدمة في هذا العالم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard