لـ"مواجهة البصمة الإقليمية المتنامية للصين"... مصالح اليابان وتدخلاتها في الشرق الأوسط

الأربعاء 7 يوليو 202112:52 م

حين يدور النقاش حول النفوذ والتدخلات الأجنبية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تتم الإشارة بشكل أساسي إلى روسيا والصين مقابل إغفال أو تهميش الجهات الفاعلة الأخرى، ومن أبرزها اليابان.

يلقي بحث جديد الضوء على كيفية وضع اليابان نفسها في المنطقة مقارنة بالصين، وهو أمر له أهمية خاصة في ضوء مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية الأفريقية (تيكاد)، الذي سيعقد في تونس عام 2022.

والبحث هو أحدث إصدار ضمن سلسلة حوار البحر الأبيض المتوسط التي ينشرها البرنامج الإقليمي للحوار السياسي في جنوب البحر الأبيض المتوسط التابع لمؤسسة كونراد أديناور البحثية الألمانية. ويأتي بعنوان "علاقات اليابان والشرق الأوسط… فهم الأولويات الإستراتيجية لليابان بالمنطقة".

مناطحة الصين

ويشير البحث الذي أعده كريستوفر لامونت، الأستاذ المشارك للعلاقات الدولية بجامعة طوكيو الدولية، إلى أن المصالح اليابانية في المنطقة تُساير أهداف طوكيو الإستراتيجية الأوسع نطاقاً والتي تهدف إلى إدارة علاقاتها في سياق تدخلات الصين وعدم اليقين المتزايد بشأن الدور الأمريكي المستقبلي بالمنطقة.

وهو يوضح أنه بينما تروج طوكيو على نطاق واسع لإستراتيجيتها الحرة والمفتوحة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، والتي تهدف إلى تأمين نظام بحري حيوي وحر ومفتوح لعلاقاتها التجارية، فإن تركيزها بالشرق الأوسط يشمل بناء علاقات لتأمين مصالحها الاقتصادية في مواجهة البصمة الإقليمية المتنامية للصين.

ولفت إلى أن طوكيو تساهم في الاستقرار الإقليمي والتنمية من خلال المؤسسات المتعددة الأطراف، مرجحاً أن تزيد جائحة كوفيد-19 وتيرة اهتمام اليابان بالمنطقة لمواجهة الغزوات التي حققها منافسوها الاقتصاديون من خلال "دبلوماسية اللقاح".

نحو ثلاثة مليارات دولار أمريكي قدمتها لسوريا ودول الجوار منذ 2011… الاهتمام الياباني بمنطقة الشرق الأوسط آخذ في التعمق واليابان تعمد إلى دعم مصالحها عبر الجهود الإنسانية والتقارب بين الشعوب. نظرة متعمقة على أهدافها وتحركاتها

اهتمام قديم مقتصر على النفط

تستمر ارتباطات اليابان بالمنطقة في التعمق والتشابك، بالتزامن مع حرصها على إقامة علاقات قوية مع دول المنطقة بعد أن كانت المشاركة الدبلوماسية اليابانية تاريخياً متواضعة.

في الماضي، تركزت أهداف اليابان -رابع أكبر مستورد للنفط في العالم-  من علاقاتها بالشرق الأوسط على الحفاظ على أمن الطاقة، أي الحصول على النفط. في بعض الأحيان، ارتبطت هذه العلاقات بالحاجة إلى موازنة مصالح اليابان مقابل مصالح الولايات المتحدة، الشريكة الأمنية الأكثر أهمية لليابان. لم تسع طوكيو آنذاك إلى لعب دور رئيسي في الأمن الإقليمي، بل عملت كميسر لحل النزاعات والجهود الإنسانية في ما عُرف بـ"دبلوماسية دفتر الشيكات".

كانت مواقف اليابان من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والجمهورية الإيرانية منذ عام 1979، هما التعقيدان السياسيّان اللذان هددا علاقاتها بكبار مصدري النفط.

على مر السنين، توسعت أهداف اليابان واهتمامها بالمنطقة. على الرغم من أنها التزمت بتقليل اعتمادها على الطاقة من الوقود الأحفوري- كجزء من الجهود العالمية للتصدي لتغير المناخ. وبرغم تغيّر أولوياتها، استمرت طوكيو في العمل بالمنطقة عبر المنظمات المتعددة الأطراف، مثل الأمم المتحدة، بشأن القضايا ذات الاهتمام الإقليمي والعالمي.

وساهم تعاظم وجود الصين- التي حلت الآن محل اليابان كأكبر سوق تصدير منفرد في آسيا لنفط الشرق الأوسط، وحصلت شركاتها المدعومة من الدولة على عدد من صفقات الطاقة والتجارة المربحة في جميع أنحاء المنطقة عقب إزاحة بعض الشركات اليابانية- في تحفيز الدور الياباني في المنطقة.

نحّت "دبلوماسية دفتر الشيكات" جانباً… كانت حرب الخليج عام 1991 منعطفاً في السياسة الخارجية اليابانية عموماً وتجاه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل خاص. كيف؟

حرب الخليج والتحول الكبير

وشكلت حرب الخليج عام 1991 لحظة فاصلة، ليس فقط لسياسات اليابان في المنطقة، وإنما لسياسات اليابان الخارجية والأمنية. نحّت طوكيو دبلوماسية "دفتر الشيكات"، وشاركت في الجهود الحربية التي أقرتها الأمم المتحدة لتحرير الكويت. ويتذمر العديد من الدبلوماسيين اليابانيين من عدم الاعتراف بدور بلدهم في تحرير الكويت.

وعقب هجمات 11 أيلول/ سبتمبر عام 2001، شاركت اليابان بدور غير قتالي في الصراع الذي قادته الولايات المتحدة في أفغانستان. كما نشرت قوات الدفاع الذاتي (SDF) في العراق. آنذاك، بدا أن اليابان تتحرك وفق التفضيلات الأمنية لواشنطن في المنطقة.

ويمكن القول إن اليابان أعادت ضبط علاقاتها بالمنطقة منذ عام 2013 بعدما أدركت أن الافتقار إلى العلاقات القوية على الأرض ترك المواطنين والمصالح اليابانية عرضة للخطر. وذلك إثر حادث أودى بحياة 10 يابانيين في الجزائر.

وتقع القاعدة العسكرية اليابانية الوحيدة في خارج البلاد في جيبوتي. لكن القيود الدستورية على استخدام القوة، والإحجام العام عن نشر موارد القوة الصلبة بعيداً عن الوطن يقيدان مشاركة طوكيو في مهام الأمن الإقليمية. وهو ما من شأنه أن يعرقل دور كبير لليابان في مجال الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع أو الدعم اللوجستي مستقبلاً، ويحدد تدخلات طوكيو ضمن أطر متعددة الأطراف.

في المقابل، يتوقع لامونت أن "تستمر أولويات اليابان الإستراتيجية في المنطقة في التقدم عبر تعزيز التواصل الدبلوماسي والعلاقات بين الشعوب، جنباً إلى جنب مع بناء العلاقات الاقتصادية مع العواصم الإقليمية التي تتجاوز العلاقة التجارية اليابانية التقليدية ‘النفط مقابل سيارات الدفع الرباعي‘"، وإن ركزت على قطاعات الطاقة والتجارة والتكنولوجيا.

وأضاف أن هذا التواصل المتنامي يسعى إلى تحقيق هدفين رئيسيين: مجابهة المنافسة الاقتصادية في الشرق الأوسط من قوى شرق آسيا الأخرى، مثل الصين وكوريا الجنوبية، والحفاظ على نظام قائم على القواعد العالمية في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية.

يُتوقع أن تزيد جائحة كوفيد-19 وتيرة اهتمام وتدخلات اليابان بالمنطقة لمواجهة الغزوات التي حققها منافسوها الاقتصاديون من خلال "دبلوماسية اللقاح"

مصالح اليابان في المنطقة

في وقت سابق من هذا العام، حددت اليابان ثلاثة تحديات حاسمة لدبلوماسيتها: التغلب على جائحة كورونا، والحفاظ على النظام الدولي القائم على القوانين، ومواجهة التحديات المشتركة مثل تغير المناخ والعولمة والرقمنة. وثلاثتها تنعكس على تدخلاتها بالشرق الأوسط.

اعتباراً من 2021، أصبحت مصر وتركيا شريكين رئيسيين لليابان بالمنطقة، علاوة على علاقاتها الطيبة بالعراق ودول الخليج التي لطالما تعاونت معها لأجل النفط. ومنذ سنوات، تحتفظ طوكيو بعلاقات وثيقة مع إسرائيل خاصةً في مجالات التكنولوجيا الفائقة.

والتزمت طوكيو بمساعدة عملية السلام وإجراء الانتخابات في ليبيا، والمقررة في كانون الأول/ ديسمبر المقبل. علاوة على دعم جهود إعادة الإعمار والتنمية في العراق وتقديم المساعدات الإنسانية للاجئين السوريين. منذ عام 2011، بلغ إجمالي المساعدات اليابانية لسوريا ودول الجوار المتضررة من الحرب 2.7 مليار دولار أمريكي. وهي من المشاركين الرئيسيين ضمن منظمة "كوفاكس" التي تتولى توفير لقاحات كورونا للدول النامية.

في الأثناء، سلّط اختيار تونس لاستضافة مؤتمر "تيكاد" الثامن عام 2022 الضوء على الأهمية التي توليها اليابان للمنطقة، لا سيّما حرصها على عقد مؤتمرات مع قادة ووزراء خارجية دول شمال أفريقيا بما فيها مصر وتونس والجزائر والمغرب وليبيا.

وأطلقت الحكومة اليابانية "تيكاد" عام 1993 لغرض تعزيز الحوار السياسي الرفيع المستوى بين القادة الأفارقة وشركائهم في التنمية، بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لشؤون أفريقيا والبنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وقد عقدت جميع المؤتمرات السابقة في اليابان، عدا المؤتمر السادس الذي احتضنته نيروبي.

وكانت اليابان قد أطلقت، عام 2017، الحوار السياسي الياباني العربي الأول الذي استضافته جامعة الدول العربية. وحددت خلاله الخارجية اليابانية "مبادئ كونو" الأربعة لتوجيه سياسة اليابان تجاه الشرق الأوسط. وهي: "المساهمة الفكرية والإنسانية" أي تعزيز العلاقات بين الشعوب، و"الاستثمار في الناس" عبر تعزيز المساعدة الإنمائية ورأس المال البشري مثل الدور الذي لعبته اليابان في دعم قطاع التعليم بمصر، و"الجهود الدائمة"، ما يعني أن التزامات اليابان تجاه المنطقة طويلة الأجل، و"تعزيز الجهود السياسية" عبر لعب دور سياسي أكبر في المنطقة.

واستنتج لامونت من كل ما سبق أنه "في عام 2021، تعكس اهتمامات وأولويات اليابان في المنطقة الديناميكيات والتفضيلات المتغيرة التي تنعكس في دبلوماسية اليابان تجاه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard