حمداً لله على السلامة، الجمهورية العربية السورية ترحب بكم

الأحد 27 يونيو 202112:10 م

على مقعد الطائرة السورية، أرخيت رأسي بعد عناء انتظارٍ طويل. طائرة واحدة في الأسبوع تصل محملة بمن يرغبون في التنقل بين ربوع الخليج طلباً للعمل، أو للالتحاق بالعائلة. ننتظرها جميعاً لتُفرغ ما في جعبتها من أفراد وبضائع، لتعبئتنا ونقلنا على دفعات في متاهتها الملتفة، للعودة بنا إلى أرض الوطن، محلقةً في سماء مقسومة على نفسها. تستطيع عصفورتنا الزرقاء التحليق فوق أجواء محددة، بينما تُحظر عليها بعض المسارات الجوية، والغيوم، نتيجة تطبيق أحد بنود العقوبات اللانهائية التي فُرضت على السوريين. تطير الطائرة السورية بقدرة قادر، وحيدةً، في ظل تهديد الملاحة الرأسمالية، وملفوظةً من أنظمة الصيانة المعترف بها، وغالبية من فيها يحملون وثيقةً هي الأكثر كلفةً، والأقل حظاً في العالم؛ جواز السفر السوري.  

يوقظني من غفوتي المقصودة مضيف الطائرة، لأشاهده وهو يقدم عرضه أمام جمهورٍ نصف مغمض، ويخبرنا بحركات يديه، وبصوت الكابتن، أننا سنطير على مسافة قريبة من الماء. ويشرح لنا كيفية ارتداء سترة النجاة قبل السقوط، فأترك كلماته تتساقط بيأس في أذني، وتداهمني تخيلات سقوط الطائرة في البحر. إن كان ولا بد، فلتتكرم ولتسقط قريبة من اليونان. أراهن أن الركاب جميعهم يتمنون هذه الأمنية الجماعية. عندها سأستحضر مهاراتي العشوائية كلها للسباحة إلى البر، فأطلب اللجوء، ثم أنقذ عائلتي بكاملها.

إن كان ولا بد، فلتتكرم ولتسقط قريبة من اليونان. أراهن أن الركاب جميعهم يتمنون هذه الأمنية الجماعية. عندها سأستحضر مهاراتي العشوائية كلها للسباحة إلى البر، فأطلب اللجوء، ثم أنقذ عائلتي بكاملها

وأتساءل متعجبةً: هل بات ذاك المصير هو المطلب الأخير الذي يتبادر إلى أذهان السوريين في لحظة الموت؟ أتذكر جملة جارتي، فلسطينية الهوى والأصل، عندما نتنافس في حجم الشتات: أنت تعرفين على الأقل شكل الأرض التي تنتمين إليها. فأجيبها من دون صوت: صحيح. لكنك تنعمين بهجرةٍ عائلية لعائلتك بكاملها. أيهما يفوز في درجة المعاناة: الشتات الوطني، أم الشتات العائلي؟

أعود إلى الواقع، فأسمع همهمة جاري في المقعد، بعد أن هدأ روعه، وتقلصت مخاوفه من جلوسي إلى جانبه. وبّخني في البداية قائلاً: اجلسي بسرعة، وكأنه ولي أمري. لا أعلم هل هو متوتر من الطيران، أم لكوني امرأة، أم لأسباب أخرى أجهلها؟ كل ما أعلمه أنه سيهدأ بعد قليل، ويعتاد على الفكرة. بل سيذهب أبعد من ذلك، ويصر على البحث عن مكان فارغ لحقيبة ظهري. وقبل أن أنبس ببنت شفة، خطفها ليجد لها مكاناً بين زميلاتها. أهي ذكورية لأنني امرأة لا تقوى على رفع حقيبتها، أم هي حركة مهذبة ومحترمة؟ أراهن أن أحداً لا يعلم الإجابة. لكني في العادة أمنح الحق في حمل حقيبتي لشريكي فحسب، لا للغرباء، حتى وإن نصت "الإيتيكيت" على ذلك. أما عندما ترفض المرأة تلك المساعدة من شريكها، فهذا يعني أنها لم تعد تحبه.

أفكر في التمارين الرياضية المرهقة التي أمارسها يومياً، والتي لم تُتح لي فرصة الاستفادة منها في رفع حقيبتي. لكني لاحقاً نجحت بصعوبة في رفع جرة الغاز السورية ثلاثة طوابق كاملة. داهمني توتر غامض، فهناك شحّ في العنصر النسائي على متن الطائرة. النساء باقيات هناك على أرض الوطن، وهنا في السماء، الرجال الذين يعملون في مدن الملح، لتعيش عوائلهم في سوريا. ومع فرق العملة، يستطيعون تأمين ما يسد الرمق.

أنظر من خلال النافذة وأرى شعار الخطوط الجوية السورية الأزرق، وأعود معه إلى طفولتي. قضيت غالبية أيام العطلة الصيفية في مكتب جدي للسياحة والسفر، ثم أمي من بعده. كنت أغرق بين تذاكر السفر، وشعارات شركات الطيران، وألوانها. أحفظ العواصم والأعلام. أراقب المسافرين القادمين للحجوزات، كلهم. لكلّ واحد منهم جنسية. وأستمع إلى والدتي تتحدث اللهجات المحلية بطلاقة، وترطن بالفرنسية مع بعض الزبائن. أدوخ مع رائحة الغليون العطرة التي ينفثها جدي. لم أستطع إلا أن أنظر إليه كنبيل من نبلاء القصص. يأتي من سفره في كل مرة بالشوكولا، والألعاب الروسية الخزفية، وعلى رأسه قبعة فرنسية، ويتحدث عن تجار الشنطة، وعن الرحلات السياحية التي ينظمها، "الترانزيت"، "الويتينغ ليست"، وتثبيت الحجز. وأحفظ رائحة الخزانة ومكان الدرج الذي ستخرج منه الكنوز، فأرابط تحت سريره بعد الغداء، لأحصد الغنائم، وأفوز بسماع قصة يرويها لي. وسرعان ما تُختتم الحكاية بدغدغة طويلة، وبضحكي المتواصل حتى تسمعني والدتي، فتعلم أن الوقت حان لانتزاعي من جدي، وتركه لقيلولته الهادئة.

أقرأ الشعار المتباهي على جناح الطائرة "السورية تعني الأمان"، وأتذكر أني لا أشعر بالأمان إلا عندما أكون هناك. حتى وإن كانت القذائف تتلوى، والبراميل تضج، والرصاص يحتفل بنصر مبهم

أصعد إلى الطابق الأعلى من مكتب السياحة، وهناك أحظى بالهدوء لألعب على الآلة الكاتبة، واستمع إلى طقطقة أزرارها. أشعر براحة بالغة لسماع الطقطقات، وكأنها رقصة جاز نقريّة. ثم أراقب ورق التيليكس حيث تصل الرسائل المفرّغة. تنبهني والدتي إلى ضرورة عدم إصدار صوت، حتى لا أزعج مندوب الوكالة في مكتبه. إلى جانب مكتب السياحة، هناك ملهى ليلي أسمع عنه الكثير من القصص، لكني لا أفهمها. كل ما كان يلفت نظري حينها، لافتته الحمراء، وسكونه في النهار، الذي لا يشبه ليله الصاخب، وبائع السندويش الذي يفترش الزاوية، ويجذب إليه المارة برائحة جبن القشقوان الساخن، وعصير الليمون. بقيت أبحث عنه زمناً طويلاً، علّني أستعيد طعم طفولتي البائدة.

كان يوماً حزيناً عندما التفّت الحيتان الكبيرة حول مكاتب السياحة، وسرقوا الوكالات واللقمة من أصحابها من دون تعويض. يومها خسرت طفولتي، وكبرياء عائلتي أمام جشعهم.

أصحو من تداعيات الذاكرة، وجاري في المقعد لا يزال حائراً؛ هل يتكلم معي أم يخاف مني؟ أتركه مرة أخرى لقلقه، وأقرأ الشعار المتباهي على جناح الطائرة: "السورية تعني الأمان"، وأتذكر أني لا أشعر بالأمان إلا عندما أكون هناك. حتى وإن كانت القذائف تتلوى، والبراميل تضج، والرصاص يحتفل بنصر مبهم. أظن أنها متلازمة عاطفية تصيب كل من يترك أرضه قسراً، ثم يعود لزيارتها. البعض يفضل شطبها من ذاكرته نهائياً، ظناً منه أنه سينجو من خيالاتها في محاولات التأقلم في الوطن الجديد. أستيقظ من أضغاث أحلامي على صوت التصفيق، هل أكمل المضيف مسرحيته، ففاتتني الخاتمة؟ أشعر بفروقات الضغط، وتمدد الرأس، فأدرك أننا نهبط، وأن الكابتن السوري بارع في مناورات الهبوط، فيصفق له الجميع دوماً. إنه التصفيق الوحيد الذي نتفق عليه جميعاً.

يعلو صوتا الكابتن وجاري في آنٍ واحد: حمداً لله على السلامة، الجمهورية العربية السورية ترحب بكم.   

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard