بذور غرسها فاروق حسني... دار الأوبرا المصرية كسجنٍ نخبويّ

الأربعاء 7 يوليو 202110:26 ص

المقيمون على حواف الخرائب يستأنسون مَشاهد منفّرة وروائح كريهة صدمت عيونهم وأنوفهم يوماً. أنفوا منها وتأففوا، وراهنوا على سرعة الهرب. ثم هانت عزائمهم وهانت عليهم أنفسهم، واستسلموا للقبح وآنسوا إليه، فلا يؤذي حواسهم، بل يسخرون من المتأففين الجدد.

قد يضطر الناس إلى إقامة معسكر في خرابة، والبقاء وقتاً استثنائياً في شظف يخلو من الماء والخضرة والوجه الحسن. سيكولوجية المعسكر تقبل هذا الاستثناء المشروط بحياة طبيعية لن تتأخر في تقصّي الجمال، والتفنن في التماس الحُسن. امتداد أوقات الفراغ، طولاً وعمقاً، هو معيار الرفاهية والحياة الحقة. ويفترض أن تكون دار الأوبرا المصرية، واسمها الرسمي "المركز الثقافي القومي" عنواناً جامعاً لجماليات الفنون والفراغ.

ما أكثر الآثار المملوكية في القاهرة والإسكندرية. العقلية المملوكية العسكرية لم يكن يعنيها أن تصير البنايات الصرحية آثاراً تدل على أمجادهم. القلاع لحماية العروش، والأسبلة والتكايا والقصور والمساجد للتفاخر والتنافس على اعتصار عرق المصريين وأعمارهم. ولكن تلك الآثار راعت جماليات الفراغ الذي تتجاهله الآن دار الأوبرا بإسهاماتها، غير المحمودة، في مطاردة الجمال والفراغ، استجابة لسيادة العسكرة العمومية.

ما أقبح التهام المساحات الفارغة، ومحاصرتها بأسوار تنبت حولها أكشاك لبيع الكوكاكولا وأكياس البطاطس. في 28 أكتوبر 1971 احترقت دار الأوبرا في وسط القاهرة، وبدلاً من إعادة تشييدها بطرازها الأول منذ افتتاحها في نوفمبر 1869، مع مراعاة مقاومة الحرائق، أقيم مرأبٌ قبيح للسيارات.

كان الوزير يتباهى بتمتعه بحماية ثنائية طرفاها حسني مبارك وزوجته سوزان، وأطلقا يديه في ابتكارات إنشائية لكيانات يتولاها أصدقاؤه، ويُسكت بها معارضيه

في نهاية السنة المالية تنشر الصحف المصرية الحكومية صفحات كاملة، لا يقل عدد كلمات كل منها عن أربعة آلاف كلمة. نشرٌ اضطراري تفرضه لوائح شركات وبنوك. صفحات يطويها القارئ، ولا يتوقف ولو لقراءة عناوين لا تحظى بمساحة كريمة، في صفحة تزدحم بتفاصيل لا تهم إلا الشؤون القانونية.

وهناك شركات لا تكفّر سيئات القارئ الملول، فتعطي العيش لخبازه، والخباز مؤسسة محترفة تشتري صفحة كاملة، وتتركها فارغة، بيضاء إلا من كلمة واحدة، أو علامة تجارية لمنتج لا يمكن أن تخطئه عين قارئ. الفراغ يستفزّه على البحث عن المسكوت عنه، فيجد الإجابة مقذوف رصاصة ترشق في ذاكرته. يتفوق الإيجاز الذكي على العسكرة والمزاحمة.

للقبح الحالي في دار الأوبرا بذور غرسها وزير الثقافة السابق فاروق حسني الذي ورث تلاميذه الوزارة، منذ انتكاسة ثورة 25 يناير 2011. كان لمترو الأنفاق باب يفضي إلى دار الأوبرا، ويدخله قاصدو الأنشطة الثقافية والفنية، وعروض الأفلام والمسرحيات، وقصر الفنون ومتحف الفن الحديث، والعابرون إلى النادي الأهلي.

وكانت دار الأوبرا محاطة بسور حديدي رمزي يتيح للجمهور رؤية نجوم حفلات افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي، ومهرجان سينما الأطفال، والمعرض العام للتشكيليين، وصالون الشباب، وبينالي القاهرة الدولي للفنون، والتماثيل المتناثرة بحديقة اعتُقلت حالياً، وتحميها أكشاك المياه الغازية والشيبس. وأقيم جدار حديدي يعزل الدار عن محيطها البشري والجغرافي، ويجعل من المؤسسة الثقافية سجناً نخبوياً.

لم يجد قليلو الحيلة إلا صرخة "أشجارك يا مصر"

ما الضرر في أن يمرّ بدار الأوبرا فتى يقصد التدريب بالنادي الأهلي؟ سيرى بالمصادفة تمثالاً لمطرب، عملاً نحتياً، عازفين في مسرح مفتوح يدربون أصابعهم على الآلات قبل حفل. أسس الدكتور سليمان حزيّن أول جامعة بالصعيد، جامعة أسيوط عام 1955، وافتتحت بعد عامين، وأصبح أول رئيس لها حتى عام 1965، حين تولى وزارة الثقافة.

قرأتُ أنه تعمد بقاءها بلا أسوار، واصطدم طموح تطبيع التعليم بشكوى الأساتذة، وقد آذى كبرياءهم الأكاديمية مرورُ "العربجية" في "الحرم الجامعي"، اختصاراً للطريق. استمع إليهم الرجل، وتمسك باتصال الجامعة بمحيطها، فتتحقق الألفة، وقال للمشمأنطين: "ليس مهمّاً أن تدخل الحمير الجامعة، والأهمّ هو ألا تخرج منها بشهادة جامعية".

لنترك محيط دار الأوبرا، وندخل فضاءً كان يتجمل بتناثر الفراغ والحدائق. عزّ على "الفنان" فاروق حسني ألا يقتطع مساحات لبنايات إدارية تشوّه الطراز المعماري لدار الأوبرا. احتفظ الوزير العتيد بمنصبه 23 سنة، ولم يكن ليقتلعه أقلّ من ثورة، فكانت "جمعة الغضب". كان الوزير يتباهى بتمتعه بحماية ثنائية طرفاها حسني مبارك وزوجته سوزان، وأطلقا يديه في ابتكارات إنشائية لكيانات يتولاها أصدقاؤه، ويُسكت بها معارضيه، وأفلح في إغراء الكثيرين بدخول "الحظيرة".

افتخر حسني بنجاحه في تدجين المثقفين، وإدخالهم "الحظيرة". وأنشأ كياناً اسمه جهاز التنسيق الحضاري، فهل كان لجهاز يختار الوزير أعضاءه أن ينصحه بإقصاء المباني الإدارية إلى الأطراف، صوناً لقلب الدّار من الأورام؟

العقلية المملوكية العسكرية لا يعنيها أن تصير البنايات الصرحية آثاراً تدل على أمجادهم

أمام المسرح الصغير فناء مفتوح تقام فيه حفلات الاستقبال، واتُّخذ مسرحاً ليلياً، وفيه استُضيف مرسيل خليفة عام 2006. ورأت العقلية التجارية استثمار المسرح المفتوح بتسقيفه، وأمسى المسرح الصغير مسحوراً، غرفة داخل غرفة، والسقف يوضع ويرفع.

وفي ديسمبر 2020، بني في آخر فضاءات الأوبرا مسرح "WE" المفتوح، لإقامة عروض ليلية لأفلام مهرجان القاهرة السينمائي. مسرح يحتمل بمنطق المعسكر فقط، بضعة أيام استثنائية تجعل دخول متحف الفن الحديث وقصر الفنون عبر ممرّ للمشاة. منذ ذلك الوقت، ركل البسطال حدائق ومتنزهات في عموم القاهرة، وتعددت الشكاوى من مذابح الأشجار، وبعضها معمّر. أمام هذا التصحير، لم يجد قليلو الحيلة إلا صرخة "أشجارك يا مصر".

المتفائلون الطيبون راقبوا جنون الانتقام من الأشجار، واكتفوا بمصمصة الشفاه، لرؤية اللحم الشجري مقطّعاً ومحمولاً، بلا هيبة، في سيارات نقل مكشوفة. ولم يظنوا أن يمسّهم لهب سكتوا عنه وهو يحرق ثيابَ آخرين، وسرعان ما بدأ الطفح ينتقل من الشوارع والحدائق إلى دار الأوبرا، فتصيبها عدوى كراهية الخضرة وحجبها واستئصالها.

وفي غياب الشفافية، لن نعرف ميزانية "المركز الثقافي القومي" سنوياً. ولكنها، والله أعلم، منزّهة عن الانحدار إلى أداء دور تجاري، اللهم إلا بمنافسة حكومة تفكر بمنطق سائقي التوكتوك. لا ينتجون ويحسبون تدوير الأموال من يد إلى أخرى إنتاجاً. نضج سرطان فاروق حسني، وأثمر مسرح "WE" بأكشاكه القبيحة، وسقط آخر ملاذ للجمال.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard