في بيتي أزمة نسوية لجأت معي إلى أوروبا

الأربعاء 16 يونيو 202101:16 م

هنا أوروبا، بلاد الغرب، بداية الألفية الثالثة، السنة العاشرة حسب توقيت اللاجئين/ ات السوريين الفارين من الحرب. الحرب، بكل ما تعنيه الكلمة من بشاعة. أرغب في التحدث عن جزء من تجربتي كامرأة سورية، أو ناشطة نسوية كردية، وتحديداً عن الجزء الخاص بالأمومة، وما لها من سطوة علينا نحن معشر النساء.

لم أكن أريد ترك منزلي الذي اشتريته بعد عناء وصبر وعمل طوال عشر سنوات، ولا ترك وظيفتي التي حصلت عليها بعد مجهود شخصي كبير. كنت متمسكة بالبقاء في سوريا حتى آخر رمق. كنت ممتلئة بالرضى عن نشاطي وعملي هناك. وفي كل مكان هناك أترك أثراً ما؛ في المدرسة، والمخيمات، ومراكز العمل التطوعي. كنت أعمل بخشوع المصلي لله، وأشعر بعد كل إنجاز بأن الله يبتسم في وجهي ويقول: تابعي.

لم يكن يخيفني الجوع وإن كان كافراً، ولا النوم في العراء بلا كهرباء، ولا ماء، فالموت نهاية كل إنسان. ولا قلة الاستحمام، وإن عشش القمل في رؤوسنا، واضطرنا إلى حلقها، وخضعنا لتقبل الخسارة. ولكن ما لم أكن أتحمله، هو تلك الفكرة المليئة بالقهر: أن أكون أنا، أو إحدى بناتي، ضحية اختطاف واغتصاب، أو أن يكون أحد أولادي مجنداً في أحد التنظيمات المسلحة. كنت أرى وأسمع كل يوم قصصاً فظيعة عن مشاهد حدثت بالفعل. كيف لا، وقد كانت الكرديات هدفاً لتنظيم داعش. وكان هذا الأمر كفيلاً بتشجيعي على اتخاذ قرار اللجوء، والفرار أسوة بغيرنا من السوريين/ ات.

ما لم أكن أتحمله، هو تلك الفكرة المليئة بالقهر: أن أكون أنا، أو إحدى بناتي، ضحية اختطاف واغتصاب، أو أن يكون أحد أولادي مجنداً في أحد التنظيمات المسلحة

تبدو الحالة النسوية مزرية للغاية. والوضع يزداد تعقيداً. لن نبالغ في سرد القصص والحكايات التي تحدث معنا وحولنا. إنها الحقيقة. حقيقة هذا العالم الذي يمثلنا، وننتمي إليه بصفة "إنسان"، من دون أن نكون قادرين على التحرر من ثقل الانتماءات الكثيرة التي تشدنا إليها بنزق مبالغ فيه؛ انتماءاتنا الدينية، والعرقية، والسياسية، والجغرافية، وغيرها. والأهم من ذلك كله النوع الاجتماعي الذي ننتمي إليه، والذي يتصدر القائمة. يتجسد هذا الثقل حين نحاول كأمهات، بكل ما نملك من قوة، أن نحافظ على نوع من التوازن، على الأقل في بيوتنا الصغيرة المؤلفة من يافعين ويافعات في عمر المراهقة.

"بدي عيش". هذه العبارة كانت ببساطة شعاراً للحملة التي أعددناها أنا وصديقاتي الناشطات، في مجموعة "أصوات نسوية كردية"، تزامناً مع حملة الـ16 يوماً العالمية لمناهضة العنف ضد المرأة، والتي كان الهدف من ورائها تسليط الضوء، والوقوف تصدياً لحوادث القتل ضد النساء الكرديات في مناطق كثيرة من سوريا، وحتى في أوروبا، بسبب العقلية الذكورية التي تمارس القتل كعادة اجتماعية تحت ذريعة حماية "الشرف"، وغسل العار. ذلك لكون الأنثى ملكية خاصة، وتحت الوصاية الذكورية، والاقتراب منها يُعد مساساً بـ"شرف" قبيلة بأكملها. هذا قانون سائد في المجتمع الكردي على الرغم من التضحيات والنضالات كلها التي قدمتها الكرديات سابقاً، ولاحقاً، في خضم الثورة السورية.

استوقفتني تلك الجملة: "ماما أنا كمان بدي عيش"؛ قالتها إحدى بناتي اليافعات ذات الـ17 ربيعاً، وهي تختصر فيها متطلباتها كلها التي كنا ولا نزال نكافح من أجل تحقيقها.  تكمل نقاشها معي: "ألست أماً نسوية؟ وتطالبين بحقوق المرأة والمساواة مع الرجل؟ إذاً، عليك الالتفات إلى حقوقنا، ومتطلباتنا. أريد أن أعيش مثل إخوتي الذكور. إنهم يعيشون من دون أن يحسبوا حساباً لأحد، لا لشيء إلا لكونهم ذكوراً. يستمتعون بحرية ارتداء اللباس، واختيار الأصدقاء، والذهاب في رحلات من دون عناء الحصول على الموافقة، ويمكنهم المبيت خارج البيت إذا لزم الأمر. لماذا لا يحق لي، مثلهم، خوض علاقة عاطفية بشكل معلن، وبلا خوف، وإن انتهت بالفشل؟ كيف لي أن أجرّب هذا الحب الذي تتحدثون عنه بشغف، وأنتم تستمتعون بموسيقاه وقصصه، وتصابون بالهلع إن اقترب، وحاول أن يقرع بابنا، وكأنه إرهابي سيفجر منزلنا؟ لا أريد أن أدخل المطبخ لمساعدتك، وكأنه مكاننا الطبيعي، بينما يرتاح أخي فوق أريكته في الصالون مع بابا لمشاهدة التلفاز. أريد أن أكون أنا نفسي التي أبحث عنها في داخلي، وأراها جميلة. لكن يحزنني أن أرى صورتها مشوهة في المرآة".

وتتابع شقيقتها النقاش: "سئمت من تمثيل أدوار المجاملات، والمسايرة كالأغبياء، والإملاءات المتكررة ترتطم برأسي: افعلي هذا، واتركي ذاك، لأتظاهر بأنني الفتاة المطيعة الملتزمة بآداب الحياء على الدوام، وأكرر مقولة واحدة: ‘أمرك يا بابا’. أتعبني أداء أدوار المجاملات الذي يحولني إلى امرأة فوق الخمسين، ويتجاهل عمري، وضرورة اختباري لتجاربي الشخصية. ‘بدي عيش‘، من دون أن أكون خائفة من الضحك بصوت عالٍ. ‘بدي عيش’ حقي في السفر، والحب، وممارسة مواهبي، من دون الخوف من رقابة مستمرة وكأنني أخطط لسرقة. أكره أن يتدخل أحدهم في خصوصيتي، أو أن يؤنبني على صوري التي أنشرها على "الإنستغرام"، لتتحول إلى قضية عائلية مستفزة: ‘نحن ما عنا بالعيلة بنات يغنوا وينشروا صور‘. لا أريد لأحد أن يضع قواعد لعلاقتي بجسدي، وشكلي، وما يجب إظهاره أو إخفاؤه في لباسنا، ووشومنا، ومواهبنا، وصورنا، واختياراتنا لأصدقائنا وصديقاتنا، وتخصصاتنا المهنية أو التعليمية".

"ألست أماً نسوية؟ وتطالبين بحقوق المرأة والمساواة مع الرجل؟ إذاً، عليك الالتفات إلى حقوقنا، ومتطلباتنا. أريد أن أعيش مثل إخوتي الذكور. إنهم يعيشون من دون أن يحسبوا حساباً لأحد"

الفتيات اليافعات غير راضيات عن حياتهن لا سابقاً ولا في الوقت الحالي. ويتذمرن على الدوام من التمييز في المعاملة. الحق معهن في غالبية الأحيان. إن المسألة أشبه بمعركة مستمرة، ويجب البقاء على استعداد طوال الوقت. وعلى الرغم من أنني حاولت طوال مسيرتي في الأمومة أن أتعامل على قدر من المساواة بين الجنسين، وخوض معارك ونقاشات مستمرة للحصول على موافقات، أو مكاسب، كان من الأجدى لو حدثت من دون ذاك الكم من الغضب والصراخ أحياناً، إلا أن المشكلة لا تزال قائمة، ولم نخرج نهائياً من تلك الدائرة بعد. مخلفات الفكر الأبوي لا تزال عالقة في كل شيء. هي متيقظة في أذهاننا. ولا شك في أننا نحتاج إلى وقت أطول، وجهد أكبر، لتغييرها وتوجيهها بشكل إيجابي.

فانتهاج هذه الأفكار النسوية كأسلوب حياة في كل مكان؛ في البيت، ومع أفراد العائلة، ومع الأقران، والجيران، والأصدقاء، شيء رائع. لكن لا يبدو مقبولاً من الجميع، وقد يبدو غريباً للغالبية. إنه أمر منهك أن نرضي الأبناء، والبنات، والأزواج، بأمزجتهم المختلفة، ليتقبلوا هذه التغييرات الحاصلة. لا تغييرات اندماجنا في ثقافة وقوانين أوروبية جديدة داعمة لحقوق المرأة، ولكن التغييرات التي تطرق أبواب السوريين/ ات في البلاد بأكملها. وحان الوقت للوقوف عليها، والخروج من تلك العزلة، والاعتراف بضرورة التغيير.

الأولاد الذكور، أيضاً، ليسوا راضين عن حظوظهم، ويتذمرون من الانحياز إلى كفة الفتيات. والمسؤولية الملقاة على عاتقهم في دور المدافع والحامي على الدوام، ودور الرقيب، وفرض الممنوعات على أخواتهم، يثقل كاهلهم أيضاً. ثمّة أشياء ممنوعة، وطبعاً كلنا نعرف ما هي الممنوعات بالنسبة إلى الذكر الشرقي. ويستمر التذمر من إرشادات البالغين الكبار، وإبداء النصح لهم. وكأن هذا الخراب الذي يحصل ليس من صنع أيديهم، ولا أفكارهم التي غرسوها كونهم في طور الرشد والوعي. أشعلوا نيران الحروب، ونشروا الأفكار السامة التي تسببت بهذا الخراب والبؤس كله في العالم، فكانت خساراتنا بفقدان الكثيرين من الأعزاء بليغة.

حتى بعد الهروب من مجتمعاتنا التي أطفات النور في قلوبنا، ها نحن الآن نتكبد خسائرنا الفادحة، ونحن نصرف وقتاً وجهداً في فك الأغلال، وكسر بعض المفاهيم التي لن تجدي نفعاً. نريد أن نعيش بأمان، وأن نشعر بالطمأنينة التي ما إن نقبض عليها حتى تتسلل من بين أصابعنا كالماء. كعائلة قادمة من الشرق، ليس من السهل خلع عباءة الذكورية، وخاصة عند الآباء والأبناء. قد تخونهم "جيناتهم" الذكورية في مواقف شتى.

في هذه اللحظة، كم أريد أن ينتابني ذاك الشعور الذي أرهق جان ستيوارت يوماً، حتى وهو في قمة عطائه ونجاحه. أريد ان أشعر، مثله، بأن هناك غيمة كثيفة تلاحقني، ليس لأنه عجز عن تحقيق أحلامه، بل لأنه حققها فعلاً. وكأنني أشعر بثقل غيمته الكثيفة تلك طوال الوقت، وهي تنغص حياتنا، لكن بفارق بسيط، هو أني لا زلت أحاول جاهدة أن أعيش حياتي كما أريد، وأصارع كل شيء لأحقق أحلامي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard