إمعان في الذلّ... الطابور بات بمثابة وحدة قياس لأعمارنا نحن السوريين

الثلاثاء 6 أكتوبر 202003:55 م

إذا جمعتم زمن وقوفكم على الطوابير منذ "تحية العلم" في المدرسة الابتدائية، والجُملة الأثيرية المحفورة في وجدانكم "رتلاً تَرادَفْ"، مروراً بطابور "الإعاشة" ودفتره بزخرفاته بهيجة الأشكال والألوان، وكذلك انتظاراتكم في الدوائر الحكومية للحصول على بعض الأوراق الثبوتية، أو إنجاز بعض المعاملات الإدارية، منذ تسجيلكم في الجامعة، ثم في سبيل تأجيل الخدمة الإلزامية، وتالياً على أبواب دوائر الهجرة والجوازات، أو لتثبيت الزواج في "النُّفوس"، ثم تسجيل الأولاد... وإذا أضفتم إليها طوابير انتظار وسائل النقل العامة والخاصة، وخلال توزيع الرُّز والسُّكر على البطاقة الذكية جداً، وأمام الكازيات من أجل ثلاثين ليتر بنزين كل أسبوع، وترقُّب الدَّور الإلكتروني لجرّة الغاز، وطوابير الحوالات المالية وشركات الصرافة المرخصة وغير المرخصة، وأرتال الصرافات الآلية، وغير ذلك، ستكتشفون أن ما يُقارب ثلث أعماركم تقضونها وأنتم في طابور ما تنتظرون الفرج من دون أن يأتي، وكأنه غار من "غودو" ففعل مثله.

"كل شيء في سوريا سلبي إلا اختبار الكورونا إيجابي"

ربما تواسيكم فكرة أن الطوابير وانتظام الناس فيها دليل على المساواة، لكنكم سرعان ما ستمحون أفكاركم الوردية بعدما تكتشفون أن الطابور بات بمثابة وحدة قياس لأعمارنا نحن السوريين، فهذا عاش ثلاثين طابوراً، وذاك مُعمِّر إذ طالت حياته لخمسين طابور، وآخر خُطِفَ خطفاً وهو في طابوره الثامن، وكأن ثمَّة علاقة بين الطوابير والأعمار، إن لم نكن أكثر دقة ونقول "قَصْفَها"، تحت ذريعة النظام في التَّوفير، والتقنين، ومنع التهريب، وضغط النفقات، والحدّ من الهدر، وغير ذلك من العبارات الرّنانة التي لا تعود على السوريين إلا بمزيد من الإذلال والإمعان فيه، وهدر ما تبقى من كرامتهم قراراً بعد قرار، وإزهاق آخر رمق من مقاومتهم تعميماً إثر تعميم، وكأن ما لم تستطعه الحرب خلال العشر سنوات الماضية، بكل ما فيها من موت وبتر أعضاء وشلل وعاهات مستديمة، وتفجيرات وقذائف هاون وصَلْيَات صاروخية وإعدامات وألغام،... تقوم بها تلك القرارات والتوجهات الحكومية الحكيمة، بدمٍ بارد، داقَّةً المسمار الأخير في نعشنا الواسع المُسمّى "سوريا".

ما الذي يُبرِّر مثلاً الذكاء منقطع النظير بتقسيم بيع الخبز إلى شرائح حسب أفراد العائلة الواحدة، وهو ما يدفع رب الأسرة للذهاب يومياً إلى الفرن من أجل الحصول على ربطة واحدة (7 أرغفة)، طالما أنه لم يكلِّف نفسه ويجلب إلى هذه الحياة "الرغيدة" أكثر من طفلين، والأنكى أنه ما زالت هناك أصوات ترتفع وتقول بالفم الملآن بأن "الخبز خط أحمر".

أيُّ أحمرٍ هذا الذي يجعل الحشود على الأفران كأنها في يوم الحشر قبل التوجه مباشرةً إلى جهَّنم، بسبب ذاك القرار الأخرق، والذي يدّعي مُصْدِرُوه بأنه من أجل تخفيف الازدحام على الأفران وفق الآلية الذكية التي تُمرِّغ أنف السوري بالذُّلّ من أجل الحصول على رغيفه ورغيف عِيَالِه، وفوق ذلك يتذكر فجأةً القائمون على تسويد حياتنا فيروس كورونا، وضرورة التباعد الاجتماعي، لكن ذاكرتهم تُراجِع ما كرَّسوه على مدار العقود الماضية عن "اللُّحمة الوطنية"، و"التَّعاضد المجتمعي"، فيرفضون تغيير "رسالتهم الخالدة" بعدما اعتادوا كل شيء "إلى الأبد"، فيبقون على الطوابير ويكرِّسونها ويُكدِّسونها، ولو كانت من دون "رتلاً ترادف"، فمُدرِّس الفتوّة العتيق والعتيد لم يعد يهمُّه النِّظام المُنضمّ، ولا خزعبلات رَصِّ الصُّفوف، خاصةً بعدما انتقل من عمله في المدارس، وأصبح يُنظِّم الأرتال والطوابير من وراء تطبيق البطاقة الذكية، التي أتاحت له المجال لأن يتذاكى على كيفه، بسبب سُلْطَتِه، ولأنه تفرعن ولم يجد من يردُّه.

هذا عاش ثلاثين طابوراً، وذاك مُعمِّر إذ طالت حياته لخمسين طابور، وآخر خُطِفَ خطفاً وهو في طابوره الثامن، وكأن ثمَّة علاقة بين الطوابير والأعمار، إن لم نكن أكثر دقة ونقول "قَصْفَها"، تحت ذريعة النظام في التَّوفير، والتقنين، ومنع التهريب، وضغط النفقات

وإمعاناً في ترسيخ سطوته، صار يُتاجِر بالخُبز من تحت الطاولة ويبيعه بخمس أضعافه، ويتعاطى مع المُعتَمدين الذين لا يعتمد عليهم ويحصل على حصته، وتراه أيضاً يُرتِّب الدَّور من أجل الرز والسكر وحفنة من الشاي "السوبر بيكو" في مؤسسات التجارة الداخلية وحماية المستهلك، غير القادرة على حماية نفسها، وربما تَصْدُفُه في "الطوابير الموازية"، إذ ما زال محتفظاً ببطاقته القديمة، أو حصل على واحدة أكثر جِدَّة، أَرْفَقَها بصورةٍ أكثر هيبةً ووقاراً، تجعله يتبختر ناظراً إلى البشر المنتظمين في الأدوار على أنهم مُجرَّد حشرات، ثم يحصل على ما يريد من دون أن يهدر عمره في الانتظار.

بينما من هم في طابور "الغلابة" يشتمونه في سِرِّهم، ويتهامسون فيما بينهم عن بلدٍ لم يعد لهم فيه شيء، فلا حول ولا قوة لهم، وكل ما يستطيعونه أن يُداروا أوجاعهم، وخيباتهم، والإمعان في إذلالهم، فينظرون إلى الطوابير على محطات البنزين باعتبارها "سيراناً" من فئة الخمس نجوم، ولو كلَّفهم انتظاراً يفوق الاثنتي عشرة ساعة لتحصيل مستحقاتهم من مشتقات نفط الوطن، كما باتوا يرون في طابور الفرن فُسْحَة للتعرف على أصدقاء جُدد بنكهة الخبز الطازج، لاسيما بعد أن تظهر الحاجة إلى تعبئة الوقت المقتول بالأحاديث المختلفة، فيتحوَّل ذاك الطابور إلى ندوات حوارية أو مناظرات في إدارة الوقت، والاقتصاد المنزلي، وتصويب أخطاء الساسة وعلماء الاجتماع وشيوخ الدين، إلى جانب نقاشات حول البوتوكس والفيللر وابتسامة هوليوود، وأيضاً المتابعة بأحاديث عن فوائد المتّة مع إكليل الجبل، ومضار الزنجبيل، وآخر صيحات التكنولوجيا، والأساليب الحديثة التي يتبعها حيتان السوق في تبييض الأموال، مع التطرق إلى علاقة الدولار بسعر جرزة البقدونس، وربط ارتفاع الذهب بـ"حدودية" البصل السّلموني، وقد يحتدم الجدل حول مسلسل "شارع شيكاغو"، أو فيديوهات "دانة جبر" المُسرَّبة، أو زيارة "ماكرون" للسيدة فيروز، وصولاً إلى النقاش حامي الوطيس عن أيهما الأكثر تأثيراً: مقدِّمة "ابن خلدون" أم مؤخّرة "كيم كارديشيان"، وهل يُسمى المكدوس مكدوساً إن لم يحتوي على الجوز؟ وكل ذلك من أجل سبعة أرغفة أو ضعفها، إذ لا قدرة لهم على شراء الخبز السياحي، ولا المشروح، ولا خبز التنور، كما أن الصَّمون بات من منسياتهم.

بينما من هم في طابور "الغلابة" يشتمونه في سِرِّهم، ويتهامسون فيما بينهم عن بلدٍ لم يعد لهم فيه شيء، فلا حول ولا قوة لهم، وكل ما يستطيعونه أن يُداروا أوجاعهم، وخيباتهم، والإمعان في إذلالهم

أخبرني صديقي مرةً بأن "البريطانيين أمهر شعوب العالم في تنظيم الدور، لدرجة أن كل بريطاني يمكن أن ينتظم في طابور لوحده منذ أن يولد"، لكن على ما يبدو أن هذه الحرب اللعينة، ومرفقاتها من الفساد المستشري، وأتمتة احتياجات المواطنين الأساسية، جعلت السوريين يتجاوزون الإنكليز في هذه القضايا، فالسوري في كل صباح يحصي طوابير مشكلاته اليومية، ويُرتِّب نفسيته المحطّمة، وروحه المهشّمة، من أجل أن ينتظم في أحد الأرتال الإلزامية، فلا خيار أمامه سوى الإذعان، ورفع روحه الرياضية أثناء التركيز على نقرة الواقف أمامه في الطابور، إذ حتى شراء دخان "الحمراء" التي كان يعافها في الماضي، بات بحاجة إلى الوقوف في الدَّور والانتظار طويلاً للحصول عليها، وأيضاً اختبار الـ"بي سي آر" الذي يدفع رسومه بالعملة الصعبة، لن يحظى به إلا بعد أن يخالِط من هبَّ ودبّ، ويعرض حياته لـ"الكورنة" حتى يحصل على نتيجته، والمصيبة أن تكون إيجابية، فعلى قولة أحدهم: "كل شيء في سوريا سلبي إلا اختبار الكورونا إيجابي"، وهناك طوابير "النافذة الواحدة" ومراكز خدمة المواطن، التي لا تخدم أحداً، فشبكاتها مقطوعة بشكل شبه دائم كالكهرباء والماء، وكأن هناك إجماع على تحويل حياة السوري إلى طابور مستديم ضمن هاوية لا قرار لها، ما إن ينتهي من طابور حتى يخترعون له آخر "أدقّ رقبة"، وكلُّه تحت عنوان عريض الحكومة الإلكترونية و"بطاقتها الذكية"، التي أكثر ما نخشاه أن يتطاول ذكاؤها على أدويتنا المزمنة، ومضادات الاكتئاب، والعرق البلدي، والدُّخان اللَّف، حينها سنكفر بآلهة الذكاء كلِّها، وسنلعن الحياة برُمَّتها، ولن تفرق معنا بعد ذلك إن أدرجوا الأكسجين على بطاقتهم العبقرية، أو خفَّضوا مخصصاتنا من الشَّمس، فلن يكون بإمكانهم إماتتنا أكثر مما نموته على مدار الساعة حتى في أحلامنا الأكبر إشراقاً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard