حين يختفي خطاب "الزعيم" في طوابير محطات البنزين

الثلاثاء 22 يونيو 202112:06 م


كنّا نسمع، ولم يكن الأمر منذ زمن بعيد، خطابات. لا. لا. أقصد أننا كنّا نستمع إليها. كنّا نستمع إليها لأن حاسة السمع لا يمكن التحكّم بها بسهولة. فلا يمكن غضّ السمع كما يُغَضّ البصر مثلاً، أو كما نقفل أنفنا بأصبعين عندما لا نرغب في شمّ رائحة ما.

التعامل مع الأذنين أصعب. المسافة بينهما ليست سهلة المنال. ومسألة إغلاقهما أكثر فضائحية من إغلاق الأنف الذي يمكننا إقفال فتحاته بحركة مواربة، كأننا نريد أن نعطس أو نسعل أو نتثاءب، أو حتى يمكن القيام به بدون استخدام اليدين، بطريقة لا يشعر بها الآخرون.

لكن إغلاق الأذنين حركة مفضوحة. هي أشبه بموقف اعتراضي فاضح، يورّطك وقد لا تتحمل تبعاته، أو بالأحرى من الطبيعي ألا تتحملها. كما أن الصوت يتسرّب بسهولة. اهتزازته نفّاذة تنتقل بسلاسة وتقاوم كل الحواجز بخلاف الرائحة أو الضوء. تخترق الأجساد، وتمرّ من بين الأصابع. هي لا تشبه الموجات الضوئية التي يمكن لجفن مغلق أن يصدها، أو أن تشيح عنها العيون.

الصوت يحيط بالأذن ويترصدها في كل مكان. وعليه، ستكونون مرغمين على الاستماع إلى الخطاب الذي يُفرض عليكم، وغالباً ما يفرضه عليكم راكب سيارة داكنة اللون والزجاج، صاحبها غالباً ما يكون مفتول العضلات، وغالباً ما تكون تسريحة شعره عدائية، وغالباً ما تكون سيارته واثقة. هو يعلم بأمر كل ما مرّ سابقاً من استعصاء. يرسل موجات خطاب زعيمه إلى رأسنا، فارضاً علينا كل كلمة وكل حرف.

"يحدث أن تكون تلك الخطابات الحماسية، أو مقاطعها المنتقاة بعناية التحدّي، والمجبولة بموسيقى الأمل والعنفوان، قد اختفت الآن تماماً مع بدء مرحلة الانتظار في الطوابير أمام محطات الوقود"

ويحدث أن تكون تلك الخطابات الحماسية، أو مقاطعها المنتقاة بعناية التحدّي، والمجبولة بموسيقى الأمل والعنفوان، قد اختفت الآن تماماً مع بدء مرحلة الانتظار في الطوابير أمام محطات الوقود. لا أعلم ما سبب هذه الظاهرة! سأحاول التكهّن وفي تكهّني شيء من اليقين: قد يكون الأمر اختلافاً بين المقامات، فلكل مقام مقال، والطريق المفتوحة، الأوتوستراد السريع، الأحياء الشعبية، المسيرات والتظاهرات، الزاروب أمام منزلي أو مكان عملي، هي مقامات ذاك المقال. هناك يأخذ الخطاب مداه، فيهدد أمثالي أو يضعهم بشكل غير مباشر في دائرة المتهَمين.

هو الخطاب والمقال أو كما يحلو لمريديه القول: هو فصله. هو الفصل الذي لا فصل بعده. هو كل الخطاب. الخطاب المشبع بالقوة والحقيقة حتى التخمة، والذي يفيض حقيقةً إلى درجة تجعل فضاء الكلام التفسيري المرتبط به يحتل شاشات التلفزة ويحدّد تخوم كلام مئات الألوف من الناس.

لكن أمام محطة الوقود، في الطابور، في مقام الانتظار، يبدو الأمر متناقضاً. لأن من طبيعة الخطابات الحسم والجزم وعدم الانتظار، ولا يمكن لخطاب يريد أن يحدد مصير ملايين الأشخاص أن يسير وفق سرعة دوران دولاب سيارة يتحرك بإيقاع حلزوني، أو بحياء سلحفاة.

"هذه الأجساد الهائمة التي تدخل الطابور تلو الطابور، لا يمكن أن يثير حماستها صراخ حماسي ولا موسيقى العنفوان. لا يمكن أن يبرّد قلبها حديث عن نصر حصل، وعن بحبوحة قادمة، وعن صمود أو تصدٍّ. هذه الأشباح يشغلها الانتظار"

الخطابات مكانها السماء، لا حواجز أمامها، ولا يمكن أن تسير خلف سيارة هوندا موديل الـ80، ذات حواف مهترئة وصوت جهوري متقطع، وينبعث منها دخان ملوّن، وتنازع من أجل الوصول إلى خرطوم الوقود. المقام لا يناسب ذاك المقال. ولا يناسب رائحة العرق المكثفة، بخار أجساد الناس الذين يتعرّضون للطهي في علبهم المعدنية المنتظرة.

لا يتحمّل الخطاب مشهداً كمشهد الرجال الذين وصفهم غسان كنفاني في قصة "رجال في الشمس" بأنهم يختنقون، ويتحوّلون إلى قطع من اللحم المطهوة في علب معدنية، وبأنهم مستسلمون لا يستطيعون أن يطلقوا صرخة احتجاج، ويخافون أن يخسروا دورهم.

فالنهار في أوّله، وطوابير أخرى تنتظرهم. ينتظرهم طابور أمام شباك الصيدلي، يقفون فيه وحدهم مشدوهين ويحلمون بعلبة حليب لأطفالهم، وينتظرهم طابور آخر أمام باب السوبرماركت، إلخ.

هذه الأجساد الهائمة التي تدخل الطابور تلو الطابور، والتي تندم على دخولها، لا تمتلك ترف عدم الدخول. هذه الأشباح الهائمة لا يمكن أن يثير حماستها صراخ حماسي ولا موسيقى العنفوان. لا يمكن أن يبرّد قلبها حديث عن نصر حصل، وعن بحبوحة قادمة، وعن صمود أو تصدٍّ. هذه الأشباح يشغلها الانتظار ويشغلها صوتها الذي يختنق في صدرها.

يعلم صاحب السيارة المستعدة دوماً لبث الخطاب، والتي تنتظر دورها التعيس، أنه يجب أن يبتلعه، أن يحبسه، أن يخجل منه ويتواضع. يعلم أنّ لا قول في هذا المقام إلا للانتظار.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard