حوار مع السيد إمام... الترجمة في مواجهة تناسل الطغاة والمتآمرين

الجمعة 25 يونيو 202110:33 ص

محافظة البحيرة المصرية... "حبّة في عقده الكبير"

محافظة البحيرة واحدة من أكبر المحافظات المصرية التي تزخر بالكثير من الأسماء التي أثْرَت الثقافة المصرية على مدار تاريخها، مثل الإمام محمد عبده، والشعراء محمود سامي البارودي، أحمد محرم، علي الجارم، توفيق الحكيم وأحمد زويل، والروائيين محمد عبد الحليم عبد الله، محمد يوسف القعيد، الشيخ سليم البشري والسيد عمر مكرم، وعاصمتها دمنهور، إحدى المدن المصرية القديمة وتعني مدينة الإله حور.

تضم المحافظة مدينة رشيد الساحلية التي "اكتشف" فيها شامبليون الحجر الفرعوني الشهير المسمى باسمها حجر رشيد أو Rosetta Stone، الذي فضّت نقوشُه أسرار اللغة الهيروغليفية ومن ثم الكثير من مغاليق الحضارة المصرية القديمة، وفتحت عيون العالم على الكثير من كنوزها المعرفية ومعجزاتها العلمية، في مجالات الطب والفلك والعمارة والهندسة.

لكنها، أقصد المحافظة، برغم هذا كله جزء لا يتجزّأ من الوطن الكبير الأم، أي مصر، التي تنتمي بدورها إلى الوطن الأكبر أي الوطن العربي، الذي يضم بدوره معظم الحضارات القديمة التي نشأت على ضفاف أنهار النيل ودجلة والفرات، وساعدت في تشكيل وعي العالم منذ بداية التاريخ وعلى رأسها الحضارة الأشورية والحضارة البابلية والحضارة الفينيقية، ومن ثم كان اهتمامي بقضايا هذا المحيط الكبير الذي تمثل المحافظة مجرد حبة في عقده الكبير.

ستة آلاف عام سبقت مجيء عمرو بن العاص إلى مصر... كيف أثرت في الهوية المصرية اليوم؟ السيد إمام عن قضية الجذور، الروح المفتقدة التي طمسها تعاقب الغزاة أو الفاتحين

شغلتني بالتالي قضية الهوية وقضية الجذور، الروح المفتقدة التي طمسها تعاقب الغزاة أو الفاتحين، قضية التخلف واختزال التاريخ في أضعف حلقاته، والتركيز على ثقافة بعينها باعتبارها المقوم أو الأساس، قضايا التفسير الأسطوري للطبيعة وظواهر الكون، غياب الوعي ومعاداة العلم الحديث والتمسك بالخرافة وتناسل الطغاة والمتآمرين.

ولذا لم يكن غريباً أن ينتبه المصريون أخيراً إلى مقومهم الأساس الذي يذكرهم بالجذور، بستة آلاف عام سبقت مجيء عمرو بن العاص إلى مصر، وتقف المسلة الفرعونية التي أقامتها الحكومة المصرية في أكبر وأشهر ميادينها على الإطلاق وهو ميدان التحرير، وسط غابة من المآذن الإسلامية التي تملأ سماء المدينة، شاهداً على تلك النزعة للتذكير بالجذور، وكذلك موكب المومياوات الملكية الذي جاب شوارع القاهرة مؤخراً نحو المتحف الكبير.

المغزى هو استنهاض الهمم واستدعاء لحظات المجد التي دفنها الغزاة عمداً تحت رمال الصحراء. تاريخ المنطقة ممتد وطويل.

أخطط لـ"نفق فكري" جديد

أتمنى أن أستكمل مشروع الترجمة النقدية بالتفاتة نحو النقد الثقافي في علاقته بالتاريخانية الجديدة، فالظاهرة الأدبية ظاهرة معقدة متعددة الأبعاد والأطر، لا تنشأ من فراغ ولا يمكن اختزالها في البعد الجمالي فقط، ولذا لزم دراستها في علاقتها بالأنساق الثقافية المضمرة وفي ارتباطها بالخلفية التاريخية والأنثروبولوجية والفنية والسياسية والاقتصادية إلخ.

وكذلك الاهتمام بالنزعة التأويلية في دراسة النصوص الأدبية على خلفية الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي أنتجها. إنه نقد للتيارات الشعرية والبنيوية والنصية المغلقة التي كانت تعنى بشكل من الأشكال بالبنيات الصورية المجردة.

التكريم الأول لأديب مصري في الدورة الأولى بملتقى الشارقة

مصر صاحبة ثقل ثقافي وحضاري يمتد لآلاف السنين. إنها مستودع ثقافات العالم وحكمته (تشاركها العراق وسوريا بكل تأكيد) وفي العصر الحديث، حملت مصر عبء الريادة في الأدب والفن والغناء والمسرح والصحافة والسينما والشعر. ولذا لم يكن غريباً أن يقع اختيار القائمين على المبادرة على مثقف من مصر، وإن كان يستحقها مثقفون كثيرون على امتداد العالم العربي، في سوريا والعراق وتونس والمغرب.

مصر صاحبة ثقل ثقافي وحضاري يمتد لآلاف السنين. إنها مستودع ثقافات العالم وحكمته (تشاركها العراق وسوريا بكل تأكيد)

التأليف أم الترجمة؟

بدأت مشواري الإبداعي كقاص تجريبي، ولكنني اتجهت بعد ذلك إلى النقد الأدبي والثقافي على وجه الخصوص، وأعتبر مشروعي في الترجمة امتداداً لهذا الدور. أردت أن أستكمل الدور العظيم الذي اضطلع به مترجمونا العظام، منذ الطهطاوي الذي أنشأ مدرسة الألسن، أن أفتح نافذة تعبر من خلالها رياح التغيير، للتعرف على الآخر المتقدم علمياً وتكنولوجياً، على أساليبه في النظر والتفكير، مناهجه في الفلسفة والسياسة والعلوم الاجتماعية والطبيعية.

واخترت لنفسي زاوية بعينها هي النقد الأدبي والنظرية الأدبية. وكرّست نفسي لهذا المشروع منذ بداية مشواري مع الترجمة. كان هدفي هو مساعدة الشباب الدارسين على الاطلاع على مناهج الآخر في مقاربة النصوص الأدبية ومحاولة الاستفادة من منجزها وإعادة قراءة مخزوننا الثقافي على ضوئها، عوضاً عن المناهج القديمة المتهالكة التي درجنا على مقاربة نصوصنا بواسطتها، والتي فقدت صلاحيتها من فرط الاستعمال والتكرار.

ومن ثم ترجمت الشعرية البنيوية والعمل بالبنيوية وقاموس السرديات، والسرديات، وإنتاج النص، وشعرية ما بعد الحداثة، وتعليم ما بعد الحداثة، وأقنعة بارت، وأعمال إيهاب حسن، وهكذا. كان الهدف هو المساهمة في تشكيل وعي معاصر وجديد.

محاولة قراءة العالم قراءة مغايرة تعيننا على فهم أنفسنا فهماً أفضل... فهماً مغايراً للفهم القديم الذي دأب الحرس القديم على ترسيخه في أذهاننا، بوصفه الممكن الوحيد لمقاربة تاريخنا الأدبي وموروثنا

محاولة لقراءة العالم قراءة مغايرة تعيننا على فهم أنفسنا فهماً أفضل على ضوء ما استجد من نظريات، محاولة فهمها فهماً مغايراً يسبر أغوارها، فهماً مغايراً للفهم القديم الذي دأب الحرس القديم على ترسيخه في أذهاننا، بوصفه الممكن الوحيد لمقاربة تاريخنا الأدبي وموروثنا.

في البحيرة: أمارس دوري كمثقف عضوي في مدينتي 

في فرع ثقافة البحيرة...لم تكن جائزة. كان تكريماً بطعم الجائزة. تعلمين أنني تمسكت بالبقاء في مدينتي ولم أعمد إلى الهجرة إلى القاهرة كما فعل الكثيرون من أقراني. فمثلما اختزلت الأوطان في بعض الأحيان في رموزها، اختُزلت مصر كلها في العاصمة، حيث مؤسسات النشر الشهيرة، وسائل الإعلام، المتاحف والمراكز الثقافية ودور السينما والمسارح وقاعات الموسيقي والفنون التشكيلية. لم أشأ أن أهجر مدينتي كما فعل أقراني لكي أمارس دوري كمثقف عضوي في مدينتي.

مثلما اختزلت الأوطان في بعض الأحيان في رموزها، اختُزلت مصر كلها في العاصمة، حيث مؤسسات النشر الشهيرة، وسائل الإعلام، المتاحف والمراكز الثقافية ودور السينما والمسارح وقاعات الموسيقي والفنون التشكيلية

نادي الأدب بمحافظة البحيرة

لقد ترأست نادي الأدب في المدينة ونوادي الأدب في المحافظة لعدة دورات متتالية. حين دخلت نادي الأدب في أوائل السبعينيات كان المناخ كله محبطاً. كانت معظم المناقشات الأدبية تدور حول المفاضلة بين قصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية، مناقشات حول الزحافات والعلل، كسور الوزن، معضلات اللغة، نقد شكلي (وليس شكلاني) يتسم معظمه بمعاداة الجديد والاحتفاء بالقديم.

سيبويه والخليل بن أحمد، أبو تمام والبحتري، البارودي وحافظ وشوقي، ابن قتيبة والآمدي، تلك هي الدائرة التي كان يدور الشعراء في فلكها. وكان دخولي إلى هذه الدائرة بمثابة العاصفة التي قلبت المنضدة على رؤوس أصحابها. كنت أتبنى مقولات الحداثة وخطاب أعلامها في الفن والثقافة والأدب. ومن هنا بدأ التأسيس لوعي جديد. اختفى الجيل القديم شيئاً فشيئاً وبرز جيل جديد يتبنى فكر الحداثة ومقولاتها، وتغير المناخ كلية.

حيث أتيحت للجيل الجديد من شعراء دمنهور الفرصة للالتقاء بمجايليهم المقيمين بالقاهرة، والتعرف على إبداعاتهم. أصدرنا بعد ذلك مجلة "حور" التي توليت رئاسة تحريرها، والتي اهتمت بنشر نصوصهم، فضلاً عن سلسلة من الكتب تعنى بنشر دواوينهم ومجموعاتهم القصصية في محاولة للتعريف بهم وتقديم إبداعاتهم.

وفوق هذا وذاك، أشرفت، بصفتي رئيساً لنوادي الأدب على تنظيم عدة مؤتمرات أدبية باسم البحيرة (محافظتي) للاحتفاء برموزها من الشعراء والروائيين (أربعة مؤتمرات أدبية : مؤتمر علي الجارم، مؤتمر عبد الحليم عبد الله، مؤتمر أمين يوسف غراب، مؤتمر يوسف القعيد) استضافت دمنهور بموجبها عدداً من الرموز الثقافية والنقاد الكبار، ما جعل من مدينة دمنهور مركزاً ثقافياً مهماً ومركزاً للإشعاع والإبداع.

"لا وقت عندي للكراهية، فنقطة حب واحدة كفيلة بأن تبدد طناً كاملاً من الكراهية. الحب هو الأساس وهو المنتهى"

(لا تنسي أن البحيرة هي المحافظة التي أنجبت حسن البنا والشيخ محمد الغزالي الذي مهّدت فتواه لاغتيال فرج فودة، بوصفه مرتداً عن الإسلام).

كتاب "تحولات الخطاب النقدي لما بعد الحداثة"

تعرفت على إيهاب حسن من خلال هامش قصير أورده ديفيد لودج في هامش أحد فصول كتابه "العمل بالبنيوية"، بعنوان الحداثة وما بعد الحداثة. كان اسم إيهاب حسن مجهولاً بالنسبة لي وللثقافة العربية ككل، برغم أهميته الفائقة وريادته لتيار ما بعد الحداثة في الثقافة والأدب.

من هنا بدأ اهتمامي به، حيث بدأت التعرف على مسيرته والاطلاع على منجزه، لا سيما وأنه عربي مصري ولد في مصر ونشأ في كنفها. بدأت أولاً بترجمة كتابه "براءة جذرية" الذي يتولى فيه تتبع ظاهرة الرواية الأمريكية فيما بعد الحرب العالمية الثانية.

ثم قمت بعد ذلك بجمع وترجمة أهم مقالاته حول فكرة ما بعد الحداثة، وهي المقالات التي شكلت كتاب "تجليات الخطاب النقدي عند إيهاب حسن"، والكتاب يعطي القارئ فكرة مركزة حول أهم إسهامات حسن في النظرية الأدبية ما بعد الحداثية. أعقبته ترجمات لبعض أعماله المؤثرة: "الخروج من مصر"، "النقد النظير"، "تقطيع أوصال أورفيوس"، "نار بروميثيوس" إلى جانب كتاب "أوديب" الذي يضم مجموعة من الدراسات التي كتبها مجموعة من الدارسين المتخصصين المنتمين لجنسيات ولغات مختلفة.

لمن يمارسون/يمارسن العمل الإبداعي بجدية وصمت

تكريم الشيخ الدكتور محمد بن محمد القاسمي لي عبر المبادرة التي أطلقها لتكريم الرموز الثقافية في الوطن العربي، كانت إشارة واضحة بأن هناك أذناً تسمع وعيناً ترى. بالطبع لم أكن أتوقع تكريماً من هذا النوع وعلى هذا المستوى، على خلفية ما يحدث في مؤسسة الجوائز والتكريمات في العالم العربي عامة.

لم أكن من المحسوبين يوماً على نظام من الأنظمة أو شلة بعينها. ومن هنا تأتي أهمية هذا التكريم الذي يأتي خالصاً لوجه الثقافة وحدها. التكريم يعطي الأمل للكثيرين ممن يمارسون عملهم الإبداعي بجدية وصمت، دون ضجة من أي نوع أو جلبة فارغة.

أواجه الحب والكره

 أواجه الحب بكثير من الامتنان، ولا اواجه الكراهية بكراهية مثلها. أواجه الكراهية بمزيد من التسامح، فسهام الكارهين غالباً ما ترتد إلى نحورهم. لا وقت عندي للكراهية، فنقطة حب واحدة كفيلة بأن تبدد طناً كاملاً من الكراهية. الحب هو الأساس وهو المنتهى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard