الحكومة الإسرائيلية الجديدة... كيف سحل الإسلام السياسي في خندق الصهيونية الاستيطانية؟

الثلاثاء 22 يونيو 202102:58 م

وقّع منصور عباس زعيم القائمة العربية الموحدة في الكنيست الإسرائيلي، اتفاقاً “تاريخياً”، مع ائتلاف “التغيير” الذي يضم كلاً من رئيس حزب “يش عتيد”، يائير لابيد، رئيس حزب “يامينا”، نفتالي بينيت

أُعلن في الثالث عشر من حزيران/ يونيو الجاري عن تكليف الرئيس التاسع عشر لحكومة الاحتلال الإسرائيلي، اليميني العنصري نفتالي بينيت، بتشكيل حكومة بينيت- لابيد الائتلافية الجديدة، وانتهاء عهد رئيس حكومة الاحتلال السابق بنيامين نتنياهو. وتُعد هذه الحكومة منقذة إسرائيل من فراغ سياسي استمر لأكثر من عامين، بعد فشل الائتلافات الحكومية المختلفة التي قادها بنيامين نتنياهو، والتي قادت السياسة الإسرائيلية إلى أربعة انتخابات رئاسية خلال عامين. 

العارفون بالحالة السياسية الإسرائيلية يعلمون أن لا فرق بين نتنياهو وبينيت سوى في الخلفية الدينية للثاني. إذ يحمل كل منهما الفكر نفسه، والممارسة الصهيونية الفاشية نفسها، مع فارق الغطاء التوراتي الذي يستخدمه بينيت.

الجسر الذي عبره بينيت إلى الحكومة

نفتالي بينيت هو رئيس كتلة "يمينا" التوراتية المتطرفة، مستوطن شغل منصب رئيس منظمة الاستيطان في الضفة الغربية. له تصريحات كثيرة تعرف بالفاشية، كقوله: "لقد قتلت عرباً في السابق، ولا أرى مشكلة في ذلك"، وقوله: "التكاثر السكاني في النقب خطر ديمغرافي على دولة إسرائيل، ويجب أن نقوم بوضع حد له"، و"يجب أن يُقتل المخرّبون (يقصد الأسرى الفلسطينيين) لا أن يُطلق سراحهم".

بنيت، الذي كان مقرباً جداً من نتنياهو سابقاً، وشغل منصب مدير مكتبه قبل ترشحه للكنيست الإسرائيلي، لم يكن مفاجأة هذه الانتخابات الإسرائيلية. وبينما انشغل الشارع الإسرائيلي بتغيير رئيس حكومته، انشغل الشارع العربي في الداخل الفلسطيني بالجسر الذي عبره العنصري بينيت للوصول إلى الرئاسة، وحل مأزق السياسة الإسرائيلية. وهو جسر دشّنه وجهّزه عضو الكنيست عن الحركة الإسلامية الجنوبية منصور عباس. الأمر الذي جعل السواد الأعظم من فلسطينيي الداخل يعنونون هذه المرحلة بالخيانة، والتنكر للمبادئ الوطنية، والمساومة على نضالات الفلسطينيين من أجل بعض الميزانيات. وتقلد عباس منصب مساعد وزير في حكومة الاحتلال الإسرائيلي.

الحركة الإسلامية الجنوبية (القائمة الموحدة)، التي تعدّ نفسها امتداداً لحركة "الإخوان المسلمين" العالمية، أعلنت منذ الانتخابات الإسرائيلية الماضية عن أنها ستكون "بيضة القبان" للحكومة الإسرائيلية القادمة، وأنها ستحدد من يكون رئيس حكومة إسرائيل مقابل طلبات تتعلق بالمجتمع الفلسطيني في أراضي الـ48، مثل وقف هدم بيوت الفلسطينيين عن طريق إلغاء قانون "كيمنتس" العنصري، وتوسيع مسطحات القرى، والاعتراف بقرى النقب مسلوبة الاعتراف، وضخ الميزانيات للمجتمع الفلسطيني.

انشغل الشارع العربي في الداخل الفلسطيني بالجسر الذي عبره العنصري بينيت للوصول إلى الرئاسة، وحل مأزق السياسة الإسرائيلية. وهو جسر دشّنه وجهّزه عضو الكنيست عن الحركة الإسلامية الجنوبية منصور عباس

يقول المحلل السياسي علي حبيب الله لرصيف22: "إن نهج منصور عباس هو نتيجة طبيعية لعمل الأحزاب الفلسطينية في الكنيست الإسرائيلي. القائمة المشتركة التي وحّدت الأطياف السياسية جميعها، ورفعت شعار إسقاط نتنياهو بأي ثمن، هي التي مهدت الطريق لسياسي مثل منصور عباس كي يتسلق هذا الطرح. يحقق عباس اليوم مشروع أيمن عودة (رئيس القائمة المشتركة السابق) الطامح إلى تبديل حكومة نتنياهو بحكومة يكون فيها اليسار الإسرائيلي شريكاً. وبالفعل، أحزاب اليسار اليوم موجودة في حكومة بينيت-لابيد. ما المتوقع من تبديل نتنياهو؟ الوصول إلى حكومة أكثر عنصرية وقمعاً هي النتيجة الأرجح في الواقع الاستعماري الإسرائيلي".

"الإسلام السياسي" والصهيونية الاستيطانية في خندق واحد

لم تجف دماء شهداء غزة في جريمة إسرائيل الأخيرة في قطاع غزة، ولا دماء شهداء الداخل الفلسطيني موسى حسونة، ومحمد كيوان محاميد، اللذين قُتلا برصاص الشرطة الإسرائيلية والمستوطنين خلال الهبة الشعبية الأخيرة. ولم تتوقف بعد حملة الاعتقالات لفلسطينيي الداخل التي اعتقلت فيها الشرطة الإسرائيلية خلال الأسابيع الماضية أكثر من ثلاثة آلاف فلسطيني، حتى حصل ائتلاف بينيت-عباس، وكأنه لا يحصل في زمن موازٍ لهذه الأحداث. وكان شهد الشارع الفلسطيني، قبل أن تهدأ هبّته، زيارة عباس لكنيس يهودي أُحرق في الأحداث الأخيرة، برفقة كبير مستوطني اللد، والمسؤول الأول عن التحريض على فلسطينييها؛ رئيس بلدية اللد يائير ربيبو، متعهداً بترميمه، ما أثار غضب الفلسطينيين واحتقانهم.

وحتى عند اتّباع منصور عباس لسياسة "المرونة" في العمل السياسي، أو ما يصفه الكثيرون بالانبطاح، لم يحصل من مطالبه للمجتمع الفلسطيني سوى على الوعود بالميزانيات، والاعتراف بثلاث قرى في النقب كانت في طور الاعتراف بها سابقاً، ووقف هدم البيوت بشروط تعجيزية (عند الخوض فيها ستعني استمرار هدم بيوت فلسطينيي النقب).  

يندد أعضاء الحركة الإسلامية بقتلى اعتصام رابعة في مصر كلما واتتهم الفرصة، ويشاركون فيديوهات تُظهر سؤال الداعية المصري مجدي يعقوب في محكمة مصرية عن ذكره المتكرر لاسم الرسول محمد، ولا يقولون كلمة عن مجازر إسرائيل في غزة، أو سب الرسول من قبل قطعان المستوطنين في القدس. وقد خرجت أصوات خلال نقاشات مع كوادر الحركة الإسلامية الجنوبية على منصات التواصل الاجتماعي تصف الأصوات الفلسطينية الوطنية بأصحاب الشعارات الرنانة، والغوغائيين، وتكفّر كل من ينتقد نهجهم الذي سيعود عليهم بمكاسب، كوقف هدم البيوت، وممارسات أخرى يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي. في المقابل، تُوّج اليوم الثاني لحكومة بينيت-لابيد-عباس بحملة واسعة لهدم البيوت في النقب، وتوزيع أوامر هدم جديدة، كما تُوّج اليوم الثالث بمسيرة أعلام إسرائيلية استفزازية في باب العامود في القدس المحتلة. 

"ما المتوقع من تبديل نتنياهو؟ الوصول إلى حكومة أكثر عنصرية وقمعاً هي النتيجة الأرجح في الواقع الاستعماري الإسرائيلي".

"الحل في التكاتف الاجتماعي وليس الأسرلة"

يعجز المراقب للسياسة الإسرائيلية عن فهم البعد الوطني، أو الديني، أو حتى الاجتماعي، للخطوة السياسية التي اتخذتها الحركة الإسلامية الجنوبية. فيرى عباس في مقابلاته الإعلامية أن المعاناة التاريخية لفلسطينيي الداخل ليس سببها الاحتلال، والعقلية الاستعمارية الكارهة للعرب، إنما الخطأ في التوجه عند ممثليهم في الكنيست في السنوات السابقة، الذين لم يحصّلوا مكاسب للقضية الفلسطينية، أو للمجتمع الفلسطيني في الداخل، على حد تعبيره.  

وحول حكومة بينيت-لابيد الجديدة، ودعم الحركة الإسلامية لها، يقول النائب في الكنيست الإسرائيلي عن القائمة المشتركة سامي أبو شحادة لرصيف22: "لقد ساهمت الحركة الإسلامية في تنصيب رئيس منظمة "ييشع" العنصرية رئيساً للحكومة الإسرائيلية. إن التغيير بين نتنياهو ونفتالي بينيت هو انتقال من العنصري إلى الأكثر عنصرية. والحل لما يمر به مجتمعنا هو التكاتف الاجتماعي، وليس التوجه نحو الأسرلة. أما تصريحات منصور عباس القائلة بأن الخطأ ليس في المنظومة الاستعمارية، والبعد العنصري للصهيونية، بل في طريقة توجه القيادة السياسية للمجتمع الفلسطيني، هو خطأ في تشخيص المرض، وتالياً فإن نتائجه ستكون كارثية على الفلسطينيين. وقد أخطأ منصور عباس في حق شعبه، ورصيده النضالي، والمساهمة السياسية لممثليه، ومن بينها مساهمة الحركة السياسية التي ينتمي إليها".

"عباس باع المجتمع الفلسطيني بثمن رخيص"

لم تكن هبّة الداخل الفلسطيني حدثاً عابراً في وعي الشباب الفلسطينيين الذي تكاتفوا، ووحّدوا صفوفهم في مواجهة المستوطنين والشرطة الإسرائيلية. ويرى الشباب الفلسطينيون أن فعلة منصور عباس، والحركة الإسلامية، هي حيَدان عن الفطرة الوطنية السليمة، سيما بعد أشهر من التهديد والتحريض على الوجود الفلسطيني في حي الشيخ جرّاح، والقدس، والداخل عامة. يقول الناشط مفيد أبو سويلم من حراك ديار النقب لرصيف22: "دفع الشباب الفلسطينيون الضريبة، من خلال تصفيتهم واعتقالهم وملاحقتهم. أما منصور عباس، فنحن نشعر بأنه باع المجتمع الفلسطيني بثمن رخيص جداً. لقد تخلى عن جل المبادئ الوطنية من أجل بعض الميزانيات. بعد سنوات من المعاناة في قرى النقب، والملاحقة السياسية والجنائية للأهالي، وبعد الهبّة الأخيرة في وجه المؤسسة الظالمة، أعتقد أن فعلة عباس هي خيانة لرصيد المجتمع النضالي، وسوف تؤثر بشكل خطير على الوعي الفلسطيني العام للأجيال القادمة. ما يريده أمثال عباس هو أن ننشغل بالميزانيات، وننخرط في المجتمع الإسرائيلي حد الانبطاح الكامل. وعلى الرغم من إجابة الفلسطينيين على سؤال الانبطاح مقابل الخدمات خلال الهبّة، إلا أن عباس عاد وتذبذب للاحتلال بشكل أكبر، وساهم في تنصيب المحرّض الأكبر على شعبه رئيساً عليهم".

"أعتقد أن فعلة عباس هي خيانة لرصيد المجتمع النضالي، وسوف تؤثر بشكل خطير على الوعي الفلسطيني العام للأجيال القادمة"

ومن بين المعلقين على الممارسة الأخيرة ونهج الحركة الإسلامية الجنوبية، الباحثة والمحللة السياسية هنيدة غانم، التي نشرت عبر صفحتها على فيسبوك منشوراً حول الفصل بين المدني والقومي الذي تتبناه القائمة الموحدة بزعامة منصور عباس سائلةً: "هل يعتبر قانون منع لم الشمل الذي يطال آلاف المواطنين الفلسطينيين في الداخل موضوعاً مدنياً أم قومياً؟ هل يعتبر الحق في السكن والحماية من الطرد في يافا وعكا موضوعاً مدنياً أم قومياً؟ هل يعتبر الحق في الأمن الشخصي والحماية من العصابات موضوعاً مدنياً أم قومياً؟"، وتضيف: "إذا كان المقصود بالمدني هو دفع الأموال للمواطنين الفلسطينيين مقابل قبولهم بنظام الفوقية اليهودية، وعدم التطرق للاحتلال، فهذا له أسماء أخرى: خضوع، خنوع، واستسلام، وفي هذه الحالة نحن أمام مثال ممتاز وعملي على أن المدني في حالتنا هو شأن قومي بامتياز".

وفي الامتحان الأول لائتلاف عباس- بينيت، عُرض قانون منع لمّ الشمل الإسرائيلي، والذي يمنع قرابة 45 ألف عائلة فلسطينية من الداخل من لمّ شملهم مع أفراد العائلة في الضفة وغزة بحكم كونهم فلسطينيين فحسب. وبدلاً من تصويت عباس رئيس اللجنة المعنية لعدم تمديد فترة سير القانون، طالب بنقل التداول في القانون من لجنة الداخلية التي يرأسها، إلى لجنة الخارجية، ما ألغى معظم الاحتمالات لإلغاء القانون الذي تم تأجيل التصويت على تمديد فترته.  

الفلسطينييون رفضوا الانبطاح مقابل المال

لا يمكن تبيان مصلحة الحركة الإسلامية (القائمة الموحدة) بقيادة منصور عباس، بعد أن كانت حجتها في بادئ الأمر، وعند انشقاقها عن القائمة العربية المشتركة وبدئها التفاوض مع بنيامين نتنياهو، هي أن القائمة المشتركة دعمت قانوناً يدعم حقوق مثليي الجنس. واستخدمت كوادر الإسلامية وصف خصومها السياسيين بـ"الداعمين للشواذ" كدعاية انتخابية. وهذا لم يمنع الحركة الجنوبية من توقيع الاتفاق الائتلافي مع حكومة بينيت، والذي ينص على "تطوير حقوق المثليين ودعمهم في إسرائيل، ودعم مشاريع القوانين كلها التي تتعلق بالقضية المثلية"، الأمر الذي أثار دهشة الكثيرين، حتى حزب الليكود اليميني الذي صرح قائلاً: "لم نتوقع أن يوافق ممثلو الحركة الإسلامية على زواج الأفراد من الجنس نفسه".

لعلّ رواية "الحفاظ على الثوابت الوطنية" فقدت مصداقيتها، ويبدو أن الإجابة عن سؤال مصلحة الحركة الإسلامية تكمن في اتفاقها مع حكومة بينيت، الذي ينص على تحويل قرابة 60 مليار شيكل إسرائيلي (18 مليار دولار) إلى المجتمع الفلسطيني (تمر عبر لجنة الداخلية التي ترأسها الحركة الإسلامية في الكنيست الإسرائيلي). وعليه، ستكون "القائمة الموحدة"، حاملة هذا النهج، هي المتحكم بسير هذه الميزانيات في مجتمع قال كلمته مراراً، وكانت واضحة للعالم في الأشهر الأخيرة، بأنه لا يقبل الانبطاح مقابل المال.  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard