"قبل الثورة"... في انتظار لحظة (الحركة)

الثلاثاء 27 يوليو 202110:22 ص

حذف المخرج والكاتب المسرحي المصري، أحمد العطار، عدة مشاهد من مسرحيته "قبل الثورة " منذ عدة أعوام بسبب الرقابة في مصر، ثم قرّر وفرقته إلغاء العرض، بعد بيان أصدره العطار، كتب فيه:

"طلب الرقابة إلغاء خمسة مشاهد كاملة من العرض سيؤثر سلباً على البناء الدرامي والعمل الفني ككل، كما يفرّغه من مضمونه الفني والأدبي، ما يتعذر عليه تقديم العرض بهذه الصورة المشوهة"، وبعد الأخذ والرد، عُرضت المسرحية في مصر، واستضيفت مؤخراً بنسختها "الكاملة" التي يبلغ طولها 50 دقيقة، في مسرح MC93 في ضاحية بوبيني قرب باريس.

العرض من أداء كلّ من ناندا محمد ورمزي لينر، وقبل أن يدخلا الخشبة، نشاهد على الركح لوحاً تملأه المسامير، يشابه تلك التي يجلس عليها المؤمنون بقدرات التأمل ولاعبي الخفة (تأكدت من المسامير بعد نهاية العرض، هي مسامير حقيقة).

وضمن هذا اللوح مربعان صغيران يشكلان المساحة "الآمنة" التي يقف فيها كل من محمد ولينر ما إن يدخلا الخشبة، ليقفا بمواجهة الجمهور طيلة العرض، دون أي حركة سوى "الكلام" وتعابير الوجه، يرافقهما إيقاع إلكترونيّ متسارع، أنجزه الموسيقي حسن خان، وهو أشبه بنبض متوتر يختلف تسارعه و"قلقه" طوال العرض.

بعد الأخذ والرد، عُرضت مسرحية "قبل الثورة" للمخرج والكاتب المسرحي المصري، أحمد العطار،  واستضيفت مؤخراً بنسختها "الكاملة" التي يبلغ طولها 50 دقيقة، في مسرح MC93 في ضاحية بوبيني قرب باريس. العرض من أداء كل من ناندا محمد ورمزي لينر

يتقمص المؤديان على طوال العرض أدواراً مختلفة، هما الزوج والزوجة المتصارعان، والمحقق والمعتقل، ومشجعان من الألتراس، وقارئان للأخبار، ومتحرش وضحيته، كل هذا يتدفق على لسانهما أمامنا، وفي كل واحد من هذه "الحوارات" يخاطب الاثنان مساحة مختلفة من تاريخ مصر إلى حد ما قبل ثورة 25 يناير، وربما الشلل أو العجز عن الحركة في مربع المسامير بمعناه الحرفي والمجازي، يدلّ على حالة الاختناق التي كان يختبرها المجتمع المصري.

تأويلنا المبسّط لفضاء العرض سببه عدم استطاعة الكلمات الإحاطة بما يحدث بدقة، خصوصاً حين تتداخل طبقات السرد والاصوات، ويتسارع توتر الإيقاع الموسيقي، فعجز المؤديين عن الحركة ينتقل إلينا نحن المشاهدين، لنصبح مثلهم، وكأننا مهددون دوماً، أي حركة (في مصر) قد تعني خطراً وألماً، يكفي فقط ترديد ما يُقال لأجل النجاة، حتى الفضاء الخاص نفسه (المنزل) والصراع بين الزوجين، مكبّل نوعاً ما ويثير الشلل، لا الزوج يترك المنزل ولا الزوجة تتنازل عما تريد.

يتقمص المؤديان على طوال العرض أدواراً مختلفة، وفي كل واحد من هذه "الحوارات" يخاطب الاثنان مساحة مختلفة من تاريخ مصر إلى حد ما قبل ثورة 25 يناير

بينما يتدفق الكلام على لسان المؤديين، نتلمس المقارنة بين فساد الدولة المصرية في عهد مبارك، وبين "إرهاب" جماعة الأخوان المسلمين، والمثير للاهتمام أن أكبر عدد للموتى من المصريين كان نتاج الأحداث "المتكررة"، تلك الناتجة عن تقصير الدولة، كاحتراق عبارة، تحطم قطار، وغيرها مما يفترض أن تضمنه الدولة وتضمن أمن من يستخدمه.

وكأن البنى التحتية دوماً مهددة بالسقوط، وضحاياها بالمئات (ويصل إلى الألف في الكثير من الأحيان)، على النقيض من الاغتيالات المتكررة والتفجيرات التي قامت بها جماعة الأخوان المسلمين، والتي لا تقارن أرقام الضحايا فيها عن تلك الناتجة عن فساد الدولة، وكأن "الشعب" بين نارين، فساد دولة لا تصون حياة مواطنيها وتشدّد فئة تعادي حد الموت من يختلف معها.

الثبات الدائم وعدم الحركة الذي يتجلّى في أداء الممثلين، يراكم فينا التوق لـ"التحرّر" و "الحركة" ولا نقصد نهاية العرض، بل اللحظة التي يتحول فيها هتاف الألتراس إلى شعارات احتجاجية، يتراكم التوتّر إلى حد لحظة الانفجار التي نعرفها سلفاً كمشاهدين.

كل ما قبل الثورة في كل الفضاءات يبشّر بأن ما يحصل لا يمكن احتماله، ولا بد من الخروج من المربع الشائك، مساحة "الأمان" الصغيرة تقود للاختناق، في ذات الوقت تجبر من فيها على الطاعة/ الكلام، فلا مساحة لـ"الصمت"، ذاك الذي يعني التفكير والاستعداد، تدفّق الكلام الجدي والساخر يكشف عن سينيكيّة الطاعة كأداء علني، إذ نقول ما لا نصدق، ونبقى في أماكننا، ليس فقط طوعاً، بل خوفاً من "الريّس" ورجاله، وكأن الكلّ واقف بانتظار لحظة الانفجار وأول حركة خارج المسامير.

يظهر المؤديان بثيابهما الموحّدة أشبه بعينة من جَمعٍ كامل، متسق، متشابه، لا يتحرّك، يردّد ما يقال له و يسمع الأوامر، أشبه بحشد منضبط يؤدي أمام أعين مراقب ما، مهيمن، يمنع أي حركة أو مخالفة لـ"الشكل"، الطاعة هنا (حسب جيجيك) وفي كل الدول الديكتاتورية ليست إلا سلوكاً خارجياً، أي لا يمكن التيقن من "صدقها".

و هنا تأتي سطوة الديكتاتورية، هي تطالب بالطاعة وتفرضها، و تنصب الأفخاخ حول من يحاول التحذلق أو الاختلاف، أو كما في حالة العرض، التحرك بضع سنتيمترات خارج المساحة المباحة، التي لا تتيح النوم أو الجلوس أو أي شيء آخر، سوى الوقوف والاستعداد، حتى اللعب مُقنّن ومضبوط، ولا يجوز الخروج من فضائه المحددّ و"السيناريو" الموافق عليه سابقاً.

يشير العرض إلى سطوة حسني مبارك ضمن نكتة تتكرّر على لسان المؤديين، مفادها أن طالباً في المدرسة اختفى بعد الفرصة لأنه سأل الرئيس مبارك عن سوء أحوال البلاد، الشأن المتكرر في كل ديكتاتوريات العالم العربي: "من يمزح يختفي"، "من يسأل تهدد حياته"

لكن، هناك ما يثير الحماس في نهاية العرض، أملٌ يدلل حد التحقيق، إذ يشير العرض إلى سطوة حسني مبارك ضمن نكتة تتكرّر على لسان المؤديين، مفادها أن طالباً في المدرسة اختفى بعد الفرصة لأنه سأل الرئيس مبارك عن سوء أحوال البلاد ومسؤوليته عن ذلك، الشأن المتكرر في كل ديكتاتوريات العالم العربي: "من يمزح يختفي"، "من يسأل تهدد حياته".

لكن، نحن المشاهدين الذين نتذكر ما قبل الثورة وما بعدها، نعلم أن "مبارك خُلع"، ونترنّم حالمين بالعبارة المصرية "تعيشوا وتخلعوا"، المسامير والشلل والخوف (ولو لفترة وجيزة) تلاشوا... نعم طار الريّس، أما ما بعد فشأن آخر، وهنا نخرج من العرض ضاحكين بتوتر، فلابد نهاية من أن ينتهي "حكم العسكر" في لحظة ما.

ملاحظة: نقرأ في نهاية خبر منشور في صحيفة "اليوم السابع" عن إلغاء المسرحيّة الجملة التالية: "فيما رفض رئيس جهاز الرقابة على المصنفات الفنية الافصاح عن الملاحظات التي أبدتها اللجنة على بعض المشاهد بالعرض، مشيراً إلى أنه شيء يخص المبدع والرقابة فقط".

ما يثير السخرية هو عبار "يخص المبدع والرقابة"، ما هي هذه العلاقة، وما هي ديناميكيتها، نعم هي علاقة خاصة بالخطاب السياسي وكيفيّة "تمثيله" جمالياً، لكن المضحك هو افتراض وجود علاقة، والمحزن هو ضرورة الاعتراف بها، خصوصاً في مصر، التي لا داعي هنا للحديث عن ممارسات الرقيب فيها على اللعب ومن يمارسونه بأشكاله المختلفة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard